

عندما تلتقي الأزمنة يحدث التقدم. ويقصد بالأزمنة تلك العصور التي تحتشد داخلها إمكانات بشرية ومادية تقبل البناء عليها مما سوف يلي في زمن قادم وتتفاعل معها لكي تنتج زمنا جديدا يعطي للإنسانية.
وأحيانا فإن الزمن يأتي في إشارات بسيطة، وعندما وصلت إلي الولايات المتحدة في ٢٩ سبتمبر ١٩٧٧، كان أول ما تلقيته بطاقة صغيرة عليها رقم التأمين الاجتماعي أو Social Security Numberوكانت هذه هي المعبرة عن كيان جديد دخل إلي الدولة الأمريكية.
لاحظت أن اسم شخصي يتراجع بسرعة فقد أصبح وبات سعيد علي وكفي, وعندما اقترب وقت النهاية بعد خمس سنوات وكان لابد من ملء استمارة شهادة الدكتوراه أصبت بهلع. والسبب أنني كنت عائدا إلي مصر وفيها فإن الشهادة لا تكون كذلك إلا إذا كان فيها اسمي كاملا، وبالحروف المحددة في وثيقة السفر.
ولكن السيدة الفاضلة التي كان عليها القيام بالمهمة سألتني: كيف تحب أن تضع اسمك في الشهادة وأجبتها عبد المنعم سعيد علي عبد العال، وبنفس الحروف الإنجليزية التي وردت في الوثيقة.
كنت قد أصبحت عارفا أن حروف الاسم تتبدل حسب النطق، ولجميع الأسماء التي تبدأ بعبد فإن ما يليها كان ممكنا أن يكون عبدال، أو عبدول. كان في الأمر المعاناة التي يواجهها الإنسان في المطارات ومداخل الفنادق والدخول للمؤسسات.
في أمريكا لم يكن كل ذلك مهما، ولم يكن يهم السيدة منطوق الاسم، فقد كان لديها الرقم القومي بالتعبيرات المصرية الذي يحل محل كل شيء. وقد بات لهذا الرقم العصري أهمية كبري عندما بدأ الكمبيوتر الشخصي يتغلغل في حياة الانسان, وحينها بات ممكنا أن يختلف اسم الإنسان كثيرا، ولكن رقمه لا يتغير أبدا.
في أمريكا جري التقدم من الستينيات إلي السبعينيات مع وجود الكمبيوتر الكبير الذي ولد مع الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب كان الكمبيوتر بحجم مبني مجمع التحرير.
صغر الكمبيوتر في العقدين التاليين، وأخذ حجرة ممتدة واسعة في صحيفة الأهرام عام ١٩٦٨. ورغم أن الرقم القومي جري إنتاجه في مصر في بداية القرن الحالي فإن زواجه مع الكمبيوتر لم يبدأ إلا مع العشرية الثانية، والمتوقع أن يكون الزواج كاملا مع العشرية الثالثة.
وهكذا فإن الولايات المتحدة عرفت لقاء زمنين (زمن الأرقام القومية وزمن الكمبيوتر) قبل أكثر من نصف قرن تقريبا، وهي التي تشكل الفارق الزمني في التقدم بين البلدين. وفي الحالتين جري لقاء الأزمنة بعملية تفاوتت سرعاتها بحكم الظروف، ومعامل انتشار التغيير.
في مصر بدأ الموضوع ربطا بين الرقم القومي والحصص التموينية, ومؤخرا جري استخدامه عندما جري تخصيص رقم جديد لكل رقم قومي من أجل لقاحات الكورونا، ولم يعد مهما أين سوف يحصل الإنسان على اللقاح مادام لديه الرقمان, وفي تلاقيهما يمكن منع التلاعب أو التكرار دون وجه حق أو بما هو ضار.
إذا كان ذلك كذلك فإنه من الممكن معرفة ما علينا فعله ليس فقط من التجربة الأمريكية، وإنما من تجارب دول متقدمة جري فيها التلاقي بين الرقم القومي والكمبيوتر، وهذه المرة يمكننا أن نفعلها بسرعة أكبر.
هناك بالفعل تجربة جارية في تطوير التعليم المصري، فلم يعد مهما معرفة أين سوف يدرس الطالب أو أين يتلقى الامتحان، وما إذا كان الامتحان يكون مع الكتب المفتوحة أو دونها؟ والحقيقة أنه بات من الممكن تفصيل الامتحان لكل طالب حينما يدخل برقمه القومي علي باقات اختبارية لكي يختار الحزمة من الأسئلة التي يجيب عنها.
وبالطبع لن يكون هناك احتمالات للغش في هذه الحالة حيث سوف يدخل زمن الخوارزميات الجديد إلى كيفية اختيار الأسئلة، وتصحيح الإجابة عنها.
ولكن الصحة والتعليم ليسا وحدهما كانا على موعد مع لقاء الأزمنة، وإنما ينفتح الباب علي مصراعيه من أجل تحقيق الإصلاح المالي ومعه الاقتصادي أيضا. نقطة البداية هي أنه لدي كل مصري رقم قومي، ورغم أنه ليس جميع المصريين يستخدمون الكمبيوتر (٥٩ مليونا فقط)، فإن جميع المصريين تقريبا يعرفون كيف يستخدمون بطريقة أو بأخرى الموبايل (٩٧ مليونا).
ما نحتاجه هو الشمول المالي ويقصد به تحقيق تلك الرابطة التي تقود إلي التقدم بين الرقم القومي والكمبيوتر والحسابات المالية للأفراد في البنوك المختلفة، والمؤسسات المقدمة للخدمات المختلفة والمصادر المالية التي يحصلون منها علي عيشهم.
قبل شهور كان على استخراج رخصة القيادة الخاصة بي والتي كان علي فيها أن أمر علي ثلاث مناطق إدارية،وفي جميعها كانت هناك مكاتب أنيقة، وأجهزة تكييف، وعلى كل مكتب جهاز للكمبيوتر, ومع ذلك فقد كان مطلوبا دائما في كل منطقة إدارية صور لبطاقة الرقم القومي وصورة شخصية للسائل.
لم يكن هناك اتصال بين الأزمنة، ورغم أن لافتة كانت دوما موضوعة حول التخلص من الورق، فإن الأوراق كانت كثيرة والتصوير لا يتوقف.
الأمل هنا أن يتم اللقاء بحيث تستجيب الأجهزة للرقم القومي فيمكن استدعاء كل الأوراق السابقة ومعها الصورة، فكلها لنفس الإنسان.
أعتقد أننا قريبون من هذه النقطة بالنسبة للخدمات العامة والحصول على الرخص وما شابه، وفي هذه الحالة تكون مصر قد قطعت شوطا إضافيا في مسيرة التحديث والتقدم.
الخطوة الكبيرة سوف تحدث عندما يتحرك القطاع غير الرسمي في الاقتصاد المصري (يتراوح تقديره بين ٤٠٪ و٦٠٪) من مكانه في بير السلم ويدخل إلى الاقتصاد الشامل بحساباته ومدخراته ومدفوعاته وما يحصل عليه. الأمر بالطبع يتطلب تشريعات تحفيزية، ولكن هذه لن تكون كافية ما لم يكن هناك إغلاق كل طريق آخر.
في الولايات المتحدة الأمريكية فإنهم ينظرون لمن يدفع نقدا (كاش) على أنه من تجار الممنوعات. التضييق على ذلك ربما يكون ممكنا عندما تتغير العملة من حالتها الراهنة إلي حالة أخري بلاستيكية كبطاقات الائتمان أو عند تغيير النقود القديمة بالنقود الجديدة. وهذا سوف يكون لحظة فارقة!
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس