

سرعان ما كان رد فعل الدول العربية، على توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، إذ عُقد مؤتمر بغداد بحضور عشر دول قررت خلالها الدول المشاركة، عدا عمان والصومال والسودان، رفض الاتفاقية ومقاطعة مصر، وتم نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس.
وعلى الفور عقدت قمة عربية لتؤكد على مقاطعة مصر، وتعليق عضويتها بالجامعة العربية، وتعيين الشاذلي القليبي، كأول أمين عام غير مصري للجامعة.
ولم تهدأ الدول الثائرة، فقررت أن تشمل المقاطعة المنتجات المصرية والشركات والأفراد المتعاملين مع الكيان الصهيوني، وتعليق الرحلات الجوية، ومنع المساعدات المالية المقررة لمصر بعد حرب 1973، ورفض السعودية تمويل صفقة طائرات أمريكية لمصر، وتوقف شراكة السعودية وقطر والإمارات بمشروع الهيئة العربية للتصنيع؛ الذي كان من المفترض أن يقام على أرض مصر.
واستمر ذلك الوضع لما يزيد عن أثنى عشرة سنة، حتى انتهت المقاطعة العربية لمصر رسميا؛ إثر مؤتمر الدار البيضاء الطارئ عام 1990 المنعقد بالمغرب، وعاد مقر الجامعة العربية إلى القاهرة، وتم تعيين وزير خارجية مصر آنذاك، عصمت عبد المجيد، أمينا عاما للجامعة.
ورغم أن مصر كانت –ومازالت حتى الوقت الراهن - الدولة العربية الوحيدة التي تمكنت من الانتصار على الكيان الصهيوني واسترداد أرضها التي اغتصبتها، إلا أن الدولة العربية حينها رأت أن مجرد الاتفاق مع ذلك الكيان، حتى وإن كان بهدف وقف نزيف الدم وتقليل حجم الخسائر، يعد عمالة وخيانة عظمى لا يمكن تبريرها أو تجاوزها دون رد قاطع وحازم.
وبعد أقل من نصف قرن، استطاع خلاله الكيان الصهيوني ومن يقف ورائه إحداث الفرقة بين الدول العربية، وإثارة الفوضى في المنطقة ونشر الطائفية والمذهبية، وإحداث إقتتالا داخليا وحروبًا أهلية، وتكوين جماعات إرهابية، فتمزقت أمتنا العربية وانقسمت، واستبيحت وأغتصبت أراضيها وخيراتها، بل وأهلها.
فأين العراق وأين سوريا وأين اليمن وليبيا، وأين النخوة العربية، تلك النخوة التي دفعت بالدول العربية إلى مقاطعة مصر لمجرد قبولها الاتفاق مع الصهاينة على استرداد باقي أرضها حقنًا للدماء.
وهاهي الأيام تمر، ورأينا منذ حوالي عام، دولة الإمارات، التي قبلت –وربما سعت إلى- التعاون والاتفاق مع الكيان الصهيوني الغاصب ليس لأراضينا ولخيراتنا فحسب، بل غاصب لعروبتنا ورجولتنا، ذلك التعاون غير المبرر وغير المقبول على الإطلاق.
وكان من المفترض أن تثور الدول العربية مرة أخرى، كسابق عهدها، وترفض ذلك التعاون وتعلن مقاطعة الإمارات، ولكن لم ولن يحدث ذلك، فالأوضاع تغيرت والأفكار تبدلت، وفقدنا الكثير من معاني العروبة والأخوة، وعلت أصوات المصالح الشخصية، والتي أثق في عدم تحققها من وراء هؤلاء الصهاينة، الذين لا يعرفون إلا الفساد في الأرض، ولا يهدأون إلا بالوقوف على حطام الدول، وسوف تذكر الامارت، تلك الدولة التي كنا نأمل فيها ومنها الكثير، أنها كتبت بموافقتها النعاون مع هؤلاء شهادة نهايتها.
وأعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى بيان، فغالبيتنا على ثقة من أن الكيان الصهيوني لديه مآرب ومطامع خاصة من ذلك التعاون الظاهري مع الإمارات، ولن يسمح بأن يستفيد غيره، فقد يضاف ذلك الكيان لإمارت الإمارات، أو قد تصير الإمارت جزءً من ممتلكات ذلك الكيان.
وقطعاً، لن تقتصر الفائدة على الكيان الصهيوني، بل كان لازماً أن تستفيد الولايات المتحدة أيضاً، كعادتها، ويكفي أن نقول، أن الولايات المتحدة العام الماضي وافقت على بيع طائرات مقاتلة من طراز "اف-35" بقيمة بلغت أكثر من 23 مليار دولار، وطائرات من دون طيار إلى الإمارات، وذلك بعد اعترافها الدبلوماسي بإسرائيل، وكأن تلك الصفقة كانت تحتاج إليها الإمارات، أو أن أمريكا منحتها إياها كمعونة دون مقابل.
ولم يقف الأمر عند الإمارات، بل تبعتها مباشرة العديد من الدول العربية، إذ وقعت "البحرين" اتفاق تطبيع للعلاقات مع الكيان الصهيوني، ثم السودان، وأخيراً –وللأسف ليس آخراً- المغرب.
على كل حال، أخشى –وللأسف أتوقعها قريبا- أن أعيد ذات الكلام مرة أخرى على بلد عربي آخر، فالفكر الصهيوني كالسرطان سرعان ما ينتشر، إذا وجد خلية تمكن من البقاء فيها.
فيا حكامنا وأهلنا، أياكم وهؤلاء، غدا سوف نلقى الله تعالى ويسألنا عن أفعالنا، فلا تغرنكم الدنيا، وأعتصموا بحبل الله عز وجل، ودعونا نتحد – ولو لمرة واحدة- مع بعضنا على عدونا، وليس على بعضنا.
*دكتوراة في القانون الدستوري ، عضو محكمة لندن للتحكيم الدولي
[email protected]
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس