

أمريكا اليوم تواجه موجة من الاحتقان الشعبي، والغضب المتزايد من سياسة دونالد ترامب في مجالات منها، التعليم، والهجرة، والحقوق المدنية، موجة الغضب كذلك على شبكات التواصل الاجتماعي من جراء فيديو ساخر ومستفز للمتظاهرين عند رميهم بالقاذورات من طائرة يقودها، حيث كُتب عليها الملك ترامب، إخراج فني من قبل الذكاء الاصطناعي، تعبير عن الاحتقان بين الجماهير الغاضبة، وحكومة ترامب، تحمل الطائرة الرئيس مرتديا زيا ملكيا وعلى رأسه تاج، إنه الملك ترامب، إمبراطور العالم، نوع من الزهو والفخر بالذات.
والواقع أن مخاوف الخبراء والمفكرين في أمريكا واردة، وشديدة التحذير من قبل "صمويل هنتغتون" مثلا، هواجس ليست نابعة من العدو الخارجي من خلال صراع الحضارات، تلك الكيانات المناوئة للنموذج الديمقراطي الأمريكي أي تلك المخاوف المهددة للوجود الأمريكي كأمة قائمة وفاعلة، من الخطر الأصفر(الصين)، والخطر الأخضر(الإسلام)، بل الخطر نابع من الداخل الأمريكي، من صراع القوميات، والمكونات الثقافية والحضارية في صميم المجتمع الأمريكي، من صراع الهويات المختلفة في المجتمع مما يقلل من انصهارها، ويبقى الصراع هنا دو طابع هوياتي، والسبب هنا يعود للهجرة، وطابع المهاجرين الذين يهددون وحدة المجتمع الأمريكي، ويؤدي للتصدع والتمزق الذي ينسف الوحدة والتماسك، وبالمقابل ينتصر المفكر للهوية الغربية الأوربية، حيث يعود للبدايات، لأول مستوطنة بريطانية في أمريكا، وللقيم البروتستانتية التي حملها المهاجرون الأوائل، والقيم الديمقراطية، والتقاليد الأصيلة، وفلسفة حقوق الإنسان، أي في زمن القرن السابع عشر الميلادي كانت الولادة الفعلية للمجتمع الجديد .
الولادة كانت عسيرة في واقع الحرب الأهلية كذلك، وبعد سنوات من الشد والجذب، سنوات عصيبة من الصراعات السياسية والاجتماعية، استقرت أمريكا على النظام الديمقراطي، انقسام الطبقات السياسية يتم تذويبه من قبل القانون والمؤسسات، وفاعلية المجتمع المدني، وبعد سنوات من التداول السلمي للسلطة بين الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي، بدأت الرغبات تطفو على شكل طموحات، وخطاب صريح وضمني من أجل ولاية ثالثة للرئيس ترامب، وبناء أمريكا، وكل ما يتعلق بالقدرة والرغبة في السيطرة، وتحويل أمريكا إلى قوة عالمية من جديدة بعيدا عن فلسفة الديمقراطيين، بعيدا عن حضور المنظمات اليسارية المناوئة، والمنظمات الحقوقية، والحركات المعارضة لسياسته، حركة "لا للملوك" في خمسين ولاية، خرجت يوم السبت 18 أكتوبر في مختلف الولايات الأمريكية ضد ترامب وسياسته في المجال الاقتصادي والسياسي، ضد سياسة ترامب الشعبوية، وتهمة تقويض مؤسسات الدولة، وسياسة العداء ضد المهاجرين، الرفض من منطلق الاختبار للقيم الديمقراطية، اختبار للمبادئ، والقوانين التي تأسست عليها الولايات المتحدة، من شرعية المؤسسات، ودستورية القوانين، أكثر من 2600 احتجاج لمختلف الهيئات، والمنظمات تحت شعار"لا للملوك"، لا مكان للنزعة الاستبدادية، والاستفراد بالسلطة، لا للسلطة الشمولية، ولا مكان للفاشية الجديدة في أمريكا .
الغاضبون يلوحون بالرفض، والغضب من السياسات الاقتصادية من خلال الزيادة في الرسوم الجمركية، ومحاصرة الاستثمار، والعبث مع الشركاء، ناهيك عن عداء أمريكا للشعوب الأخرى من خلال سياسة الإملاء والتهديد أو ما يسميه ترامب السلام بالقوة. لم تعد أمريكا كما كانت كما يدعي ترامب، ولو كان الأمر كذلك لكان هناك إجماع، ونوع من الرضا على سياسته الداخلية والخارجية، لقد تجاوز ترامب الصلاحيات الدستورية، والشعب الأمريكي بصدد ربيع جديد يعيد الاعتبار للمؤسسات، وللقيم الديمقراطية بإلزام الرئيس على السير وفق القواعد والمبادئ، والسير وفق الانتظام السياسي، وفق الحرية التي ناضل من أجلها الشعب في إقامة النظام الجمهوري، فلا مجال للملكية أو السلطة الفردية، وسبق للرئيس ترامب في تصريح نفيه القاطع للسلطة المطلقة أو الرغبة في البقاء لولاية ثالثة من خلال تغيير الدستور بالقول المعلن "أنا لست ملكا، كما تعلمون، يقولون فقط، لأنني أرفض الخضوع للمؤسسة السياسية القديمة "، الرفض للقيم الليبرالية، ولسياسة "بايدن" التي دائما ما يقوم بتعريتها، وتفكيك خصائصها، لا يريد ترامب العطاء بدون مقابل، يكشف المستور ويعلنها صراحة أمام الملأ، شعاره أمريكا أولا، ومن حق الآخرين الدفع مقابل الحماية، ولا يوجد شيء بدوم مقابل، وكفى من ابتزاز واستغلال أمريكا. التفاوض تحت التهديد والوعيد، الاقتصاد والمال أهم من الحروب، والصداقة بدون معادن نفيسة لا معنى لها في القاموس السياسي .
| منذ توليه السلطة أصدر ترامب العديد من القرارات في مدة معينة، بالمقابل يفتخر ترامب بكونه الرئيس الذي منع الحرب العالمية الثالثة، ومنع حروبا أخرى، وألزم دولا بتوقيع اتفاقيات دولية للسلام، التقى "بوتين" في ألاسكا، طالب بضم كندا، وغرينلاند وقاعدة باغرام الأفغانية، حريص على المصلحة العليا لأمريكا |
المشرعون الديمقراطيون يدعمون الاحتجاجات ويعتبرونها مشروعة وفاعلة، والمشتركون في حركة "لا للملوك" يرفعون الشعارات والهتافات ضد سياسة الاحتواء والتقويض، لا أحد فوق القانون، ولا معنى للديكتاتورية في مجتمع ديمقراطي، والحرية لا تعطى بل تنتزع، والمتظاهرون على قناعة راسخة بمطالبهم المشروعة، وهم ليسوا رعايا، ليسوا في حاجة لإمبراطور، في عصر نهاية الإمبراطوريات، والأنظمة الكليانية، قاعدة الاحتجاج تتمدد وتتوسع نحو ولايات مختلفة، وتنظم للتعبير عن الرفض لسياسة ترامب الأحادية وللنخبة الحاكمة، سياسة أدخلت أمريكا في التوجس، والخوف على الاستقرار والسلم الاجتماعيين، وعندما يتم مواجهتها بالعنف والقوة يزيد لهيبها، وتشتعل أكثر، زعيم الجمهوريين في مجلس النواب "مايك جونسون" وصف المظاهرات بأنها تعبئة كراهية ضد أمريكا قائلا: " أراهن على أنكم سترون فيها أنصارا لحماس وأنتيفا"، والجهة المناوئة اعتبرت المظاهرات مشروعة ضد تغول السلطة التنفيذية، وتأكل قيم الديمقراطية، ضد العبث بالقوانين، ومحاولة للسطو على الحكم، والدعاية لبقاء ترامب في السلطة من خلال التلويح بتغيير الدستور حتى يتناسب والطموح في الحكم، فكرة الحزب الديمقراطي وسياسة المعارضة من داخل الكونغريس، والمجالس المنتخبة برغماتية، ودعاية انتخابية من الآن ضد الحزب الجمهوري بأدوات تتجلى في الشك، والتقليل، وإظهار المخاوف من سياسة ترامب الاقتصادية والسياسية، تظاهرات حاشدة تطالب ترامب بالرحيل، واحتجاجات تنادي بإسقاط سياسته .
الحزب الديمقراطي وموجه العداء السافر لسياسة ترامب، والمجابهة بالمثل من خلال التقليل من سياسة بايدن وحزبه، ومدى فشله في السياسة الدولية والمحلية خصوصا ملفات تتعلق بالحروب، والحد من تدفق المهاجرين، حيث عمل ترامب على مواجهة الهجرة بالقوة، والقوانين الصارمة، وهدد معارضيه بإجراءات قانونية انتقامية، وأكثر من ذلك، كلام من السخرية العارمة في حق الرئيس السابق، والفيديو الساخر الذي يقصف الخصوم من المتظاهرين بالقاذورات من الطائرة، تصوير لذاته في نزعة القوة والسخرية السياسية، وتحويل الغضب الشعبي ضده إلى مادة للدعاية والعداء الواضح ضده من الحزب الجمهوري واليسار الراديكالي، ومنظمات حقوقية، ترفع شعار المطالب الحقوقية للشعب الأمريكي بكل أطيافه دون تمييز بين أشكال الناس أو التمييز على أساس جغرافي وطبقي، جماعات مناصرة للمهاجرين، والاتحادات المهنية، والطبقات الشعبية التي أدركت الإخفاق في سياسة ترامب، والتي رفعت من أرباح الأغنياء، كما زادت من أسهم الشركات والمقاولات على حساب الفقراء، وحقوق الطبقة المتوسطة.
إضافة إلى تقويض إجراءات الحماية، والعمل على رفع الرسوم في حق الشركات، وكل المبادلات التجارية. عندما يرفع المتظاهرون شعارات ولافتات تتهم ترامب بالديكتاتورية، ويتم الربط بين ترامب وستالين أو ملكة بريطانيا فإنهم يرفضون أن تصير أمريكا ملكية، ويرفضون ترامب ملكا عليهم إيمانا منهم بمصداقية النظام الجمهوري، وإيمانا بقيمة الحرية والقانون. بدوره ترامب يوجه غضبه للديمقراطيين، ويتهمهم بالاستسلام للجناح الإرهابي في حزبهم، أصوات محسوبة على الديمقراطيين من الكونغريس، ومجلس النواب اعتبرت القضية تأكيد على جوهر الديمقراطية الأمريكية، ضد رئيس خارج عن السيطرة، ولا يتبع القوانين، ولا يلتزم بعمل المؤسسات، يتصرف كالملوك، وهذا الأمر يتنافي والدستور الأمريكي القائم على الديمقراطية والقانون.
الأمر هنا لا يتعلق كما يدعي الجمهوريين بإرضاء النخب، والقوى الليبرالية، ولا يعني الالتفاف على اليسار أو الانقلاب على العملية الديمقراطية، بل عملية تصحيحية لمسارات السياسة، وضد الاستفراد بالسلطة. هناك حرب معلنة شفافة بين الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي يمكن أن تشعل صراعا طويل الأمد يتحول من المنافسة، والعراك السياسي السلمي إلى صراع مباشر تتحدد أبعاده بالقوة والميل للاحتواء، هذا الفعل يكون مخالفا للدستور، وشعارات أمريكا في الديمقراطية والحرية والمنافسة.
| المشرعون الديمقراطيون يدعمون الاحتجاجات ويعتبرونها مشروعة وفاعلة، والمشتركون في حركة "لا للملوك" يرفعون الشعارات والهتافات ضد سياسة الاحتواء والتقويض، لا أحد فوق القانون، ولا معنى للديكتاتورية في مجتمع ديمقراطي، والحرية لا تعطى بل تنتزع، |
لقد ملأت.الحشود الشوارع، والهتافات من خلال شعار "لا للملوك"، لا يمكن تحويل أمريكا لملكية، زحف غاضب يستنفر القوى الأمنية، الهدوء والسلمية يطبع المسيرات. إذا استمرت الاحتجاجات السلمية في المدن الأمريكية يمكن للرئيس ترامب إعلان حالة الطوارئ، واستخدام القوات المسلحة في قمع المتظاهرين، وهذا الفعل يتنافى والمبدأ القائم في النظام الفيدرالي، الكم الهائل من الحشود في مواجهة وحدات من القوى الأمنية والجيش، الأمر الذي يربك السلطات، ويعطي صورة قاتمة عن أمريكا كواحة للديمقراطية في العالم، سيطرح الناس أسئلة معقولة عن أمريكا التي تتباهي بالديمقراطية والحرية، أمريكا على صفيح ساخن، والمظاهرات الشعبية في تصاعد، حيث تزداد الهوة في المقاربات السياسية والاقتصادية بين الحزبين، وتتسع إلى درجة العداء والكراهية، زحف غاضب يتعمق من خلاله الشعور بقيمة الديمقراطية، وهم يهددون باكتساح الشوارع والساحات إذا لم يكف ترامب من تحويل نفسه كرئيس جمهوري إلى ملك يتربع على العرش، ويتوهم نفسه كذلك.
منذ توليه السلطة أصدر ترامب العديد من القرارات في مدة معينة، بالمقابل يفتخر ترامب بكونه الرئيس الذي منع الحرب العالمية الثالثة، ومنع حروبا أخرى، وألزم دولا بتوقيع اتفاقيات دولية للسلام، التقى "بوتين" في ألاسكا، طالب بضم كندا، وغرينلاند وقاعدة باغرام الأفغانية، حريص على المصلحة العليا لأمريكا، يناور، ويحاور، محارب لتجار المخدرات، وظل شديد اللهفة للظفر بجائزة نوبل للسلام، فكرته الأولى توقيف الاستغلال في حق أمريكا، ومن يريد الحماية عليه الدفع أولا، وكل ما يرغب فيه ترامب يصب في مصلحة أمريكا التي تزدهر بقدرتها وقوتها على الفعل والقيادة، وعندما يهدد يكون التهديد والوعيد قوي في إرغام الآخر على الامتثال، يصنع لأمريكا مكانة جديدة في عالم اليوم، لا يهتم بالعولمة، ولا بالأمم المتحدة.
يرغم القوى المناوئة على التفاوض والتنازل، يركب الأمواج، ويترك صدى من خلال إرغام الأطراف المتصارعة في الجلوس على طاولة الحوار، وبالقوة والدهاء يحارب الهجرة غير النظامية من خلال إجراءات، وقوانين في تشديد الرقابة على الحدود، وترحيل المهاجرين، وقمع الاحتجاجات المؤيدة للمهاجرين غير النظاميين.
نيران الغضب الشعبي في أمريكا نيران صديقة نابعة من العمق والمكان، صيحات وهتافات، وخطاب واضح يريد إبلاغ الحقيقة أن أمريكا ليست للملوك، نظامها جمهوري قائم على دستور ومؤسسات منتخبة، ولا يخجل الرئيس ترامب في نعت خصومه بأوصاف قدحية، يملك ترامب الجرأة في القول والتعبير، يكرر القول أنهم يعاملونني كملك، وأنا لست كذلك، النفي القاطع والقصف المتواصل للخصوم يعني أن القادم أسوأ، صراع على السلطة، وتنافر شديد في تدبير الملفات، والأزمات المحلية والعالمية ، ويمكن في لحظة ما أن تشتعل حرب أهلية طاحنة على الفكرة والتوجه العام للسياسة والاقتصاد في أمريكا .
*كاتب من المغرب يكتب في مجالات عدة كالفلسفة والأداب وعلم الاجتماع - الأمة برس
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس