فقه الأولويات السياسي في اليمن
2022-05-26
صالح البيضاني
صالح البيضاني

أي مصير للحوثي ما بعد مشاورات الرياض؟
هناك واقع جديد يتشكل في اليمن على ضفتي الشرعية والانقلاب ولكن ببطء شديد، كما يشير مسار الأحداث الذي ارتسم بشكل مستقيم طوال سبع سنوات، مع تعرجات قليلة تشير للتحولات في خط الأزمة والحرب اليمنية، التي تدخل عامها الثامن في ظل اهتمام دولي وإقليمي لم ينجز سوى القليل من الاتفاقات الهشة التي لا تمثل اختراقا حقيقيا في جدار التعنت الحوثي أو الارتباك في المعسكر المقابل للانقلاب.

وإذا ما قرأنا الخط الزمني للحرب اليمنية يمكن أن نتوقف عند محطات فارقة في هذا الصراع الذي تتشابك وتتعقد جذوره وأسبابه، وقد كانت المواجهة الدامية بين الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام من جهة والحوثيين من جهة أخرى في العام 2017، أكبر وأبرز التحولات التي ألقت بظلالها على المشهد اليمني برمته، وحددت وجهة وأبعاد الصراع منذ ذلك الحين وحتى اليوم. فيما كان الإعلان المباغت عن تشكيل مجلس قيادة رئاسي في اليمن خلفا للرئيس السابق عبدربه منصور هادي الحدث الأكبر في معسكر الشرعية، والذي يوازي كما أرى تحول ديسمبر 2017 في معسكر الانقلاب، من حيث حجم هذا التحول وآثاره ومآلاته المنتظرة.

ووفقا لهذه المقاربة، مع الاختلاف في ظروفها وأدواتها والتي تعكس في حد ذاتها طريقة التفكير والنضج السياسي في معسكري الانقلاب والشرعية، فإن التحول البارز الذي شهده معسكر المناوئين للحوثي وتمخض عن مشاورات الرياض ستكون له تداعياته الكبيرة القادمة على مسار الحرب والسلام في اليمن، ولكن مع الاحتياج لبعض المساحة الزمنية الكافية لتشكل ملامح هذا التحول، الذي ما يزال يمر بمرحلة مخاض عسيرة نتيجة لتعدد اللاعبين والأهداف والأولويات لدى الأطراف المنخرطة في مجلس القيادة الرئاسي، الذي ضم مختلف ألوان الطيف الفاعلة والمؤثرة وصاحبة الحضور الشعبي والعسكري في معادلة الحرب والسلام اليمنية بشقها المناهض للحوثي.

التحول البارز الذي شهده معسكر المناوئين للحوثي وتمخض عن مشاورات الرياض
ستكون له تداعياته الكبيرة القادمة على مسار الحرب والسلام في اليمن

وعلى الرغم من حالة التماسك، التي يوحي بها مجلس القيادة الرئاسي حتى الآن بعد أن حصر قائمة أهدافه في قضايا مركزية موضع إجماع مثل مواجهة الحوثي والتعامل مع الملفين الأمني والاقتصادي، إلا أن ثمة تحديات بارزة لا يمكن غض الطرف عنها أو ترحيلها أو إنكار وجودها، وهي تلك المتعلقة بقائمة الأولويات وتضارب المصالح والملفات القديمة التي يتم استحضارها عمدا من قبل بعض الأطراف، بسوء نية في الغالب، بهدف خلط الأوراق وإرباك المشهد تحت عناوين وشعارات ليست ذات أولوية في هذه المرحلة الحرجة بالنسبة إلى جبهة المناهضين للمشروع الإيراني في اليمن.

ومن أبرز القضايا المفتاحية في إدارة الأزمات وإشعالها في معسكر الشرعية، التي نشاهد فصولها بين الحين والآخر، إثارة قضايا إشكالية لا تتناسب مع طبيعة الفترة السياسية ومتطلباتها الأساسية، مثل الوحدة والانفصال واستحضار الخلاف العميق حولها في شكل قوالب كلامية، لا يتسع هامش الأولويات الاستراتيجية لاحتوائها في هذه المرحلة.

أو في محاولة إحياء ملفات خلاف قديم، في الجانبين العسكري والأمني، عبر تحركات عسكرية مفتعلة على الأرض، تنتمي لفترة ما قبل “اتفاق الرياض” بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

وهي كلها ملفات صغيرة، ولكنها خطيرة في ذات الوقت، وكان يفترض إغلاقها تماما مع طي صفحة كثير من مسببيها، بعد أن فتحت مشاورات الرياض اليمنية، التي رعاها مجلس التعاون الخليجي، الآفاق الرحبة نحو مساحات جديدة من السلوك المنضبط في التعامل مع فقه الأولويات السياسي في اليمن، الذي يتطلب استخدام أدوات مختلفة تلبي احتياجات الأمن القومي لليمن والمنطقة، بعيدا عن سياسة الابتزاز والتساهل التي شهدناها في السنوات العجاف الماضية، والتي جف فيها ضرع الانتصارات العسكرية، وتعثرت فيها خيول السلام المترنحة، وزاد فيها اليمنيون بؤسا، بينما تضخمت أرصدة تجار الحروب والمنظمات الدولية والمراقبين الأمميين!


*صحافي يمني - العرب
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

 



مقالات أخرى للكاتب

  • حصار تعز والاختبار الأممي للسلام
  • اليمن: فرصة أخيرة أم الفرصة الأخيرة؟
  • قوى حقيقية وأخرى مصطنعة في خارطة اليمن الجيوسياسية





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي