انتشار كورونا.. خسائر عالمية
2020-02-08 | منذ 5 شهر
جيفري كمب
جيفري كمب

أسبوع بعد آخر يزداد خلاله فيروس كورونا القاتل انتشاراً، على الرغم من أن غالبية الحالات الجديدة للمرض لا تزال مقصورة على الصين التي اندلع فيها هذا الوباء. وبمجرد أن أدركت السلطات الصينية أن لديها وباءً، تحرك مسؤولوها بنشاط كبير لعزل المنطقة الحضرية التي تضم أيضاً مدينة ووهان حيث بدأ تفشي المرض. وشملت الإجراءات التي اتخذتها السلطات الصينية فرض حجر صحي فعلي لأكثر من 50 مليون شخص، وهو رقم استثنائي للغاية يعادل عزل منطقة نيويورك وضواحيها، وولايات نيو جيرسي وكنتاكي وأريزونا.
وكانت الضرورة الملحة التي تفاعلت بها الصين بشكل متأخر جيدة، في كونها أظهرت الجهد الجدي لاحتواء هذا الفيروس. وعلى سبيل المثال، فقد تمكن المسؤولون الصينيون من بناء مستشفى جديد في مدينة ووهان، يكفي لاستيعاب ألف مريض، في غضون أسبوعين فقط، الأمر الذي يعد إنجازاً استثنائياً. وعلى الجانب الآخر، فإن التدابير المشددة التي اتخذتها الصين بعثت برسالة إلى الدول المجاورة وبقية العالم، مفادها أنه يتعين عليهم، هم أيضاً من جانبهم، اتخاذ مثل هذه الإجراءات لمنع حدوث وباء عالمي شامل. وبالتالي، فقد قامت هونج كونج وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وأستراليا والولايات المتحدة، تليها أوروبا وروسيا.. بفرض قيود على السفر من وإلى الصين. كما شملت هذه الإجراءات إلغاء الرحلات الجوية المباشرة مع الصين. ومن المحتمل أن تساعد الآثار غير المباشرة لهذه الإجراءات على إبطاء انتشار الفيروس أو إيقاف تمدده، لكن العواقب الاقتصادية المترتبة على إغلاق قطاعات كبيرة في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بدأت الآن فقط تصبح موضع تقدير وملاحظة من قبل المسؤولين والمحللين.
ومن الواضح أن قطاع السياحة هو الضحية الأولى لهذه الأزمة الصحية العالمية، وبالنظر إلى أن الأزمة تتزامن مع رأس السنة الصينية، فإن الاضطراب وتكاليف الحد من السفر ستكون كبيرة للغاية. فهذا يؤثر على الآلاف من الشباب الصيني الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا كل عام للحصول على التعليم العالي. والأخطر من ذلك هو تعطل سلسلة الإمداد بالتكنولوجيا المصنوعة في الصين والتي تعد ضرورية للغاية لصناعات السيارات، لاسيما في اليابان وكوريا الجنوبية، كما أنها ضرورية للمنتجات عالية التقنية التي تنتجها شركات مثل «آبل» التي تعتمد هواتفها الذكية على الأجزاء الصينية لتزويدها بمنتجات ذات جودة عالية بسعر منخفض. ومع تباطؤ الإنتاج الصناعي الصيني، كذلك سيقل الطلب على الوقود الأحفوري، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع أسعار النفط على الأقل في المدى القصير.
وقد أدى تأثير وباء كورونا على الأسواق العالمية بالفعل، إلى حدوث تقلبات كبيرة في أسعار أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم تقريباً، وسيكون من المهم بشكل خاص الخسارة في الإنفاق الاستهلاكي في الصين والتي تمثل، على نحو متزايد، نسبة كبيرة من نمو الإنتاج المحلي الإجمالي السنوي.
وستكون الأسواق العالمية قادرةً على التكيف مع هذه الاضطرابات، إذا ظل الفيروس موجوداً في المقام الأول في الصين دون غيرها من الدول الأخرى، وإذا احتشدت بقية بلدان العالم لمساعدة الصين على التصدي لأزمتها فائقة الحدة والخطورة. ويكمن الخطر في أن الاتهامات التي لا مفر منها بين الصينيين أنفسهم وبين الصين وشركائها التجاريين بشأن السلوك تجاه الفيروس، ستزيد من عدم الثقة وسترفع مستوى الخطر بين الصين وشركائها. وقد يكون لهذا كله تداعيات جيوسياسية خطيرة على العلاقات الدولية، لاسيما في مناطق الصراعات والنزاعات الحادة، بما في ذلك كل من بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي.
وتأتي هذه الأزمة في وقت لم تتم فيه بعد تسوية المفاوضات بين الصين والولايات المتحدة الأميركية حول التجارة والتعريفات الجمركية، على الرغم من حدوث بعض التقدم خلال الأخيرة الماضية. وإذا أصبحت الصين غير قادرة على الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بزيادة شراء المنتجات الزراعية، فسيُحرم الرئيس ترامب من مزايا الاتفاق الجديد في الوقت الذي يعتمد فيه على اقتصاد أميركي قوي لدفعه للحصول على فترة ولاية ثانية في الحكم في شهر نوفمبر القادم. وحتى الآن، كان ترامب متفائلاً بشكل استثنائي بشأن الاقتصاد الأميركي، مع علمه أن الرؤساء الذين يحققون الرخاء أثناء رئاستهم، عادة ما يعاد انتخابهم، بينما يخسر أولئك الذين لهم سجلات اقتصادية سيئة.
بيد أن الرئيس ترامب فريد من نوعه. فلا يوجد رئيس في السنوات الأخيرة استطاع أن يولّد مثل هذا العداء، على الرغم من الأرقام التي تشير إلى زيادة عدد فرص العمل. والتراجع الاقتصادي الذي يعود جزئياً إلى اندلاع فيروس كورونا القاتل، من الممكن أن يحدِث مشكلة للرئيس الأميركي ترامب من هنا وحتى شهر نوفمبر القادم، موعد إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية.

* نقلاً عن الاتحاد



مقالات أخرى للكاتب

  • هل تدخل أميركا مرحلة الركود؟
  • مأزق «الديمقراطيين»
  • أفضل أسبوع لترامب

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي