المشروع القومي والأجيال الجديدة
2019-12-09 | منذ 9 شهر
مصطغى الفقي
مصطغى الفقي

جرت مياه كثيرة وتدفقت أنهارٌ في ربوع الوطن العربي ووديانه في المئة عام الأخيرة، وواجه العرب التقلبات الدولية والمتغيرت العالمية على نحو غير مسبوق، وكانت النتيجة دائماً إخفاقات متوالية حتى حفل قاموس السياسة العربية بكلمات مثل "النكبة" و"النكسة"، وبدا واضحاً أن هذه البقعة من العالم مستهدفة أكثر من غيرها لأسباب تتصل بتاريخها الثقافي والروحي ثم لأسباب تتصل بثرواتها الهائلة خصوصاً بعد ظهور النفط بالجزيرة العربية والخليج بشكل أثار الأطماع وفتح شهية القوى الكبرى تجاه المنطقة.

ثم جاء قيام دولة إسرائيل ليسكب الزيت على النار، فاشتعلت المنطقة في المشرق العربي وغرب آسيا وشمال أفريقيا وأصبح العرب أمام خيارات معقدة تفرض عليهم مقاومة باسلة ضد المتربصين بهم والمعتدين عليهم، الذين خرجوا من الحرب العالمية الأولى وقد اندحر مشروع وحدتهم، وتبددت أحلام الشريف حسين الذي خدعته بريطانيا وحلفاؤها حتى أطلت معاهدة "سايكس بيكو" بظلالها على المنطقة، وأصبحنا أمام مؤامرة كبرى لتفتيت الكيان العربي الواحد ثم جاءت فترة ما بين الحربين وميلاد عصبة الأمم لتعطي أملاً زائفاً في عدالة دولية واستقرار عالمي.

ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية التي حصدت الملايين في أوروبا، وأبرزت ما يمكن تسميته بالمسألة اليهودية، التي تركزت حول ممارسات النازيين ضد التجمعات اليهودية في الدول الأوربية، وكان تعويض اليهود على حساب العرب وكأنما تعين عليهم أن يدفعوا فاتورة الحرب العالمية الثانية كما دفعوا فاتورة الحرب الأولى إخفاقاً وهزيمة فجاءت نتيجة الحرب الثانية عدواناً ونكبة، وكانت دولة إسرائيل كياناً جديداً على المنطقة لم يكن لنا عهد به.

عندئذ انضم عامل جديد إلى عوامل اهتمام الغرب بالمنطقة العربية فإلى جانب النفط ظهر تعبير (حماية أمن إسرائيل)، بحيث تمحورت السياسة الغربية عموماً، والأميركية خصوصاً حول هاتين الركيزتين، ويهمنا هنا أن نتحدث عن حركة الأجيال العربية وعلاقتها بالمد القومي والتضامن العربي وذلك من خلال النقاط التالية.

أولاً: لقد كان الخروج من عباءة السلطنة العثمانية نقلة كبيرة بعد قرابة سبعة قرون من السيطرة، تجمدت فيها الأمة العربية وتخلفت عن ركب الحضارة بكافة المعايير باستثناء ومضات محدودة مثل الحركة الاستقلالية التي قام بها محمد علي هو وأولاده في محاولة لانتزاع مصر من أحضان السلطنة التي حكمت في ظل عباءة الإسلام وعمامة الخليفة. لقد كانت الحرب العالمية الأولى هى الحد الفاصل بين هزيمة الأتراك وسقوط الخلافة على يد الغازي مصطفى كمال أتاتورك حيث فتحت الأبواب أمام الأجيال العربية الجديدة لكي تفكر في هويتها المستقلة، وكان الطرح الشامي للقومية العربية سواء في سوريا الكبرى أو دول المهجر بمثابة ناقوس يدق، وظهرت كتابات عظيمة للآباء المؤسسين للحركة القومية تدعو في مجملها إلى ما أطلقوا عليه اليقظة العربية وقاوم العرب المظالم التركية قرب نهايات وجودها في المنطقة، وفي ظل سنوات احتضار رجل أوروبا المريض، والمعني به السلطنة العثمانية، التي كانت تتجه نحو الغروب ولذلك جاء ميلاد القومية العربية خروجاً من رحم الهيمنة التركية والحكم العثماني.

ثانياً: تلقى العرب صدمة النكوص بالوعد من جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بخيبة أمل كبيرة، وجرى نفي الشريف حسين إلى قبرص وتولى فيصل الأول عرش سوريا ثم العراق، وتبعه ابنه الملك غازي حتى فيصل الثاني الذي قتل في ثورة العراق عام 1958، وقبل ذلك جرى اقتطاع جزء من الحدود بين الجزيرة العربية والشام لتكوين دولة عربية عازلة في تلك المنطقة، التي آل عرشها إلى الملك عبد الله ابن الشريف حسين والجد الأكبر للملك عبد الله الثاني ملك الأردن حالياً، وبذلك رسم الغرب خريطة جديدة للمنطقة العربية على النحو الذي يريديونه فى محاولة لإرضاء كافة الأطراف في وقت كان دور آل سعود يتزايد في الجزيرة العربية حيث سرى إحساس عربي عام بأن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مدعومة بدهاء الدبلوماسية البريطانية لا يريد للعرب خيراً، وأنه يخطط لوطن قومي لليهود في فلسطين خصوصاً عندما ظهر وعد بلفور، وزير الخارجية البريطاني، الذي كان (وعداً ممن لا يملك لمن لا يستحق).

ثالثاً: ليس من شك في أن حكم الأسرة السعودية للحجاز ونجد بعد توحيدهما وسيطرتها الكاملة على الأماكن المقدسة وخارجها جعلت من الملك عبد العزيز بحق نموذجاً للملك الموحد الذي حقق واحدة من أنجح تجارب الوحدة في التاريخ العربي الحديث، وقد ملأت السعودية الفراغ في الجزيرة والخليج وجنوب الشام وساحل البحر الأحمر فضلاً عن تماسها مع دول أخرى باعتبارها دولة متشاطئة مع الخليج العربي، الذي يصر الفرس على نسبته لهم، لأننا أمام أجيال جديدة من قبائل وعشائر تحكم تلك البقاع العربية التي خرج منها الإسلام وانتشرت بفضلها الدعوة، ولقد دعم ذلك بالضرورة المشروع الإسلامي في المنطقة وإن لم يتعارض، ظاهرياً على الأقل، مع المشروع القومي حتى جاءت نكسة عام 1967 لتبدو الفوارق واضحة بين المشروعين، ولتكون نقطة تحول أخفق بعدها المشروع القومي بطموحاته الواسعة التي غذاها العصر الناصري ومواجهاته الطويلة مع السعودية وحلفائها، وهو أمر بلغ قمته في حرب اليمن حيث كانت المواجهة العسكرية الدامية التي أضعفت الجيش المصري وكانت واحدة من عوامل هزيمة عام 1967.

رابعاً: لقد حملت الحرب العالمية الثانية معها رياح التغيير في المنطقة وتفتحت شهية الولايات المتحدة الأميركية بشكل ملحوظ، وأصبحت مصدر جذب للأجيال الجديدة بالإغواء الثقافي من سينما وملبس وغيرها من مظاهر الحياة الحالية، ولقد أدى ذلك بالضرورة إلى ميول اجتماعية لدى الأجيال الجديدة تجاه النموذج الأميركي الذي بدا متعارضاً مع المشروع القومي، ولكنه في الوقت ذاته متعايش مع المشروع الإسلامي، وهذه نقطة فاصلة في الربط بين الاتجاهات اليمينية والمشروع الإسلامي عموماً، بينما كان المشروع القومي بقيادة عبد الناصر موضع تعاطف الاتحاد السوفييتي السابق ومجموعة الكتلة الشرقية عموماً، ولكن ما جرى في 5 يونيو (حزيران) عام 1967 غير الصورة تماماً وبدّل الأوضاع وأصبحنا أمام مشهد مختلف للغاية حيث تنامى بقوة المشروع الإسلامي الذي عززته الثورة الإيرانية عام 1979 بينما تراجع المشروع القومي بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين.

خامساً: لقد خضعت المنطقة العربية بكل دولها تقريباً لمجموعة من الضغوط الشديدة تجاه ما يجري فيها وأصبح التدخل الغربي في الشأن الداخلي أمراً ملموساً خصوصاً بعدما أقدم رئيس العراق الأسبق صدام حسين على غزو دولة عربية هي الكويت وتداعيات ذلك الحدث الجلل على المنطقة حتى الآن، لقد دفع العراق فاتورة فادحة بينما دفع الأمن القومي العربي هو الآخر جزءاً كبيراً من تلك الفاتورة وأصبحنا أمام مشهد متعثر يتميز باختلال موازين القوى ويجعل الأطماع الإيرانية والتركية واضحة في المشهد السياسي عموماً، وهنا لابد أن نقرر أن أحداث الربيع العربي قد أدت إلى نتائج سلبية وكأنما هي حق يراد به باطل فقد أضعفت الدولة الوطنية عموماً ومزقت دولاً أخرى عربية وفتحت الباب للهيمنة الأجنبية بالأطماع الغربية التي تمتد إلى دول الجوار إسرائيل وتركيا وإيران حتى أصبح واضحاً أن العرب هم الضحية الحقيقية لكل ما جرى ويجري في هذه المنطقة من العالم، ولا يخالجني شك في أن أصابع أجنبية قد مارست دورها في أحداث الربيع العربي وخرجت بها عن إطارها الوطني لتفتح أبواب السيطرة والتدخل في الشئون الداخلية بين الدول العربية.

وهكذا نرى أن الأجيال الجديدة تبدو أبعد ما تكون عن المشروع القومي بعد أن تحطمت صورته وتمزقت أوصاله بشكل ملحوظ وأصبح على العرب أن يستيقظوا قبل فوات الأوان وكأنما نعود من جديد إلى كتابات الآباء حول اليقظة العربية عندما سقطت الإمبراطورية العثمانية. إننا أمام مشهد معقد وصعب ويحتاج إلى رؤية بعيدة ونظرة شاملة وفكر متجدد.

 

*كاتب مصري



مقالات أخرى للكاتب

  • لبنان والاختيار الصعب
  • نهاية الأتاتوركية
  • الحكومة الهندية والحرب على الإسلام

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي