دعاة فتنة لاتستطيع كل أعذار العالم أن تطمس ذلك أو تمحوه عنكم
2022-02-12
عبدالناصر مجلي
عبدالناصر مجلي

قلت للوزير الذي كان على صلة قوية بالرئيس صالح في إحدى زياراتي لليمن ، في مقيل جمعنا قبل كارثة 11 فبراير 2011 بعدة سنوات والدنيا لاتزال سلامات وعوافي، بأن صحف المعارضة تتحدث عن الفساد في الدولة بشكل متواصل ودون توقف فهل هذا حقيقي ؟ ، وأضفت بالقول بغض النظر عما ينشر حقيقي كان أم مكايدة سياسية ، على الأقل كلم الرئيس يشكل لجنة مستقلة للتأكد من مثل هذه الأمور فهو يحترمك وسيصدقك ، فرد عليّ ضاحكا وقال بلغة العالم بكل شيئ : ياعبدالناصر أنت جيت من أمريكا وطبعا الوضع مختلف بين هنا وهناك وأكيد سترى الفرق ، أما صحف المعارضة فلا تكن تقرأها لأن كل كتاباتها كذب في كذب والقائمون عليها حاقدون وموتورون....الخ..
فرددت عليه محتدا بالقول : نعم كنت في أمريكا مغترب مثلي مثل أي مغترب يمني وأتشرف بذلك ولم أكن سفيرا أو أعيش في قصر ، لكن ما أراه وما أقرأه يخبرني بأن ثمة خلل ما يجب اصلاحه قبل فوات الأوان ، وإلا فالانفجار الكبير قادم لامحالة . فرد بالقول أنتم الأدباء تهولون كل شيئ ، الأمور طيبة فلاتقلق وكأنه يقول لي اسكت لوسمحت.
فسكتُ ولم أرد فقد ادركت انه لايرى ما أراه بل ولايهمه ذلك أصلا كما يبدو ، مع أن الرئيس صالح كان يحترمه ولو أنه صدقه القول لربما استمع اليه، لكنه آثر السلامة مع أن صالح لم يكن متجبرا ولا عنيدا فقد كان يستمع الى الجميع وهذا ما اخبرني به هو عنه أكثر من مرة ، وقد خبرت ذلك بنفسي عندما قابلت صالح ذات لقاء وحدثته عن الفساد ، فهز رأسه موافقا ولم يغضب مني بل شكرني على ذلك .
وبعد أن تم تبديله بوزير اخر تحول الى ثائر لايشق له غبار .
وبدأ يتحدث عن الظلم والفساد والطغيان، طبعا ليس بعد عزله مباشرة لكن بعد اشتعال نيران الفتنة، ، فلم يكن ليجرؤ على ذلك مع أن نقد صالح ونظامه كان متاحا امام الجميع ، في الصحف والمواقع والقنوات والمقايل والشوارع ولم يكن يعترض لهم أحد،
مع أنه في حياته الباذخة كلها لم ينطق بحرف معارض واحد.
أو ينتقد أي إعوجاج أو فساد أو يعترض أو يحتج
وعندما بدأت الفتنة في الـ11 من فبراير2011 المشؤوم
نزل الى الساحة ليسقط النظام ، بصفته كما ظن وبعض الظن إثم فارسا لايشق له غبار ويكون شريكا في الكارثة ، ولم يفكر للحظة واحدة في خطورة ماهو مقدم عليه ليس على صالح بل على اليمن وشعبها.
ليس هذا فحسب بل تخصص في هجاء الرئيس صالح وهو الذي كان مقربا منه ولطالما حدثني عن مناقبه وصفاته وحكمته وشجاعته ووطنيته..الخ،
بشكل شعرت معه بالأسف عليه لأنه شخص نبيل ومحترم ووطني حقيقي ولا أشك في ذلك لحظة واحدة ، ولست أدري كيف وقع تلك الوقعة المؤسفة ولايزال يستمرأها حتى الان. .
والان كل عام يظهر علينا ليعدد لنا مناقب القيامة التي عصفت ببلادنا والتي ساهم في صنعها وقتلت مئات الألاف من شعبنا ويريدنا أن نصدق ذلك وإلا فأننا لانفهم شيئا، وأنا أقول لنفسي ليته يسكت ليته يسكت.
لانه كلما تكلم ازداد وقوعا وغرقا في قاع الفتنة ، التي تعصف ببلاده أمام ناظريه . الفتنة التي كان شريكا فيها بكامل قناعته بينما كان في غنى عنها
وقد كان يمكنه أن يلعب دور الوسيط بين الفرقاء ، لأنه كان يحظى باحترامهم جميعا ، وكان يمكن أن يلعب دورا وطنيا لايستهان به في إخماد الفتنة قبل استفحالها ، لكن غضبه من الرئيس صالح بسبب اقالته من الوزارة أعماه وهو الذي كان ينتظر أن يكون رئيسا للوزراء وليس وزيرا سابقا .
وعليه أقول بأن البعض ممن عرفتهم من الوزراء والعسكريين الذي انزلقوا الى ميادين الفتنة لم يكن الوطن في بالهم ولم تحرك ضمائرهم
جموع الشباب الذين خرجوا الميادين للمطالبة بحياة كريمة ، بل كان همهم كيف يمكنهم الاستفادة من هذه الانتفاضة الشعبية الغير مسبوقة وهذا الذي حدث.
ومن ضمن المضحكات المبكيات بأنهم كانوا يتهربون مني ، بعدما عرفوا بأنني في كل مقيل أحدثهم عن ضرورة الاصلاح ومحاولة التغيير، بل ومخاطبة الرئيس صالح مباشرة بذلك ، كان هذا قبل أن يفكر الناس بما يسموه الربيع العربي ، وكنت كمن يحرث في بحر ، وقبل أن يتحولوا جميعا الى ثوار لايستطيع أحد أن يلجمهم عن الزعيق والوعيد.
فابتعدت عنهم جميعا عندما علمت بأن اليمن التي أعرفها وأهتم بها غير اليمن التي يعيشون فيها في نعيم وبذخ.
كنت من أوائل الناس المستقلين الذين لاينتمون الى حزب الذين انتقدوا صالح حينما لم يجرؤ أحد على ذلك ، وكنت أول من دافع عن الشباب في تلفزيون صنعاء وقلت بالحرف الواحد بأن الشباب لم يخرجوا الى ساحة الجامعة للاستجمام بل للمطالبة بمستقبل افضل حينما لم يجرؤ احد من دعاة الفتنة على النطق حرف أحمر واحد ، بعدها بيوم او يومين كان صالح في جامعة صنعاء يتحدث الى الطلاب ويستمع اليهم مباشرة ، وكنت أول من حذر الحوثي من الانقلاب وهاجمته بشدة ، حينما لم يفكر جنس مخلوق حتى في التخيل في انتقاده ، ومنهم كل هؤلاء الوزراء والمسؤلين الذين لم نسمع لهم نخسا واحدا يعترض .
أقول ذلك ليس من باب إدعاء البطولة الجوفاء بل من باب النصح والشعور بالمسؤلية تجاه بلادنا وشعبنا، وليس طمعا في رضى هذا او ذاك ، بل دفاعا عن اليمن الجمهوري الذي خانوه تارة باتباعهم لنكبة الـ11 من فبراير 2011 وأخرون باتباعهم لانقلاب 21 سبتمبر 2014 الكارثي، بما يشكل ذلك من خطورة على الثورة اليمانية الأم 26 سبتمبر و14 أكتوبر ومحاولة ازاحتها لصالح انتفاضات كارثية عصفت باليمن ولاتزال.
نحن لسنا ضد خروج الجماهير الى الشوارع للمطالبة بحقوقها ضمن ضوابط النظام والقانون وبعيدا عن التخريب واشعال نيران الفتن ، بل ضد محاولات الالتفات على ثوابت اليمن الجمهوري ، وضد الاحتراب الداخلي وضد الاستقواء بالخارجي.
كنا ولازلنا رجالا شجعانا وسنبقى بحول الله وطوله ما أحيانا الله، ومع اليمن الجمهوري وثوابته التي لانقبل بتبديلها تحت أي مسمى كان، لأن ذلك سيقود البلاد الى الهاوية كما هو حاصل الان وليس كرها لأحد.
أنا لا أهاجم أحدا بعينه في هذه السطور ، فقد عرفت الكثير من الوزراء والمسؤلين، الذين لم يكونوا يجرأون على الاعتراض حتى همسا أمام المرآة ، ثم وجدوا أنفسهم فجاة أبطالا من ورق يزمجرون في الميادين، غير مبالين بما سيترتب على ذلك من كوارث على بلادهم، وقد رأيت بعضهم يتمسحون لاقرباء صالح بشكل مخز ومهين ،وكنت كلما تحدثت عن التغيير ومحالة الاصلاح ،كانوا هم أول من يعترض ويهاجمني أمامهم فلم أكن أسكت وكنت أرد بقوة عليهم ، حتى نهرهم ذات يوم أحد أقرباء صالح بالقول وبالحرف الواحد : الأخ عبدالناصر مجلي يتكلم بصدق دعونا نستمع لرأيه ، وبعدها بسنين رأيتهم في الميادين يهاجمون صالح وأقرباءه بكل قلة حيا ومرؤة مع انهم كانوا من أكثر المنافقين لهم وتمسحا بهم في اللحظة التي كنت قد ابتعدت عنهم جميعا.
ذات يوم حدثت ثورة خبز في تونس قبل احداث الربيع العربي الملعون ، وكنا في مقيل أحد اقرباء صالح وطبعا كنا نتحدث عما يجري في تونس ، وسمعت الجميع ينتقد الشعب التونسي لخروجه الى الشوارع ، وكنا نتحدث واحدا بعد الاخر حتى أتى دوري ، ولم يعجبني كلامهم وهم الاكاديميون والعسكريون والوزراء ..الخ ، وعندما أتي دوري وجه صاحب المجلس كلامه نحوي بالقول : وأنت أيش رأيك يا أخ عبدالناصر ؟ سألني وأخذ يحدق بي بقوة، فرددت عليه بالقول : من حق أي شعب أن يخرج الى الشوارع للاعتراض، اذا كان ثمة ظلم ما في حقه شرط ان يكون هذا الخروج للاحتجاج المسؤول ، الذي يوجه رسالة الى الى الحاكم ثم يعود الى بيت بامن وسلام دون فوضى أو تخريب أو فتن، ثم واصلت كلامي بالقول ، لكن مايهمني شخصيا هو مايجري هنا في بلادنا من مظالم وفساد أراه أمامي ولابد من مواجهته قبل استفحاله.
فهجم عليّ البقية معترضين على كلامي الذي لم يعجبهم بحجج شتى ، ومنهم من خرج الى ميادين الفتنة بعدما كان من أكبر المدافعين عن صالح ونظامه بشكل مقزز ليس فيه أدنى ذرة من احترام ، فرفع المضيف رأسه نحوي وقال وعلامات الاهتمام بادية على وجهه : طيب أخ عبدالناصر انت تتحدث عن ضرورة الاصلاح والتغيير ، فإذا لم نقدر على ذلك مالذي سيحدث؟، فرددت عليه مباشرة : سيكون التغيير بالقوة وسيكون عاصفا ومدمرا !! ، فأطرق الرجل ولم يرد وسكت الجميع، وحاول البعض الاعتراض على كلامي بأنني أبالغ في الامر وان الأمور سابرة...الخ ، فرفع المضيف يده وكأنه يقول رجاء الهدوء فسكت الجميع.
لذلك أقول أنني عندما أتحدث عن بعض التفاصيل التي لايعرفها العامة لا أسعى الى التخصيص بل أحاول التحدث بشكل عام ، لكن في ظروف مثل هذه التي تعصف ببلادنا، لابد من الكلام فلا يجوز الصمت بعد الان امام هذه الاهوال التي تعصف بشعبنا وببلادنا، ولكنني أيضا أريد أن أقول للبعض يكفي تصنع بطولات وهمية ، فقد كنتم أحد معاول الهدم الاولى التى ضربت مدماك اليمن في مقتل وأوصلته الى هذه الهاوية ، والى هذه القيامة السحيقة التي لاقعر لها ولاقرار ، ولو كنتم حقا رجالا شجعانا تحبون اليمن كما تدعون ، لأعتذرتم كما يعتذر الفرسان الكبار ، عما اقترفته أيديكم من باطل وتزوير للحقائق، بحق بلادكم وشعبكم ، فتحريف الكلام عن مواضعه لن يغطي عن أخطائكم الكارثية التي اقترفتموها بحق اليمن أبدا، ولعب دور النائحة كل عام التي تنوح في ذكر مناقب اليوم الملعون الذي ولد ميتا ومشوها من سفاح البغي والخياىة والأطماع لايعفيكم أبدا من المسؤلية.
وايضا أريد التذكير بانني رفضت الخروج من اليمن في عز المواجهات ، وقلتها عبر قناة اليمن بأنني لن أخرج من بلادي ولن أفر حتى نصل جميعا الى طريق وتنجلي الغمة ، مع أنه كان بإمكاني ذلك بكل يسر وسهولة كوني أحمل الجنسية الأمريكية ، ولم أتخيل حتى مجرد خيال ان أغادر وطني، وهو في أمس الحاجة الينا جميعا لنقف الى صفه ونحاول منع الكارثة ، وكنت أتواصل مع كل من اعرف، من المسؤلين والمشائخ والاحزاب الى ضرورة تحكيم العقل ، والوصول الى تفاهم بين الجميع يحفظ بلادنا وشعبنا من الانهيار لكنني اقولها اليوم بأنه لم يستمع اليّ أحد.
وفي الاخير أريد أن أقول بأنني شخصيا لا أريد أن أجعل من ذكرى هذه المناسبة المشؤمة، ساحة لتصفية الخلافات فلست في خلاف مع أحد ، ولكنني كمواطن يمني وكأديب واعلامي يحب وطنه ولا ينتمي الى حزب او جماعة ، لا أستطيع السكوت أمام التزوير الذي يحدث امام أعيننا منذ اليوم الاول وليس من الان، فالصمت تواطئ وقبول بما حدث وهذا لايمكن القبول به أبدا ، ذلك لأننا ندافع عن بلادنا وثوابت يمننا الجمهوري التي فرط بها البعض بقصد أو بدون قصد ، وعليه نقول لهؤلاء جميعا إما أن تكونوا رجالا حقيقين مع اليمن الجمهوري بكل ثوابته، أو تكونوا ضده ، فليس هناك منطقة رمادية لذر الرماد في العيون ، والقول بأنك مع 11 فبراير أو 21 سبتمبر ، فهذا يعني بأنك صدقت أم لم تصدق ضد الثورة اليمانية الكبرى 26 سبتمبر و14 أكتوبر وضد منطق التاريخ وضد قناعة الشعب اليمني مهما حاولت تبرير ذلك ، وأنك شريك رئيسي من رأسك حتى أخمص قدميك في هذا الهول الذي يعصف باليمن أرضا وإنسانا !!



مقالات أخرى للكاتب

  • شاعر وقاص وروائي وصحافي يقف على منبر رسول الله
  • رسالة الى الشرعية وأنصار الله..جبهة الاعلام أيضا تريد هدنة
  • الأمة برس ..الموقع الاخباري الصادق والشجاع والمتميز





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي