تجربة الورشة الروائية الافتراضية
2020-07-15 | منذ 3 أسبوع
واسيني الأعرج
واسيني الأعرج

ماذا تعني الورشة الكتابية في مفهومها العام؟ المساعدة على إدراك آلية اشتغال نوع من الأنواع الأدبية، أي أن الغرض من وراء الورشة هو المساعدة التقنية وليس غرس الموهبة، ربما العمل على إيقاظها، إذ كثيراً ما تكون نائمة وتحتاج إلى من يحركها. وتكون اللقاءات فرصة لتبادل الآراء والتدرب على الكتابة. لكن ماذا عن الورشة الافتراضية؟ أشرح هذا من خلال استعادة التجربة الكتابية التي قمت بها في عز كورونا. كان لا بد من وسيلة للخروج من فكرة الموت باتجاه الحياة؟ الحياة تقتضي شراكة لتفادي التيه الذاتي.

وجاءت فكرة كتابة ونشر رواية عن مناخات كوفيد 19 وليس عنه بالدرجة الأولى. رواية تدور أحداثها، في عز الجائحة؟ هل ذلك ممكن في وقت ترتد فيه النفوس إلى دواخلها مكتفية بخوفها وملاحظات علامات كوفيد التي يمكن أن تهز كل يقينيات الجسد. كانت مغامرة بلا حساب مسبق. مقيماً كنت، في شمال باريس، في منطقة حمراء، أي من أكثر المناطق وباء ونشاطاً فيروسياً، أي احتمالات الإصابة فيها كثيرة.

وعندما صدر قانون الانكفاء (الحجر) الإجباري من طرف الدولة الفرنسية، كان عليّ وعلى الكثير من الأصدقاء أخذ الأمر بجدية لمواجهة موت محتمل. أولاً بسبب سننا التي تجاوزت الستين، ما يجعلنا طعماً سهلاً لكوفيد. ثانياً أن مرضاً قاتلاً مثل كورونا لا لعب معه، لكونه سريع العدوى وخطيراً. صديق فنان كبير دونيس مارتينيز، اختار إنجاز لوحة كبيرة مليئة بالتفاصيل الرمزية في عمل استثنائي في حياته حول المسألة الوجودية (الموت والحياة). قال هي وسيلتي الوحيدة لأبقى حياً دون أن أفكر في الموت.

أرسم وأرسم حتى أرهق الموت بسلاحي الفتاك، ريشتي وألواني. الموت يخاف من الألوان الكثيفة. وكنت وقتها عالقاً مع روايتي (حيزية/ امرأة ليست ككل النساء) واحدة من أجمل قصص الحب التي حدثت بالفعل في الجنوب الجزائري في القرن التاسع عشر. كنت قد هيأت كل شيء لكتابتها بعد أن تحصلت على معلومات نادرة حول قصتها مع الشاعر بن قيطون، تخرج لأول مرة إلى العلن. وزرت بسكرة، بوابة الصحراء الجزائرية، حيث جرت وقائع القصة التراجيدية.

واستمعت إلى المرويات المهمة. وزرت قبرها وقبر أهلها، وبعض المواقع التي وقعت فيها القصة، وكنت أنوي أن أقوم بالرحلة، من بازر الصخرة حتى سيدي خالد حيث منتهى الرحلة، كما فعلت حيزية برفقة حبيبها، لكن الجائحة منعتني من ذلك. لا أدري السبب الذي جعلني أعلق قصة حيزية، وأتفرغ فقط لقصة لم تكن ملامحها قد اتضحت بعد؟ هل سأكتب يوميات الموت في المساحة الحمراء، أم أفعل شيئاً آخر.

فجأة، تركت كل شيء وقلت أكتب عن نص له علاقة بالجائحة، لكنه في الوقت نفسه، يخرجني من دائرة الموت. فكانت فكرة رمادة؛ لأن كل مناخاتها في جو الفساد المعمم عربياً والانهيارات البنيوية والسياسية، ولم يكن الوباء إلا تعبيراً رمزياً عن السقف الذي وصلت إليه الأوضاع.

وكانت الفكرة الأولية أن أكتب لكيلا أفكر في الموت الذي أخذ الكثيرين من العائلة في الغربة، وأخذ جاري النشيط، النائب الأول للبلدية في شمال باريس. كان عليّ ألاّ أكتفي بالكتابة عن الموت، لكن أن أخترق الصمت والخوف المبطن، فتوجهت نحو قرائي في صفحتي على «فيسبوك» الذين كان الكثير منهم يعانون من العزلة العالية في مناطق كثيرة من العالم (الجزائر، المغرب، تونس، مصر، السودان، ليبيا، فلسطين، عمان، بيروت، سوريا، موريتانيا، تورينو، فرنسا، كندا، أمريكا، بلجيكا، وغيرها…) وبدأت بتجربة تكوين ورشة افتراضية لم أعلن عنها حتى لا تبدو ذات طابع مدرسي، لكنني دعوتهم لمرافقتي لعيش ميلاد رواية يكونون هم طرفاً عارفاً بخباياها. واقترحت عليهم أن يبدوا ملاحظاتهم حول كل ما يقرأونه من الرواية، والتزمت أنا بالرد على جميع التعليقات.

وقمت بالتجربة، بنشر فصلين في الأسبوع، يومي الخمس والأحد، وكانت المفاجأة مذهلة. أكبر بكثير من أفق انتظاري. واتخذ نشر الفصول مدارات جدية، ليتحول النقاش بالفعل إلى محاورات حقيقية، كأننا في ورشة حية، موضوعها رواية هم شركاء في ميلادها بشكل من الأشكال، ولم نكن في حاجة إلى استعارة رواية لكاتب ما والتطبيق عليها باستحضار مفاهيم ميلاد موضوع الكتابة، البداية وصعوباتها، النشاط السردي بموضوعاته وشخصياته المختلفة، اللغة وسياقاتها، الحوارات… كان القراء يعلقون وأرد من جهتي بجدية، على كل التعليقات، بالخصوص الطويلة التي تتعدى الانطباع إلى المناقشة. على مدار أربعة أشهر، وثلاثين ليلة متتالية بلا توقف، وحوالي 3000 تعليق، بدون حساب اللايكات، كبرت هذه الرواية بين أيدي من اشتركوا في ميلادها، بحيث انفردت مجموعة من القراء كانت أكثر وفاء والتزاماً بالرواية حتى نهايتها.

وتحولت من مجرد اشتراك لتقاسم الحياة، لتجاوز محنة كورونا، إلى منصة نقاشية وورشة روائية. نشطت سابقاً الكثير من الورشات الأدبية الجميلة، مثل ورشة مسقط، وورشة جائزة البوكر في قصر السراب، وورشة الخلوة الأدبية في الشارقة وغيرها، كلها ذات قيمة معرفية كبيرة، لكن هذه الورشة الافتراضية التي لم تعلن عن اسمها، كانت حالة خاصة. لقد عاش القراء، نقاد محترفون وأكاديميون، كتاب شباب، وقراء شغوفون بالقراءة، هذه التجربة بشكل جميل وعميق، ربما غير مسبوق. فقد انخرطوا في العملية الكتابية، وفي الممارسة الإبداعية قراءة وتعليقاً، وانتظاراً لصدى ملاحظاتهم.

شجعني التزامهم على المواصلة والرد على كل واحد منهم. لم أحسب حساب الوقت، من منطلق مبدأ بسيط، كانوا حاضرين ومداومين، ومن حقهم أن يسمعوا صدى لملاحظاتهم. فقد تفرغت لهم. طبعاً هم لم يطلبوا الدخول في النص لتغييره، وأنا لم أفتح هذا الباب. فقد ظل التفاعل نصياً بشكل قوي. لأني أومن بأن الإبداع هو مسألة فردية بالدرجة الأولى. لكن في الحلقة 29 تم تدمير أفق انتظار غالبية القراء. كانوا ينتظرون لقاء رومانسياً بين الموسيقي شادي ورمادة الطبيبة، وهو ما يحدث عادة في روايات الحب، لكن الذي حدث كان شيئاً آخر.

شيء مخالف جذرياً لأفق التوقع. ما يمكن تسميته بضربة مسرح. فبدا شادي في هذه الحلقة خائناً بالمعنى العاطفي مع الموسيقية ميشا التي ظلت معه طوال فترة مكوثه في المستشفى الوطني بفيينا، بسبب إصابته البليغة بكورونا فيروس. وكان لا بد من التمرين على كتابة نهاية يرونها هم كقراء مناسبة للنص، في انتظار نشر النهاية الرسمية للرواية التي كنت بصدد كتابتها. كانت اللعبة الأدبية انقلاباً كبيراً على كل الشخصيات التي أحبوها. كانت الورشة الافتراضية قد وصلت إلى منتهاها. ونشرنا كل النهايات المحتملة التي اقترحها القراء الذين تطوعوا بكتابة نهاية احتمالية للرواية التي تابعوها على مدار أربعة أشهر. وبنشر النهاية الرسمية التي أعادت الاختلالات إلى نصابها.

انتهت أطول ورشة كتابية افتراضية. عندما أغلقت هذه التجربة فكرت أن أضع على لسان راما جملة: أستطيع الآن أن أموت.

وكانت الفكرة تعبيراً عن داخلي لأني لم أمنح نفسي في تلك المساحة الموبوءة، لحظة راحة واحدة في حربي/ حربنا ضد كوفيد 19. بعدها قلت من الأفضل أن أقول: أستطيع الآن أن أحيا.



مقالات أخرى للكاتب

  • ماجستيك الساحرة الناجية من الغرق الكبير
  • أوغست رودان يخون "قبلة" كامي كلوديل
  • اللغة شريكة المنافي

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي