

انخفض الطلب العالمي على النفط بصورة كبيرة خلال الفترات الأخيرة، الأمر الذي يعني أن الفجوة بين العرض والطلب أصبحت صغيرة جداً، وهذا يفسر انخفاض أسعار النفط خلال الفترات الأخيرة، وعدم ارتفاعها بصورة كبيرة بعد أن تبادلت إيران وإسرائيل الهجمات أول من أمس. ولعبت الصين دوراً كبيراً في هذا التخفيض، الأمر الذي يثير أسئلة عديدة، بخاصة أن بكين هي الأقل تأثراً بأزمة مضيق هرمز.
الخطأ الذي يرتكبه بعض المحللين والمعلقين حالياً هو أنهم يركزون على الفرق بين المعروض قبل الأزمة وما بعدها ويتحدثون عن خسارة نحو 15 مليون برميل يومياً، والبعض يقول "خسرنا أكثر من مليار برميل حتى الآن والأسعار لم ترتفع بما يتناسب مع ذلك". هذا المنطق غير صحيح نظرياً وعملياً لأن ما يجب النظر إليه هو الفارق بين الطلب والعرض، وليس المعروض حالياً مقارنة بما كان قبل الأزمة.
فإذا كان ما جرت خسارته من إغلاق مضيق هرمز 15 مليون برميل يومياً، فقد جرى التعويض عن غالبية ذلك بتحويل الصادرات عبر الأنابيب في السعودية والإمارات (نحو 4 ملايين برميل يومياً تقريباً)، والسحب من المخزونات الاستراتيجية والتجارية (نحو 3 ملايين برميل يومياً)، وتخفيض الصين لوارداتها النفطية (5.7 مليون برميل يومياً)، وانخفاض الطلب على النفط بسبب ندرته وارتفاع أسعاره (1 مليون برميل يومياً). هذا يعني أن العجز الحالي بين مليون ومليوني برميل يومياً فقط. كل الأرقام السابقة تقريبية وهدفها توضيح فكرة أن الأسعار تتأثر بالطلب والعرض وليس بفارق الإنتاج ما قبل الأزمة وما بعدها.
وهنا لا بد من التوضيح بأنه بحسب بيانات شركة "كبلر"، فإن واردات الصين من النفط انخفضت بحدود 5.7 مليون برميل يومياً عما كانت عليه قبل الأزمة، وهذا يعني انخفاض الطلب العالمي على النفط بنفس الكمية، وهي كمية ضخمة بكل المقاييس. وهذا لا يعني انخفاض استهلاك الصين بتلك الكمية حيث إن هناك فارقاً بين الطلب والاستهلاك. فالطلب يتضمن المخزون، بينما الاستهلاك هو ما جرى استخدامه. كما لا يعني انخفاض مخزونات الصين بالكمية نفسها أيضاً، فكيف عوضت الصين عن هذه الكميات؟ ولماذا أخطأ المحللون في فهم بيانات الصين؟ أدناه شرح مبسط، والأرقام المستخدمة للتبسيط.
وكما أسلفت في مقالات سابقة، أيقنت الصين منذ حرب يونيو (حزيران) عام 2025 أن مضيق هرمز سيغلق، وأن من سيغلقه ليس الإيرانيون، ولكن الأميركيين، فاتخذوا سياسات عديدة، منها ملء المخزونات. واستمر ملء المخزونات حتى مايو الماضي. فإذا كانت الصين، مثلاً، تملأ المخزون بمعدل 800 ألف برميل يومياً، فهذا يعني استيراد 800 ألف برميل يومياً. فإذا توقفت عملية التخزين، فهذا يعني انخفاض الواردات بالكمية نفسها من دون أن ينخفض المخزون.
المخزونات التي نتحدث عنها باستمرار هي المخزونات التي توجد على اليابسة. خلال آخر شهرين، بدأت الصين بتفريغ حاملات النفط الإيراني والروسي الراسية بالقرب من موانئها والتي تعرف بـ"المخزون العائم". وبلغ هذا التفريغ حدود مليون برميل يومياً. هذا يعني أن الصين استهلكت هذه الكميات من دون التأثير في مخزوناتها.
وقامت الصين بمنع موقت لصادرات المنتجات النفطية. فإذا كانت هناك مصفاة تصدر 200 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية، وجرى منع التصدير، فعلى المصفاة وقف استيراد النفط الذي ينتج هذه الكميات، وهذا يعني انخفاضاً في الواردات من دون التأثير في الاستهلاك المحلي أو المخزونات.
في الوقت ذاته هناك أدلة على انخفاض استهلاك النفط في الصين. ولكن ليس من الواضح إذا ما كان هذا الانخفاض نتيجة التركيز على السيارات والشاحنات الكهربائية أو انخفاض النمو الاقتصادي كنتيجة للحروب التجارية خلال عامي 2024 و2025 أو أنه ناتج عن أزمة هرمز، وقد يكون سبب الانخفاض مجموعة من كل هذه العوامل. هذا الانخفاض في الطلب يعني انخفاضاً في واردات النفط من دون أن ينخفض المخزون.
وأكثر أمر لم يدركه المحللون ووسائل الإعلام هو الزيادة في إنتاج النفط في الصين، بعد أن تبنت بكين سياسة منذ حوالى أربعة أعوام تركز على تنمية الإنتاج المحلي للطاقة في كل المجالات، النفط والغاز والفحم والطاقة الهوائية والشمسية والمائية والوقود الحيوي. الفكرة أمنية بحتة في حال حصول انقطاع في الإمدادات بسبب حرب أو حظر أو غيره. وجهت الحكومة الصينية شركات النفط لزيادة إنتاج النفط والغاز بغض النظر عن التكلفة، ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً، بخاصة في مجال الغاز.
وما تبقى، وهو كمية صغيرة، جرى سحبها من المخزون.
ترمب وهرمز والصين
أدلة كثيرة تشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإيران غير جادين في فتح مضيق هرمز وإعادة الملاحة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. وإذا كان الهدف من ذلك هو تضييق الخناق على الصين، ونقل صناعات آسيوية إلى الولايات المتحدة، فإن بكين كانت واعية لهذه الخطط، واتخذت إجراءات عديدة لتحصين نفسها. المشكلة أن الخطط الأميركية قد تفشل إذا استمرت أزمة هرمز لفترة طويلة.
وقررت وكالة الطاقة الدولية سحب 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية، التي تتضمن قرار إدارة ترمب سحب 172 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية الأميركية. المشكلة هنا أنه في الوقت الذي كانت هذه الدول تسحب من مخزوناتها، استمرت الصين في بناء مخزوناتها. وفي النهاية، سنجد أن هذه الدول استنفدت جزءاً كبيراً من مخزوناتها في الوقت الذي تبلغ المخزونات الصينية ضعف المخزونات الأميركية. فإذا حصلت أي أزمة، فإن من سيسيطر على الوضع هو الصين، ومن ثم تسحب البساط من تحت ترمب!
باختصار، ترمب يتحكم في أسواق الطاقة الآن، ولكن استمرار أزمة هرمز سينقل هذه السيطرة للصين!
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الاندبندنت عربية