لجنة فينوغراد اللبنانية الضرورية والمستحيلة
2025-11-22
وسام سعادة
وسام سعادة

أن يكون لبنان قد انخرط في ما سمي «حرب الإسناد» وأن تقوم حرب الإسناد هذه على رهانين، أحدهما متصل بتخفيف الضغط عن قطاع غزة، والثاني بأنها ستلازم حدّها كحرب استنزاف ولن تتحول إلى «حرب كليّة وشاملة»، وأن يظهر خطل هذين الرهانين وبهتانهما، وتذهب الأمور في اتجاه حملة استئصالية مدشّنة بعملية أمنية مهولة وغير مسبوقة على هذا النحو، من خلال تفجير أجهزة النداء واللاسلكي بالآلاف من كوادر «حزب الله، وبالسفير الإيراني مجتبى أماني، وتتدحرج الأحداث على نحو خاطف في اتجاه تصفية قيادات الحزب وضرب نخاعه الشوكي وإلى ما سمي «الغزو الإسرائيلي الثالث» للبنان، أن يحصل كل ذلك ويتواصل ويتمادى وتتفاقم مفاعيله إلى اليوم، إلى حيث تزايد القلق بخصوص احتمال حملة استئصالية إسرائيلية شاملة جديدة، فالأمر جلّه ليس من النوع الذي يقابل بلبنان لا بلجنة تحقيق أو فحص رسمية من أي نوع، ولا بنقاش جدي وصريح بين اللبنانيين بأي شكل كان، وإنما هو «حوار الطرشان التوعدي» ما يحدث في الداخل اللبناني منذ عام. الوضع اللبناني مستعص بالقدر نفسه الذي تبدو فيه «لجنة فينوغراد لبنانية» مستعصية. أخطر ما يحدث أن اللبنانيين غير قادرين لا على الفحص ولا على النقاش في ما جرى. إن هو سوى الردح المتبادل. هذا في وقت يرتفع فيه يوما بعد يوم خطر حصول تصعيد إسرائيلي شامل، بل إن وتيرة التسخين والإيذاء في الاستهدافات الإسرائيلية تصاعدت في منحى بياني واضح في الأسابيع الأخيرة، بالتوازي مع التلقف الإسرائيلي التوظيفي لخطابية «إن الحزب يعيد تأهيل قدراته»، وإن لحظة رده على الاعتداءات اقتربت.
أن لا يكون لبنان قادراً على التحسب والتدارك بعد عام على «تحول» نمط هذه الحرب من الحملة التدميرية المتواصلة في مقابل «صليات صاروخية» من الحزب على الجليل، إلى حملة قنص إسرائيلية متواصلة لعام كامل ومن جانب واحد، فهذه مشكلة لا يمكن أن تنحصر تداعياتها بمضاعفة انعدام التوازن وحده، وإنما من شأنها إحداث مفعول تفجيري للتركيبة اللبنانية السياسية، بل المجتمعية أيضاً.
الغزو الإسرائيلي الثالث للبنان يفرض معادلة مركبة وخطيرة كيانيا، هذا منذ عام. فهو غزو محدود ترابياً بتلال ونقاط في الجنوب. لم يكن محدودا تدميرياً في شهري الحرب الكلية بين سبتمبر وأكتوبر 2024، إذ شمل تصفيات واسعة النطاق لقيادات الحزب، وعلى رأسها السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وشمل تدمير عشرات آلاف الوحدات السكنية وتهجير معظم شيعة لبنان من منازلهم وبلداتهم وأحيائهم، ولا هو محدود اليوم من ناحية أن هذا المدى المحدود الذي تحتله إسرائيل من الأرض تمارس من خلاله دوراً تحكمياً واسعاً بالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، حيث تمنع كل همّة لإعادة الإعمار فيها، بمثل ما تجري إسرائيل وأمريكا محاصرة وصول المال الإيراني للحزب، ما يجعل التعويضات التي دفعها الحزب للأهالي عن دمار بيوتها وخراب أرزاقها محدودا، ناهيك أن وتيرة التدمير الإسرائيلية لم تتوقف بعد، بل إن تفاهم وقف إطلاق النار نفسه سرعان ما تبين أنه من جانب واحد.

تتدحرج الأحداث على نحو خاطف في اتجاه تصفية قيادات الحزب
وضرب نخاعه الشوكي وإلى ما سمي «الغزو الإسرائيلي الثالث»

لقد جرت حرب العام الماضي في ظل فراغ في سدة رئاسة الجمهورية وفي ظل حكومة تصريف أعمال ليس إلا وبرلمان ليس له دستورياً من دور تشريعي «طبيعي» طالما هو منصرف عن النهوض بواجبه المتمثل بانتخاب رئيس. كان هذا الفراغ الدستوري، أو هذا المشهد التعطيلي العام، انعكاسياً إلى حد كبير لمنطق تغلبية «حزب الله» من ناحية، وللانقسام حول سلاح الحزب بين اللبنانيين من ناحية ثانية. إنما بالنتيجة، أمّن الفراغ الدستوري الحاضنة الأنسب لحرب الإسناد، في وقت حُصِرَ فيه التفاوض غداتها عملياً بالرئيس الأبدي البرلمان اللبناني نبيه بري والمبعوث الخاص عاموس هوكشتاين، وقد أعطى هوكشتاين إشارات واضحة في الأشهر السابقة مباشرة للتصعيد الإسرائيلي الشامل أن الأمور ذاهبة في هذا الاتجاه، ما يعني أنه كانت هناك مشكلة في التلقي والاستيعاب والتدارك، وإلا لماذا كانت هذه القناة من أساسه. في وضع لبنان، فإن «لجنة فينوغراد» محلية قادرة على طرح وتتبع السؤال حول جدية المفاوضات غير المباشرة «على هامش» حرب الإسناد، تبدو في عداد «اللامفكر به» و«المستحيل». مع أن فحصاً كهذا يمكنه أن يظهر لنا بأنه كان هناك مجال حتى بعد أشهر متواصلة من «حرب الإسناد» للتدارك. الاكتفاء طول الوقت بأن كل شيء كان مقدراً ومحتوماً ليس من السياسة في شيء.
واليوم يتواصل الضغط من أجل حصول تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل. في المقابل يستمر «الحزب» في رفض الفكرة، فيما يواجه الحكم اللبناني القائم بعد الحرب بالتشكيك أمريكيا سواء من حيث قدرته أو من حيث نيته على تطبيق القرار بحصر السلاح بالدولة اللبنانية، وتفكيك ترسانة الحزب المتبقية، أو من حيث جهوزيته الفعلية للتفاوض المباشر مع الدولة العبرية، والحال أن اللبنانيين الذين يقبلون بمبدأ التفاوض غير قادرين بعد على مصارحة ذاتهم والآخرين بأن المطروح إسرائيليا لن يكون أقل من اتفاقية 17 أيار 1983 «مضاعفة». بالنسبة الى الإسرائيليين، فإن كل الكلام حول «العودة الى اتفاق الهدنة» صار من أدبيات الماضي. أما بالنسبة الى الإدارة الأمريكية، فإن الحديث عن انسحاب إسرائيلي من التلال الجنوبية قبل تفكيك «حزب الله» ليس مقبولاً. المعضلة المعاشة في لبنان حول أن «لا المقاومة العسكرية مجدية ولا التفاوض الدبلوماسي نافع» ترتكز في الحالتين على الهروب من الواقع. واقع ما تمخضت عليه الحرب الأخيرة. كذلك التركيز فوق اللزوم على المقارنة في الأداء بإزاء حزب الله بين رئيسي الجمهورية والحكومة في لبنان، فله منفعة محدودة. في نهاية الأمر، حتى في خطابي القسم والبيان الوزاري للحكومة الحالية، وعلى الرغم من العناوين «السيادية» للنصين، فإنه قد سادهما القفز على تقييم ما حصل من أول حرب الإسناد الى يوم اتفاق وقف إطلاق النار «الناري من جانب واحد». فاتورة هذا «القفز» تبدو مكلفة اليوم. أن لا ينجح لبنان في تفادي حرب العام الماضي وهو في ظل حالة فراغ رئاسي وتعطل دستوري فهذا شيء، وأن لا ينجح في تفادي تصعيد شامل جديد ولا في الخروج من دوامة «حرب الاستهدافات والاغتيالات الدائمة من جانب واحد» فهذا شيء آخر تماما، أكثر خطورة بكثير. «لجنة فينوغراد اللبنانية» الممتنعة عن الوجود، هي مع ذلك ضرورة. ضرورية كانت وتبقى، بل هي ملحّة، قدر ما هي مستحيلة عملياً. استحالتها العملية لا يمكن أن تعني ما هو أقل من تصدع بنيوي في تركيبة النظام السياسي اللبناني، يعكس مشكلة أعمق على صعيد انسداد شروط إعادة إنتاج العقد الاجتماعي بين اللبنانيين.

 

*كاتب من لبنان

 



مقالات أخرى للكاتب

  • الإمبريالية: من حيث هي «مفهوم» ومن حيث هي «صنم»
  • ربع قرن من التواطؤ الأمريكي الإيراني المرير
  • هل فعلاً سينتهي عصر الميليشيات؟









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي