بايدن - تايوان.. وكعب أخيل الصيني
2022-09-20
إميل أمين
إميل أمين

في حواره مع شبكة "سي بي أس" الأمريكية وعبر برنامج "60 دقيقة" الشهير، عاد الرئيس جو بايدن إلى مشاغبة الخطوط الحمراء مع الصين من خلال إقراره بأن بلاده سوف تدافع عن جزيرة تايوان حال تعرضت الأخيرة إلى ما أسماه، هجوماً صينياً غير مسبوق.

هل جاء التصريح مرة أخرى كزلة لسان اعتاد العالم عليها من الرئيس بايدن، أم أن الأمر في حقيقته يعبر عن استراتيجية أمريكية واضحة ومؤكدة قوامها الصدام مع الصين عند لحظة زمنية بعينها، وبغرض قطع الطريق على صعودها المتنامي؟

قبل مباشرة الجواب، ربما يتعين علينا التطلع إلى المشهد العسكري الصيني، والذي يشي بأن الصينيين يستعدون بالفعل لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كان حديث القوة النووية الصينية يملأ الأرجاء في الآونة الأخيرة، فإن ما لم يطرح كثيرا هو شأن القوى البحرية الصينية التي باتت تقلق الجانب الأمريكي، ذاك الذي اعتبر أن سيطرته على البحار، تكفل له تلقائيا السطوة على اليابسة.

في منتصف يونيو حزيران المنصرم، دشنت الصين ثالث حاملة طائرات، وسط اهتمام لافت من غرمائها الغربيين والآسيويين على حد سواء، وهي الحاملة الأكثر تقدما بشكل كبير مقارنة بالحاملتين السابقتين، حيث يعتقد أنها مزودة بأنظمة قتالية جديدة، يقول الخبراء إنها تلحق بالولايات المتحدة بسرعة.

هل يتوجب على واشنطن أن تقلق من قوة الصين العسكرية المتنامية، وعلى هذا الأساس يبدو فخ ثيوسيديديس قادما لا محالة، وبالضبط كما جرت وقائع الأحداث بين أسبرطة وأثينا قبل نحو ألفي عام؟

الثابت أن الصين تمتلك الآن أكبر قوة بحرية في العالم من حيث العدد، ولكن لا تقارن بقدرات البحرية الأمريكية التي تمتلك نحو 10 حاملات طائرات، مقارنة بحاملتين قديمتي الطراز للصين، دخلتا الخدمة قبل سنوات قليلة.

لكن وعلى الرغم من ذلك، يبقى الانزعاج الأمريكي والأوروبي من الصواريخ الأكثر حداثة التي تقوم الصين بتطويرها لتوجه ضربات قاتلة إلى حاملات الطائرات الأمريكية، وهنا يبدو وكأن بكين قد وعت الدرس الذي دفع ثمنه الاتحاد السوفيتي عاليا وغاليا، أي الانجرار في سباق تسلح مع الولايات المتحدة.

التفكير العسكري الصيني يفضل صاروخا حراريا وموجها بالليزر، لا يتجاوز ثمنه بضع عشرات آلاف الدولارات، قادرا على إحراق وإغراق أقوى حاملة طائرات أمريكية، عوضا عن بناء الكثير من تلك الحاملات، الأمر الذي يكبد البلاد مليارات الدولارات ويعرضها للخطر من خلال ضربات الأمريكيين الموجعة.

والمؤكد أننا هنا لسنا في مجال المقاربات العسكرية بين واشنطن وبكين، بل التساؤل عن الدوافع التي ربما تجعل واشنطن في معرض منزلق كبير وخطير لمواجهة الصين عمدا لوقف قطبيتها القادمة، أو عن غير قصد ومن خلال سيناريو كرة الثلج، ذاك الذي يتحول تلقائيا وبفعل تدافع الأحداث إلى انهيار لجبل الثلج.

في قراءة أخيرة نشرتها صحيفة "ذا ديبلومات"، لـ "جوشوا كورلانتزيك"، زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية والمختص في شؤون جنوب شرق آسيا يستشعر المرء أن هناك نوايا غربية عامة وأمريكية خاصة لجهة وقف هيمنة الصين، واستغلال اللحظة الآنية بما فيها من إشكاليات سواء اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية في الداخل الصيني، لبدء إدخال الصين في دوامة من القلاقل تفقدها تركيزها على الصعود عاليا.. ما الذي يقوله جوشوا وما هي حظوظه من النجاح؟

يحيلنا الباحث إلى دراسة أجرتها مؤسسة بيو للأبحاث في واشنطن عام 2021 ، شملت نحو 17 بلدا منها الولايات المتحدة تشير إلى أن "وجهات النظر السلبية تجاه الصين قد وصلت أو تكاد تصل إلى مستويات غير مسبوقة، والغالبية العظمى من الآراء في الدول المتقدمة التي شملتها الدراسة كانت تنطوي على آراء سلبية على نطاق واسع عن الصين".

في الحديث شيء من الصحة وأشياء من السيناريوهات ذاتية التحقيق، فالصين قد تلقت بالفعل ضربات موجعة خلال العامين الماضيين، وتحديدا في زمن جائحة كوفيد-19، فقد أظهرت هشاشة الحكم في داخلها، والشمولية في التدابير مقدار الخطر الذي يمكن أن تمثله للعالم حال سادت وبسطت هيمنتها، فقد تسبب تسترها وإخفاءها أخبار الفيروس الشائه، إلى وفيات بالملايين حول العالم.

خسرت الصين أول الأمر القارة الأوروبية، والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الدخول في شراكات عضوية مع بعض دولها كما الحال مع إيطاليا، وذلك بسبب فقدان مصداقيتها.

وفي إفريقيا تدهورت سمعتها بعد اقتحام أربعة دبلوماسيين صينيين مقر وزير خارجية بابوا غينيا أثناء قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي الذي عقد هناك، من أجل منع إصدار بيان ختامي للقمة، كان من المفترض أن يحتوي على إشارة إلى الممارسات التجارية غير العادلة.

هل تعاني الصين من كعب أخيل مؤخرا، ولهذا يرى بايدن أن اللحظات الحاضرة، لا سيما إذا تحركت بكين عسكريا نحو تايوان قد تكون ملاءمة لتلقين الصينيين درسا لن ينسوه، وربما من غير الدخول في حرب عالمية كبرى معهم؟

أغلب الظن أن ذلك كذلك، وللراغبين في المزيد من القراءات المطولة والمعمقة الاطلاع على الورقة البحثية التي نشرها مايكل بكلي، أستاذ العلوم السياسية، و "هال براندز "، أستاذ كرسي هنري كيسنجر بجامعة جون هوبكنز، والمنشورة في مجلة الفورين آفيرز، وفيها يتناولان احتمالات أفول نجم الصين في السنوات المقبلة، مستعرضين الشواهد على ذلك، وكيف يتوجب على العالم أن يستعد لمثل تلك اللحظة.

أما البروفيسور الأمريكي الأشهر جون جي ميرشايمر، أستاذ الخدمة المتميزة في العلوم السياسية بجامعة شيكاغو فيخلص إلى أن التنافس الحتمي بين واشنطن وبكين غالبا سيقود إلى منزلق حرب.

السؤال الأخير قبل الانصراف، ماذا سيكون من شأن روسيا غداة أي صراع أمريكي – صيني على نحو واسع؟

هل هي القارعة.. تبقى الإجابات مفتوحة على كل الاحتمالات.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-العربية نت-



مقالات أخرى للكاتب

  • أميركا المنقسمة وكونغرس منقسم
  • السعودية وسلاسل الإمداد العالمية
  • بيلوسي ووباء الكراهية في الجمهورية الأمريكية





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي