«بتكوين»..كيف تتحول العملات المشفرة إلى مال حقيقي؟
2020-02-28 | منذ 1 شهر
نوح سميث
نوح سميث

عادت «بتكوين» مرة ثانية نوعاً ما. ولم تستعد العملة المشفرة الأصلية قممها الشاهقة في الفقاعة التي بلغتها في نهاية عام 2017، لكنها عاودت الصعود إلى نحو 10 آلاف دولار. والتنبؤات بأن «بتكوين» ستنهار لم تتحقق. ورغم فقاعاتها وانهياراتها، أصبحت العملة المشفرة الآن ملمحاً شبه دائم للخريطة المالية العالمية. لكنها ليست عملة مقبولة بصفة عامة. ورغم أن كثيرين من تجار التجزئة يقبلون الآن «بتكوين»، تتم الغالبية العظمى من المدفوعات باستخدام النقد الحكومي. ومجرد حقيقة تسعير «بتكوين» بالدولار يعني أنها مازالت معياراً مهماً يوضح أن القيمة المحورية لـ«بتكوين» تتمثل في اعتبارها أصلاً للمضاربة وليس لنفعها كوسيط للتبادل.
والسبب واضح إلى حد كبير. فبسبب تقلب سعر «بتكوين»، لا يريد الناس التمسك بها لفترة طويلة. فلا أحد يريد الحصول على شيك أجره ليجد أن قيمته قد انخفضت إلى النصف حين يأتي وقت شراء احتياجاته من البقالة. والمتفائلون الذين يعتقدون أن قيمة «بتكوين» ستواصل الاستمرار في المتوسط مع مرور الزمن سيترددون في التخلي عنها مقابل الحصول على شيء سريع الزوال مثل البيتزا. فمن الأفضل التمسك ببتكوين، وشراء البيتزا بالدولارات التي تنخفض قيمتها. والواقع أن هذين السببين هما جانبان مختلفان للعملة نفسها. فنظرية التمويل الأساسية تشير إلى أنه في سوق كفؤ بشكل معقول، تأتي العائدات المرتفعة المتوقعة على حساب شدة التقلب. وأصل مثل «بتكوين» أو الدولار الأميركي قد يكون استثماراً جيداً أو صالحاً لشراء الأشياء لكن ما لم يكن بالاقتصاد خلل وظيفي عميق، لا يمكن أن يكون الأمران معاً.
وبعض الاقتصاديين يفكرون في الطريقة المحتملة لتغيير هذا الوضع. ويفكرون في احتمال أن تحل «بتكوين» أو بعض العملات المشفرة البديلة فعلياً محل النقد الحكومي كأداة معيارية للدفع. ولهذا دلالات كبيرة في السياسة، لأنه لو أصبحت مالاً حقيقياً، قد تتدخل العملة المشفرة في قدرة البنوك المركزية في إدارة الاقتصاد ومستوى الأسعار. وقد يؤثر هذا على محافظ المستثمرين المشفرة.
وأحد الاحتمالات أن ليس هناك حاجة لعمل شيء، و«بتكوين» ستستقر في نهاية المطاف كمعادل جديد قليل التقلب مما يجعلها أكثر ملائمة كوسيلة للدفع. وقدم الاقتصاديان «مايكل تشوي» و«غوليوم روشتو» نموذجاً يحدث فيه هذا. والمشكلة أن النموذج ينظر إلى «بتكوين» كمنافس للصيغ الأخرى من المال الشبيهة بالسلع مثل الذهب والعملات المشفرة الأخرى. ونتائجهما تعتمد على فكرة أن الأصول السائلة ستظل دوماً شحيحة. والواقع أنه «بتكوين» تنافس العملات الحكومية التي يمكنها إنتاجها بكلفة قليلة للغاية.
ويقدم الاقتصاديان «جوناثان تشيو» و«ثورستين كوبل» تنبؤا أكثر معقولية. ومثل الاقتصاديين الآخرين الذين قدموا نظريات حول «بتكوين»، يرى هذان الاقتصاديان أن التحدي الأساسي للعملة المشفرة هو منع الإنفاق المزدوج- أو بعبارة أخرى، التحقق إلكترونياً أن شخصاً ما لديه المال حقاً حين يقوم بعملية دفع. وقضية الثقة الرقمية تلك هي في نهاية المطاف المشكلة التي قُصد أن تحلها «بتكوين».
ويقترح «تشيو» و«كوبل» أن العملة المشفرة كي تصبح صيغة نافعة من المال يجب أن تكون تضخمية. فالناس الذين يتحققون من عمليات «بتكوين» يجري تعويض عملهم الحاسوبي بمكافئتهم بعملات «بتكوين» جديدة لكن المكافآت تتقلص مع مرور الزمن. ومن الأفكار الأساسية عن بتكوين- النابعة جزئيا عن المعتقدات بشأن الأموال المادية لمبتكريها- أن العملة المشفرة يجب أن تكون انكماشية- أي أن العرض منها يجب أن يكون محدوداً وقيمتها يجب أن تزيد مع مرور الوقت نتيجة تزايد الندرة. وهذا يعني أن القائمين بعملية التحقق سيجري مكافئتهم في نهاية المطاف برسوم العمليات وليس بعملات جديدة من بتكوين.
ويرى «تشيو» و«كوبل» أن هذه فكرة سيئة. وأشاروا إلى أن رسوم العمليات تُجمع من طائفة صغيرة من السكان- أي من القائمين بالعمليات. وكي يستحق الأمر كلفة القائمين بعملية التحقق يتعين أن تكون الرسوم مرتفعة للغاية لدرجة لا تشجع الناس على القيام بعمليات في «بتكوين». وإذا حصل المحققون على المال من خلال التضخم، ستتوزع الكلفة وسط كل واحد يمتلك «بتكوين». ورسوم العمليات تجعل احتمالات الربح أكبر في هجمات الإنفاق المزدوج لأن القيام بعملية مزورة ستوفر أيضاً المال على الرسوم. والاقتصاديان يوصيان بالالتزام بتضخم وسيلة الدفع والسماح للعملة المشفرة بأن تتقلص قيمتها مع مرور الوقت مثل الدولار الأميركي.
هذا بالضبط ما قد تحتاجه العملة المشفرة كي تتحول إلى مال حقيقي. والعائدات السلبية المتوقعة- وخاصة التضخم المنخفض والمستقر- سيجعل «بتكوين» أقل جاذبية كاستثمار طويل الأمد. وبدلا من جمع هذه العملات، سيحسن الناس صنعا إذا تخلصوا منها في مقابل الحصول على البيتزا. وقيمة العملة قد تستقر حينئذ مع تقلص المضاربة. والتخلي عن حلم انكماش ذهب رقمي قد يكون صعب القبول لدى المتمسكين بـ«بتكوين». لكن العملات المشفرة الأخرى مثل «زدكاش» و«مونيرو» و«داش» أو عملة «ليبرا» لشركة فيسبوك قد تتقدم لملء الفجوة. وبالطبع سيظل عليها أن تتغلب على المشكلة الفنية الخاصة بالقدرة على معالجة عمليات ذات أحجام كبيرة بسعر منخفض وبسهولة مثل شركات بطاقات الائتمان. لكن تشيو وكوبل واثقان من أن هذا ممكن. ولذا فمن المثير للسخرية أن العملة المشفرة لن تصبح عملة (حقيقية) إلا إذا تصرفت كما يتصرف الدولار الأميركي مستهدفة مستوى تضخم منخفض، أي أن قيمتها تزيد وتقل وإن يكن متوقعاً.

* نقلاً عن الأتحاد



مقالات أخرى للكاتب

  • خبراء اقتصاديون يقبضون على أسباب الفقر

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي