النفط ونظرية المؤامرة
2021-11-30 | منذ 2 شهر
أنس الحجي
أنس الحجي

يُقصد بالمؤامرة هنا ربط أحداث سياسية أو اقتصادية بالنفط، من دون أي دليل، ولكنها الطريقة العفوية والسهلة والمثيرة في الوقت نفسه لتفسير الأحداث، مع أن الأدلة تشير إلى أن هذه الأحداث لا علاقة لها بالنفط، أو على الأقل لا تتوافق مع سردية المظلومية لنظرية المؤامرة. ومن صفات نظريات المؤامرة هذه أنها تُدغدغ العواطف، وتنفي تهمة التقصير عن المروِّج لها، وتظهر الشخص أو المجتمع على أنه المستهدف والضحية دائماً. وبما أن الأمر خارج عن الإرادة، فلا داعي للعمل الجاد، أو التصحيح. بالتالي، يتخدّر المجتمع لعقود طويلة.

وفي هذا السياق لا بد من التركيز على نقطتين:

1- لا يريد العرب أن يُنظر إليهم على أنهم نفط فحسب. ويحتجون عندما ينظر الغربيون إليهم على أنهم نفط. إلا أن إصرار كثيرين على تفسير الأحداث على أنها تآمرية ومرتبطة بالنفط يثبت فكر الغرب نحو العرب، وأن العرب ينظرون إلى أنفسهم على أنهم نفط فحسب. هذا التناقض الفكري جاء نتيجة صراع بين العاطفة والعقل. والعقل يتطلب أدلّة ومعلومات، وكلاهما غير موجود. فتغلب العاطفة. وينتج عن ذلك التناقض المذكور.

2- أحد الأسباب الرئيسة لانتشار الفكر التآمري النفطي هو عدم توافر المعلومات من جهة، وعدم وجود فكر عربي نفطي من جهة أخرى. وإذا لم تكن كلمة "عربي" دقيقة هنا، فلنقل عدم وجود فكر خاص بمنتجي النفط، بغض النظر عن أعراقهم، إذ إن الفكر النفطي السائد عالمياً هو الفكر الغربي الذي يتمحور حول مستهلكي النفط، وما حدث في أسواق النفط منذ قرابة نصف قرن.

وبالنظر إلى النقطة الثانية، نجد أن الأمر يتعلق بالحكومات تاريخياً، إذ إنها آثرت أن يبقى موضوع النفط بعيداً عن متناول الناس. لذلك، قلما نجد أي مقالات أو معلومات قبل أزمة انهيار الأسعار في عام 1998، ولكن الأمر تغير فيما بعد، عندما أدركت الحكومات أن عليها أن تشرح لشعوبها سبب انهيار الإيرادات وقتها، وتوقف المشاريع، وأن سوق النفط عالمية، وأن ما حدث لا علاقة لها فيه.

منذ ذلك الوقت، تفاعلت بعض وسائل الإعلام بإيجابية مع الوضع، وبدأت تغطية الأسواق النفطية بكثافة، وبدأ الكُتّاب يتناولون قضايا النفط والتنمية بشكل أوسع وأعمق، واكتشف الجميع أن سقف الحريات أعلى بكثير مما كانوا يظنون. إلى أن جاءت الصدمة من بعض وسائل الإعلام، إذ إن الرقيب الصحافي فيها ما زال يفكر بالطريقة القديمة، فأبقى السقف منخفضاً، على الرغم من أن الأجواء كانت مفتوحة. بهذه الطريقة، أسهم الرقيب الصحافي في عدد من وسائل الإعلام في تعزيز الفكر التآمري.

هل كان انخفاض أسعار النفط يوم الجمعة الماضي مؤامرة من بايدن؟

أصر كثيرون على أن خبر انتشار المتحورة "أوميكرون" وانخفاض أسعار النفط بنحو عشرة دولارات للبرميل هو مؤامرة من الرئيس الأميركي جو بايدن لتخفيض أسعار النفط، وأنه قام بذلك بعد أن فشل السحب من الاحتياطي الاستراتيجي في تخفيض الأسعار. وكانت هذه هي ردة فعله على رفض بعض دول "أوبك" زيادة الإنتاج فوق الكميات المقررة. لم يستطع أي أحد توفير دليل واحد على ما ذكر. لم تكن هناك مؤامرة، ولا علاقة لبايدن بما حدث يوم الجمعة، للأسباب الآتية:

أولاً: الانخفاض كان عاماً في الأسواق كلها، وفي المجالات كلها، وفي السلع كلها، ما عدا الغاز الطبيعي الذي تم الإعلان عن انخفاض كبير في مخزوناته يوم الأربعاء. الأسواق الأميركية خسرت نحو 300 مليار دولار في يوم واحد. لماذا يريد بايدن أن تخسر الولايات المتحدة 300 مليار دولار لتحقيق وفر قدره 190 مليون دولار من انخفاض أسعار النفط؟ قد لا يكون أذكى الرؤساء، ولكنه ليس بهذا الغباء!

لدى بايدن طرق عديدة لخفض أسعار البنزين من دون هذه الخسائر، منها وقف صادرات النفط، أو وقف صادرات البنزين. ويستطيع إلغاء الضرائب الفيدرالية على البنزين بتكلفة أقل من 70 مليون دولار.

ثانياً: فهم طبيعة عقود النفط مهم لكل من يريد أن يتكلم عما حدث يوم الجمعة، وهذا يؤكد الفكرة أعلاه. إن عدم المعرفة يعزز من نظرية المؤامرة، نظراً لأن الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، وفيها آلاف الشركات النفطية، فإن هذه الشركات، لتحمي إيراداتها، تلجأ إلى التحوط، وهذا التحوط يأخذ وجوهاً عديدة، بعضها سهل، وبعضها معقد مالياً. ولكن، يمكن تبسيط الأمر في المثال الآتي: التحوط هو تأمين على إيرادات الشركة، بشكل يشبه التأمين على السيارة أو البيت.

الشخص يؤمّن على السيارة ويشتري بوليصة تأمين. إذا لم يحدث معه أي شيء، يخسر تكاليف التأمين، وتربحها شركة التأمين. أما إذا تعرّض لحادث، فإن شركة التأمين تقوم بالتغطية حسب العقد. شركات النفط تقوم بالعملية نفسها لحماية إيراداتها، فتقوم بالتأمين بإحدى طريقتين: إما بيع إنتاجها المستقبلي بسعر ثابت، ومن ثم لا تستفيد إذا ما ارتفعت الأسعار، ولكنها لا تتحمل الخسائر إذا انخفضت الأسعار. النوع الآخر يتعامل بعقود الخيار، فيقوم بدفع مبلغ معين يضمن له أن يُجبر الطرف الآخر على الشراء عند سعر معين. مثلاً، يدفع دولاراً عن كل برميل  للبنك، مقابل أن يكون له الحق في بيع هذا البرميل للبنك بسعر 75 دولاراً، إذا قرر البيع. فإذا انخفضت الأسعار إلى 72 دولاراً، فإن البائع يستخدم هذا الحق، فيبيع نفطه بـ75، بدلاً من 72، أو يقوم بشراء العقود من السوق بـ72، ويبيعه بـ75. بهذا يحقق إيرادات قدرها 3 دولارت للبرميل، منها دولار تكلفة العقد، فيبقى له دولاران. المشكلة الآن أن البنك يحقق خسائر، وعليه الدفع، ماذا يفعل؟ يبيع العقود المستقبلية لتخفيف الخسائر، ولكن بيع المزيد يخفض الأسعار أكثر، فتنخفض الأسعار إلى 70 مثلاً، فتزيد خسائر البنك، وعليه تغطية المزيد. المشكلة تصبح أكثر تعقيداً، لأن هناك شركات متحوطة عند أسعار مختلفة، ومن ثم تستمر أسعار النفط بالانخفاض.

وبما أن أغلبية عمليات البيع والشراء آلية، فإنه يمكن للأسعار أن تنخفض بسرعة، وتزيد الطين بلة، ولكن الأمور ساءت أكثر كون اليوم هو الجمعة، بين عطلة عيد الشكر، وعطلة نهاية الأسبوع، وأغلبية الناس في عطلة طويلة، ومن ثم لم تكن هناك قدرة على التصرف بسرعة من قبل كثير من الأفراد، ولكن الأمر الواضح هو ما يلي: كانت التعاملات في سوق الأسهم بسيطة، بينما كانت التعاملات في سوق النفط مرتفعة. لماذا هذا الفرق؟ السبب هو عمليات تحوط شركات النفط الأميركية.

ثالثاً: وقت كتابة هذا المقال، ارتدت أسعار النفط إلى أكثر من 5 في المئة، وهذا يؤكد ما سبق، أن الأمر لاعلاقة له ببايدن، وأنه يتعلق بعمليات البيع الإلكترونية وعقود التحوط والخيار.

الاحتلال الأميركي للعراق

انتشرت نظريات المؤامرة انتشار النار في الهشيم بأن الاحتلال الأميركي للعراق كان لإرواء عطش الولايات المتحدة من النفط. وكتبت وقتها العديد من البحوث والمقالات التي تثبت بشكل قاطع أن الولايات المتحدة لا تريد النفط العراقي لأنه يتنافى مع مبادئ سياسات الأمن القومي وسياسات الطاقة. لاحقاً، لم تحصل الشركات الأميركية من الجمل إلا على أُذنه. وحتى ذلك، تركته طوعاً. أغلبية العقود ذهبت إلى شركات صينية وآسيوية وأوروبية. ولا علاقة للأميركيين بقطاع النفط العراقي حالياً.

إذاً، لماذا اهتم الأميركيون بالنفط العراقي في بداية الغزو، وحموا المرافئ النفطية ووزارة النفط، في الوقت الذي تركوا فيه المتحف الوطني بآثاره التي لا تقدر بثمن، يُنهب؟ السبب استراتيجي بحت، ولا علاقة له بإرواء عطش أميركا من النفط: ما سبب قوة صدام حسين؟ إيرادات النفط. إذاً، يجب السيطرة على منابع النفط لوقف مصدر القوة، حتى لو لم تسقط بغداد، ولو لم يسقط صادم حسين. الآن، تريد إنشاء حكومة صديقة، كيف سيتم الإنفاق عليها؟ من أموال دافع الضرائب الأميركي؟ كلّا، من أموال النفط. إذاً، الفكرة هي السيطرة على منابع النفط لإضعاف الخصم أو إنهائه، ثم إنشاء نظام جديد تموله إيرادات النفط. وهذا ما حدث فعلاً، ويتناسق تماماً مع مبادئ الأمن القومي وسياسات الطاقة الأميركية.

سوريا وأنابيب الغاز وبحور النفط

فسّر أصحاب الفكر التآمري، وبتشجيع بعض الأنظمة، الثورة في سوريا بأنها عملية تخريبية من بعض دول المنطقة بسبب خلاف على أنابيب الغاز، وقام البعض بنشر خرائط توضح أن هناك أنبوبي غاز، أحدهما من إيران، والآخر من قطر، وأنه عندما رفض بشار الأسد الأنبوب القطري، قامت قطر بتجنيد سوريين للقيام بثورة، كي تتمكن قطر من بناء الأنبوب. مصدر الخريطة أستاذ جامعي فرنسي لا علاقة له بالنفط، ولا بالغاز، نظر إلى الخريطة، رسم خطوطاً، وفجأة تلقتها بعض القنوات الفضائية وأصبح الأستاذ والخريطة مرجعين أساسيين، ومن يستطيع أن يناقش خبيراً فرنسياً؟ ما دام أنه فرنسي أصبح معصوماً من الخطأ عند هؤلاء. ومع هذا الخبر ضجّ "واتساب" و"فيسبوك" بالخريطة وبنظرية المؤامرة الكبرى على سوريا بسبب أنابيب الغاز.

المثير في الأمر أنه كان هناك مشروع لخط أنابيب، ولكنه خط أنابيب واحد فقط، وليس اثنان، ينقل الغاز الإيراني إلى سوريا بتمويل قطري! إذاً، ليس هناك أنبوبان كما توهم "الخبير الفرنسي" وداعموه... هناك أنبوب واحد! المشكلة الأخرى هي أن الخط الإيراني المرسوم على الخريطة لا يمكن أن يتم تقنياً، لأن صاحبنا "الخبير الفرنسي" ظن أن الأرض ملساء بين إيران وسوريا مثل الورقة التي رسم عليها الخط. تجاهل الجبال الشاهقة التي تغطي الثلوج قممها على مدار العام! وتجاهل الأقليات العرقية التي تطالب باستقلالها السياسي في هذه المناطق. باختصار، خط إيران "الوهمي" الذي اخترعه فرنسي على الورق، لا يمكن أن يتحقق تقنياً واقتصادياً وسياسياً.

والأكثر إثارةً أن روسيا والإعلام التابع لها في المنطقة روّجا بشكل كبير لمؤامرة خطوط الأنابيب بين قطر وإيران، ولكن إذا كانت هناك مؤامرة أنابيب غاز فعلاً، فهي مؤامرة روسية لأن الأنبوب القطري - الإيراني من المفروض أن يرتبط بخط الغاز العربي الذي يأخذ الغاز إلى أوروبا عبر تركيا، وينافس الغاز الروسي! من ثم، وباستخدام المبدأ نفسه الذي يتبعه أصحاب الفكر التآمري، فإن النتيجة الحتمية هي أن روسيا هي سبب الحرب الأهلية في سوريا!

وعندما فقدت مؤامرة الغاز زخمها، بينما استمرت الثورة في سوريا، انتشرت مؤامرة جديدة: سوريا تسبح على بحر من النفط... ولم يستطع مروجو هذه النظرية أن يعرفوا مكان النفط، فمرة هو على اليابسة، وأخرى في البحر، وثالثة في تقرير روسي، ورابعة في تقرير فرنسي. والحقيقة أنه لا يوجد دليل علمي واحد على ما قيل، بل على العكس، كل الأدلة العلمية تشير إلى كميات محدودة من النفط والغاز براً، ولا يوجد أي نفط بكميات تجارية بحراً. وفشل الحكومة السورية في اجتذاب الشركات العالمية للتنقيب عن النفط في المياه السورية سببه القوانين والبيئة المنفرة للاستثمار الأجنبي. وحدث ذلك قبل بداية الثورة السورية.

السؤال: لماذا تحاول الأنظمة والإعلام التابع لها التركيز على أن العالم العربي مجرد نفط وغاز؟ أليس هذا هو تسفيه لها قبل أن يكون تسفيهاً للفئات الأخرى؟

الحقيقة أن أميركا أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، ومن كبار مصدري النفط والغاز في العالم. وإذا تركت النفط العراقي باحتياطاته الضخمة وتكاليفه المنخفضة للدول الأخرى، فلماذا تهتم بكميات بسيطة من النفط والغاز في سوريا؟ قد يحتج البعض ويقول: انظر إلى ما قاله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بسيطرته على آبار النفط السوري. الفكرة بسيطة جداً، وقريبة مما حدث في العراق: الأميركيون لا يريدون أن يسيطر عليها رجب طيب أردوغان، ويريدون تمويل الميليشيات الكردية من إيرادات النفط بدلاً من دافع الضرائب الأميركي.

أخيراً، إذا ما قامت دول "أوبك" (13 دولة) بتصدير أقصى ما صدّرته تاريخياً (أعلى بكثير مما تصدّره حالياً)، وبسعر 100 دولار للبرميل (الأسعار الآن عند 75 دولاراً للبرميل)، فإن إيرادات صادرات النفط تبلغ نحو تريليون دولار سنوياً. هذا يساوي تقريباً إيرادات شركتين أميركيتين "وول مارت" و"أمازون"! الزيادة في إنتاج النفط الصخري الأميركي خلال 10 سنوات أكبر من صادرات الإمارات والكويت معاً! وصلت الفكرة؟

إذاً، ماذا يُريد بايدن من دول "أوبك"، ولماذا يطالبها بزيادة الإنتاج؟ الجواب... إيران!

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – أندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • مستقبل النفط الصخري في الولايات المتحدة
  • سياسات الحياد الكربوني.. تراجعات بالجملة والإعلام يتجاهل
  • مفارقة صادمة: العولمة والتغير المناخي





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي