مفارقة صادمة: العولمة والتغير المناخي
2021-11-16 | منذ 2 شهر
أنس الحجي
أنس الحجي

في أواخر الثمانينيات وفي التسعينيات من القرن الماضي، كانت "العولمة" طاغية في كل مكان، عدد ضخم من المؤتمرات الخاصة بها في كل مكان، ولا يكاد يخلو مؤتمر متخصص في أي أمر ما من حلقات أو متحدثين في العولمة. صفحات الجرائد الأولى وأخبار التلفاز والراديو كانت عن العولمة. برامج تلفزيونية عديدة ونقاشات حادة بين مؤيدي ومعادي العولمة. ولمعت أسماء خبراء ومتحدثين لم يكد يخلو مؤتمر منها. أضف إلى ذلك آلاف البحوث والمقالات المتخصصة بالعولمة، وخصصت الجامعات مناهج خاصة بها. حتى بعض خطب الجمعة وقتها كانت عن العولمة!

مع هذه الفورة في العولمة انتشرت تنبؤات عديدة عن نهاية الحكومات، وانهيار الحدود، وانتهاء العملات الوطنية، وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة. تم إنفاق مبالغ هائلة، كما تجييش عدد هائل من الاقتصاديين وخبراء المال وعلم الاجتماع والسياسة لتأييد العولمة... وتم إنفاق المليارات على المباحثات والمؤتمرات الدولية التي استمرت سنوات، والتي تم تتويجها بإنشاء منظمة التجارة العالمية. 

فجأة، بدأت تظهر بعض المشكلات بسبب تعارض مصالح بعض الدول مع ما تم الاتفاق عليه، أو مع قوانين منظمة التجارة الدولية، وتبين أنه يمكن فهم النصوص المتفق عليها بأشكال مختلفة، كل حسب مصلحته. 

وكانت الحصيلة النهائية "تخفيض" التعرفة الجمركية، أو إلغائها تماماً، وهيمنة البنوك العالمية "الغربية" على عمليات التمويل في العالم، والحماية الفكرية لكل المنتجات الغربية!

الآن، لنعِد قراءة النص أعلاه بتغيير التاريخ من "أواخر الثمانينيات وفي التسعينيات" إلى "أواخر العقد الثاني والعشرينيات" من الألفية الثانية، ونضع كلمتي "التغير المناخي" بدلاً من "العولمة"، و"الكربون" بدلاً من "التعرفة الجمركية"! وصلت الفكرة؟ 

العولمة والتغير المناخي

أهم عامل مشترك بين العولمة والتغير المناخي، هو أن تطبيقهما يتطلب حكومات قوية، وهذا يعني إلغاء الطرف الآخر ضمن كل دولة، والحديث هنا عن الدول الديمقراطية!! ورأينا كيف تم قمع التظاهرات المعادية للعولمة في كل أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، وكيف غطى الإعلام المتحيز هذه القضايا.

وتم تجاهل تحذيرات كبار الخبراء بشأن العواقب غير المدروسة وغير المتوقعة للعولمة، وتبين في ما بعد، أن تحذيراتهم كانت في محلها. وكان من ضمن هذه التحذيرات أن فتح الأسواق المالية للدول الناشئة والنامية سيؤدي إلى كوارث مالية ستكون فيه هذه الدول هي الخاسر الأكبر، بينما ستستفيد الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وهذا ما حصل فعلاً.

وكان من ضمن هذه التحذيرات أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة ستستغل اتفاقيات التجارة الدولية في علاقاتها الدولية، بحيث يتم تصنيف الدول وفقاً لها، ومن ثم يتحدد من يحصل على التمويل والمساعدات، ومن تطبق عليه العقوبات، بخاصة في ما يتعلق بعمليات نقل الأموال عبر نظم موازية أو الملكية الفكرية. ونتج من ذلك أن هذه الاتفاقيات حددت نوعية صادرات بعض الدول وكمياتها، ومنعت تطويرها، بعد أن أصبح تقديم إعانات لهذا القطاع بطريقة أو بأخرى "جريمة"! 

حددت العولمة قواعد التجارة الدولية، ومن ثم حجمت من نمو بعض الدول، وأسهمت في نمو أخرى في الوقت الذي ضمنت فيه انتشار الاستثمارات والمنتجات الأوروبية والأميركية وضمان الملكية الفكرية لكل المنتجات من هذه الدول، بما في ذلك الأفلام والأغاني والموسيقى وكل منتجات "هوليوود".

باختصار، اتفاقيات العولمة مكنت دولاً معينة من التحكم ثقافياً ومالياً وقانونياً بالعالم، ومن يشذ عن ذلك يعاني من العزل وانخفاض الاستثمارات ومن ثم السلع والمنتجات، وانهيار العملة. وتطور الأمر أحياناً إلى فرض عقوبات اقتصادية وحظر اقتصادي.

مرة أخرى، لنغير النص أعلاه بإزالة كلمة "عولمة" ووضع "التغير المناخي" بدلاً عنها! وصلت الفكرة؟

الانتقال من العولمة إلى التغير المناخي

أسهمت العولمة في التسعينيات في الانقسام الكبير الذي شهدناه في مؤتمر المناخ "كوب 26"، الذي انتهى منذ ثلاثة أيام. فقد نتج من العولمة انتقال المصانع من أوروبا الغربية وأميركا الشمالية واليابان إلى الصين والهند ودول آسيوية أخرى، بخاصة الصناعات كثيفة الطاقة. كما نتج منها زيادة تركيز الصناعات البتروكيماوية في الدول النفطية. فكانت النتيجة انخفاض استهلاك الطاقة في الدول الغربية وانخفاض انبعاثات الكربون فيها، وزيادة استهلاك الطاقة في الصين والهند والدول الآسيوية والدول النفطية، وارتفاع انبعاثات الكربون فيها. وبسبب العولمة، استطاعت الدول الغربية الحصول على منتجات المصانع نفسها التي كانت عندها، ولكن بأسعار أرخص ومن دون انبعاثات الكربون.

وبسبب العولمة، استطاعت الدول الغربية الحصول على ألواح الطاقة الشمسية وعنفات الرياح بأسعار زهيدة، مكنتها من تخفيض تكاليف توليد الكهرباء بشكل كبير، ومن ثم تخفيض الانبعاثات مرة أخرى.

ونتج من هذه التطورات تغير جذري في تجارة الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم)، حيث تم تحويل هذه الصادرات من الغرب إلى الشرق. ونتج عن "العولمة" وزيادة الإنفاق العسكري بعد حادثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي حول العالم، فارتفعت أسعار النفط والغاز ووصلت إلى مستويات تاريخية لاحقاً. هذا الارتفاع المستمر في الأسعار لعدة سنوات أسهم بشكل كبير في إحداث ثورة الصخري في الولايات المتحدة، التي جلبت كميات هائلة من النفط والغاز إلى الأسواق. هذه التطورات خفضت أسعار النفط والغاز بشكل كبير، ليس في الولايات المتحدة فحسب، ولكن حول العالم أيضاً. فقد نتج عن انهيار أسعار النفط انخفاض أسعار الغاز الروسي إلى أوروبا وأسعار الغاز المسال من دول مختلفة إلى أوروبا، لأن الأسعار في عقود الغاز مرتبطة بالنفط. 

رخص الغاز أسهم في زيادة استخدام الغاز في محطات الكهرباء الأميركية على حساب الفحم، فانخفضت انبعاثات الكربون. أما في أوروبا فقد تم التحول إلى الغاز الرخيص على حساب الفحم، كما أن رخص الكهرباء من الطاقة الشمسية والهوائية (التي تم استيرادها من الصين بتكاليف منخفضة) أسهم أيضاً في التخلص من الفحم. هذه التطورات أسهمت في تخفيض الانبعاثات بشكل كبير. 

هذه التطورات قسمت العالم إلى قسمين، قسم ترتفع فيه انبعاثات الكربون باستمرار، وقسم تنخفض فيه انبعاثات الكربون باستمرار. قسم ينتج ما يستهلكه القسم الآخر.

باختصار، ما نراه اليوم من انقسام حول التغير المناخي سببه العولمة!  

النتائج!

على الرغم من مئات الاجتماعات والمؤتمرات والقمم والاتفاقيات، وعلى الرغم من آلاف المقالات والمحاضرات ومئات الكتب المؤيدة للعولمة، وعلى الرغم من تأسيس منظمة التجارة العالمية، انهار جزء كبير من العولمة، وساءت العلاقات بين الدول، وانتشرت حدة الوطنية، وتوج ذلك الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بانسحابه من عدة اتفاقيات تجارية، ومن عدة منظمات دولية، وعادت التعرفة الجمركية، بمعدلات عالية، وتم فرض حظر على استيراد عدد من منتجات الدول الأخرى. وأصبح من النادر أن نقرأ عن منظمة التجارة الدولية، بعد أن كانت في الأخبار كل يوم. صاحب ذلك انسحاب الولايات المتحدة عسكرياً من مناطق عدة، وانحسار دورها الدبلوماسي العالمي.

الواقع أن العداء للعولمة انتشر حول العالم، وضمن أغلب الفئات المجتمعية، لماذا؟ لأن العولمة زادت من التفاوت الطبقي، وزادت من الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وحولت أطباء ومهندسين وخريجي جامعات في تخصصات مختلفة إلى موظفي مراكز اتصالات في البلاد الفقيرة، لخدمة العملاء في الدول الغنية!

في ظل العولمة، ازداد الأثرياء ثراءً، وازداد الفقراء فقراً، ولم تحقق الحياة الكريمة السعيدة التي وعد بها فلاسفة ومنظرو العولمة. وبهذا فقد من هم وراء العولمة سيطرتهم على العالم... فهل "التغير المناخي" هو "العولمة" بشكل جديد؟ الحديث هنا ليس عن نظرية مؤامرة، ولكن مجرد تساؤل لسبب بسيط: توافق اليسار الأميركي مع جزء كبير من اليمين الأوروبي في موضوع المناخ يشبه التوافق اليساري-اليميني في موضوع العولمة! والمفروض أنهم معادون لبعضهم فكرياً، فكيف اتفقوا؟

مرة أخرى، لنحذف كلمة "عولمة" من النص أعلاه ونضع مكانها "التغير المناخي" لمساعدتنا في التنبؤ بما يمكن أن يحصل في المستقبل... وسلامتكم!

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

اندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • مستقبل النفط الصخري في الولايات المتحدة
  • سياسات الحياد الكربوني.. تراجعات بالجملة والإعلام يتجاهل
  • النفط ونظرية المؤامرة





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي