شرق السودان.. حين يلعب "البجا" بالبيضة والحجر!
2020-04-05 | منذ 2 شهر
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

من السهل أن يكتب كاتب سوداني عن قضايا الثورة السودانية وهمومها العامة، فذلك أمر مندوب للكتَّاب والصحافيين، إذ هي هموم تقتضي المصلحة فيها تدويراً لزوايا النظر من جهات مختلفة ومقاربات عدة، لكن كثيراً ممَن يكتبون في الشأن العام وما يتصل بقضايا الثورة المركزية، قد يحجمون عن قضايا الأطراف والأقاليم، بحجة أنها قد تكون مجلبةً لنقد الكاتب وربما تعريضه لأن يكون مثار جدل، في ما إذا كتب عنها، مع أن الكتابة في قضايا صيانة الاجتماع السياسي المتصلة بنسيج السلم الأهلي في الإقليم والتبصر في مشكلاته من زوايا نقدية تتوخى الإشارة إلى الناس بما يعيق وعيهم، ومن ثم يعيق رؤيتهم وحراكهم المطلوب، يُعدّ في تقديري، من أهم القضايا الثورية.

عليه، يمكن القول إن ما يحدث بين "البجا" (بشقيهم الناطقون بالبداويت والناطقون بالتقراييت) في شرق السودان طوال مرحلة ما بعد الثورة، يعكس أزمة حقيقية خطيرة ولها صلة عميقة بطبيعة الواقع الذي خلقه نظام (الرئيس السابق عمر) البشير عبر تسييس القبائل. لكن مع ذلك، أصبح للصراع اليوم وجوه أخرى تعكس مخاطر كبيرة، إذا ما تغافل عنها الباحثون والمهتمون بالشأن العام السياسي والثقافي من نخبة أبناء "البجا"، فسيكون لها آثارها الخطيرة في تهديد نسيج السلم المجتمعي لشرق السودان.

المنطق القلبي

يتفق الجميع اليوم، على أن هناك أزمة تتشكل بوادرها في شرق السودان عبر خطابات شعبوية وقبائلية تخوض في قضايا السياسة والشأن العام بمنطق القبيلة، وبالتالي تعكس طبيعة غير سياسية للاختلاف السياسي، وهنا تكمن الخطورة.

فمنطق القبيلة، الذي يتمحور نسق القرابة فيه حول الـ"أنا"، إذا أُقحم في تعاطي السياسة، فهو منطق بالضرورة سيتصور الآخر لا كخصم سياسي يتعاطى معه اختلافاً حول آراء ومواقف وتفاصيل تتحرك في مسلمات الشراكة والمواطنة، بل سيتعاطى معه من منطق الاستبعاد والكراهية والخلاف، كما أن الحديث عن فكرة الوطن سيتقلص كثيراً في منطق القبيلة إلى حدود دنيا تسقط الوطن في تصور خاص بمنطقها القبلي.

ما ذكرناه آنفاً، هو الذي يتم اليوم من خلاله تعاطي السياسة في شرق السودان (بعد تفتيت وانهيار حزب مؤتمر "البجا" الذي تأسس لأول مرة في عام (1958) عبر ما سُمي "مجلس نظارات "البجا" والعموديات المستقلة". ولذلك كان طبيعياً أن يقوم خطاب هذا المجلس على نفي وإقصاء مكون بجاوي آخر، ليس فقط من استحقاقه في مسمى "البجا"، بل وإقصائه من حدود الوطن!

وحين تصل الأمور إلى هذه الحدود لا نجد أنفسنا أمام قضايا تتعلق باختلافات سياسية، وإنما نجد أنفسنا أمام تمهيد خطير وتهيئة واضحة لصراع وجود بين مكونَي "البجا" في شرق السودان. صراع يخرج عن خلافات السياسة إلى نفي المواطنة والشراكة عن الآخر، عبر استنفار أدوات الصراع القبلي التي تتجاوز رمادية السياسة إلى حدود الدم! الموقف الوطني والأخلاقي للنخب البجاوية، في حال أزمة خطيرة كهذه، سيكون بالضرورة قائماً على اتخاذ قرار شجاع بتبيان الحقائق للناس، لأنه في حال تشكيك طرف بجاوي في طرف بجاوي آخر بنفي "بجاويته" والطعن في مواطنته وتأليب عامة الناس من منسوبي القبائل لترسيخ ذلك النفي في وعيهم وتحفيزهم للاستعداد للدفاع عنه، هنا سيتعين على النخب الواعية من أبناء "البجا" ممَن تخصصوا في المعرفة التاريخية أن يتحلوا بالشجاعة ويبينوا الحقائق للناس.

واجبات النخبة

وسيكون أول واجب لتلك النخب هو إنكار مسمى "المجلس الأعلى لنظارات "البجا" والعموديات المستقلة" لأنه أخرج المكون البجاوي الآخر الأصيل في شرق السودان، من مسماه. والمطالَبون باتخاذ هذا الموقف الشجاع هم المثقفون والباحثون في التاريخ من أبناء "البجا" الناطقين بالبداويت (لأن المجلس الأعلى تم تكوينه فقط من القبائل الناطقة بالبداويت) لكن إذا سكت العارفون بالتاريخ والباحثون، فسيتركون الأمر بالضرورة لأنصاف مثقفين ودعاة فتنة يضمرون فهماً عنصرياً خطيراً لمفهوم الهوية البجاوية؛ فهؤلاء لا يعترفون بالتركيب والتعقيد والشراكة في وعي صيرورة الهوية البجاوية، ومن ثم سيفرز ذلك الفهم مفاهيم أوتوقراطية انتقائية لهوية "البجا" تصب نتائجها النهائية في إرادة الإقصاء والإلغاء وما تؤدي إليه مثل تلك النتائج إذا تم تعبئة القبائل وتجنيدها لذلك. ربما ظن البعض أن مطالبتنا مثقفي "البجا" من الناطقين بالبداويت، إنكار التمثيل الحصري لـ "البجا" في "المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة"، هو أمر ثانوي لكن الحقيقة إنه أمر ضروري جداً، ويصب في صميم تأمين السلم الأهلي والقيام بواجب صيانته عبر بذل المعرفة وتوضيح الحقائق وسحب البساط من تحت مَن لا معرفة لهم بحقائق التاريخ ولا بصيانة السلم المجتمعي.

للأسف لم نرَ حتى الآن، ذلك الموقف المطلوب من المتخصّصين في التاريخ من أبناء "البجا" الناطقين بالبداويت، ومثقفيهم بعامة، سواء عبر مقالات أو بيانات أو ندوات توضح الأمور وتصحح المفاهيم من أجل الحفاظ على السلم الأهلي، ونتمنى أن نرى ذلك الموقف الذي تقتضيه أخلاقيات المعرفة وقيم المواطنة، في المدى المنظور. كما يجب عدم ترك الساحة لدعاة الفتن وأنصاف المثقفين من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي. ومن المؤسف أن هناك عناصر من "قوى الحرية والتغيير"، ممَن ساهموا في الترويج لخطاب وفد "المجلس الأعلى لنظارات "البجا" والعموديات المستقلة" واستمع بعضهم إلى خطاباته الاقصائية، حين زار الوفد الخرطوم قبل شهر، والتقى ببعض المكونات السياسية، من دون أن يكون هناك إنكار أو إدانة من تلك القوى لطبيعة ذلك الخطاب الإقصائي، وخطورة مفاعليه على النسيج الاجتماعي في منطقة جيوسياسية كمدينة بورتسودان وولاية البحر الأحمر، حيث أُهمل مجتمع "البجا" فيها من قبل كل حكومات السودان منذ الاستقلال.

الإقصاء مستحيل

على "البجا" بمكونيهم الكبيرين أن يدركا أن لا أحد يمكنه إقصاء الآخر من شرق السودان، وكذلك يتعين عليهما أن يدركا أن أي عمل سياسي لا يشمل المكونين البجاويين إلى جانب المكونات الأخرى للمنطقة، بعيداً عن القبائل والإدارة الأهلية، هو عمل لن يُكتب له النجاح مهما توهم أصحابه خلاف ذلك.

تأسس حزب مؤتمر "البجا" لأول مرة، في عام 1958 على يد قيادات تاريخية من المكونين الأصليين للهوية البجاوية (الناطقون بالبدوايت والناطقون بالتقراييت) في شرق السودان. وشاركت كذلك بعض مكونات شرق السودان من غير "البجا"، لأن التفكير السياسي الذي وعاه الآباء المؤسسون لحزب مؤتمر "البجا" كان يعكس هوية جامعة لكل مكونات شرق السودان التي استوعبها الحزب ضمن رؤيته السياسية للشرق وأهله.

اليوم للأسف، أصبحت الهوية السياسية لهؤلاء ضيقةً حتى عليهم أنفسهم، بعدما انهار حزبهم السياسي تحت ضربات نظام تسييس القبائل الذي اخترعته المخيلة الشيطانية لحزب البشير (المؤتمر الوطني) فكان من ثمارها المُرّة على مدى 30 سنة، إحلال القبائل محل الأحزاب، لنرى اليوم بعد الثورة أن "مجلس نظارات "البجا" والعموديات المستقلة" هو التعبير السياسوي المأزوم لمكون بجاوي واحد يقوم خطابه على إقصاء المكون البجاوي الآخر!

وأرى أنه ما لم ينتبه مثقفو "البجا" الأحرار جميعاً (أولئك الذين لا يقبلون القسمة إلا على الوطن) إلى خطورة ما يحدث لهؤلاء في شرق السودان اليوم، ويتحملون مسؤوليتهم التاريخية، عبر تبني خطاب وطني واحد لهوية "البجا"، قائم على المواطنة والحقوق والعمل السياسي المنفتح على كل مكونات شرق السودان، فإن شرق السودان لن يكون بخيرٍ أبداً.

 

*كاتب سوداني



مقالات أخرى للكاتب

  • "قحت" والعسكر.. رهان المرحلة الانتقالية
  • حكومة حمدوك.. عقبات الانتقال الديمقراطي
  • زيارة الرئيس الألماني.. السودان ليس وحيداً

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي