العراق وصراع لا ينتهي
2026-06-16 | منذ 2 ساعة
مصطغى الفقي
مصطغى الفقي

إن حاضرة العباسيين هي ملتقى أطراف الحضارة العربية الإسلامية، وفيها عاصمة الرشيد، وعلى أرضها تبلورت حضارة بلاد ما بين النهرين وتمكنت دولة الرافدين، فالعراق حارس البوابة الشرقية للدولة العربية الكبرى، وريث تلك السبيكة المتميزة من التنوع في الأصول العرقية والجذور التاريخية، لذلك فهو قطر عربي أصيل ووافد في الوقت ذاته، لأنه كيان كبير يمثل إضافة متميزة لأمته العربية بتاريخه العريق ومظاهره الجغرافية والسياسية التي تجعله في غرب آسيا مطلاً على وسطها، بل وتجعله أيضاً دولة شرق أوسطية تتاخم حدود الشام وتركيا.

والعراقيون شعب عربي أبي وريث الحضارات الكبرى، وما من مفكر أو عالم عربي إسلامي إلا وعاش في العراق أو مر بها، ودفع ذلك البلد الكبير فاتورة التعددية التي يحظى بها والتنوع الذي يميزه، فاحتك بشعوب آسيا الوسطى والجنوبية، وعرف هجمات المغول وحروب التتار، وكان شريكاً فاعلاً في الحفاظ على عروبة الجناح الشرقي للكيان العربي الكبير، واحتوى العرب والأكراد والطوائف الدينية التي تمتد بعض جذورها إلى ما قبل الإسلام. كذا ظل العراق مركزاً للتعايش المشترك بين أكبر فصيلين دينيين تحت المظلة الإسلامية الواحدة، وأعني بهما أهل السنة وأتباع الشيعة، وقد حدث ذلك في انسجام كامل وانصهار فريد.

أتذكر أنني عندما كنت سفيراً لمصر لدى النمسا منذ 30 عاماً أن ربطتني صداقة بزميلي السفير العراقى لدى فيينا، وعن لي أن أسأله ذات مرة عن موقف العرب الشيعة من الحرب العراقية – الإيرانية، فأجابني السفير بلا تردد "لقد حاربنا أعداء الوطن لأننا عراقيون، بصرف النظر عن المذاهب والنحل والطوائف"، ثم أضاف "ولعلي قلت لك من قبل إنني كنت معاون رئيس الأركان في الجيش العراقي في الأعوام الأخيرة لتلك الحرب الضروس، التي استمرت أكثر من ثمانية أعوام، ولعلك لا تعلم إلى الآن أننى عراقي شيعي، وانتمائي للعراق يسبق أى انتماء آخر، فبلدنا متجانس في النهاية على رغم الخلافات والاختلافات التي عرفها تاريخه الطويل".

ولعل تلك الفرادة وذلك التنوع هما جزء من شخصية العراق المتميزة حتى في إطار أمته العربية. وبينما جاملت بريطانيا أهل السنة من العراقيين حول عام 1920، واستقدمت لهم ملوكاً من الهاشميين وهم من صلب أهل السنة والجماعة، فإن الولايات المتحدة فعلت العكس عندما احتلت العراق فعلياً بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، إذ وضعت الشيعة في صدارة المشهد، وابتدعت نظام الرئاسة الثلاثية بحيث يكون للأكراد رئاسة الجمهورية، وللسنة رئاسة البرلمان، وللشيعة رئاسة الحكومة التي تمثل السلطة التنفيذية الفاعلة في نظام الحكم العراقي القائم.

ولعلنا نعترف الآن أن عروبة العراق لم تكن موضع جدل أو مصدر قلق، وحين حاول بعض العراقيين أن ينص دستورهم الجديد في مقدمته على أن العراق بلد مؤسس في جامعة الدول العربية، رأى آخرون أن هذه العبارة ليست كافية لإعطاء الهوية العراقية حقها الطبيعي ومكانتها العادلة، وظل العراق وفياً لعروبته، متمسكاً بقوميته على رغم ما تعرض له ذلك البلد من عواصف وأنواء ومشكلات وأزمات دافع فيها العراقيون عن هويتهم كما لم ينكروا أيضاً تعدديتهم. وها هو العراق يُستدرج إلى الساحة من جديد ويدخل ويخرج من مشكلة إلى أخرى، ومن مأزق إلى آخر، وكأنما لم تكن أعوام الحرب والحصار والضغوط الدولية والإقليمية كافية في حد ذاتها لكي تكون عبئاً كبيراً على تاريخ العراق الحديث. وها هي الحرب الإسرائيلية - الإيرانية تسعى لاستدراج الدولة العراقية لكي تكون طرفاً فيها، الحرب التي ترعاها الولايات المتحدة وتتهم العراق بأنه طرف مباشر مع تصدير مشكلة "الحشد الشعبي" في المقدمة، لتبرير التدخل الأميركي في العراق واستنزاف قواه والسيطرة على مقدراته.

ويهمني هنا أن أسجل في حق العراق الشقيق بعضاً مما يستحق لدوره القومي وعطائه العربي، فهو يقع بين طرفي كماشة العدو الإسرائيلي غرباً، والنظام الإيراني شرقاً، ويبقى دائماً حلبة للصراع ومركزاً للصدام، دافعاً فاتورة غالية لاختناقات سياسية داخلية وتدخلات أجنبية لا تتوقف، خصوصاً من الجانب الغربي في ناحية، وإيران في ناحية أخرى. وتدور ملاحظاتنا حول المحاور التالية:

أولاً: إن عروبة العراق صمام أمان، لا للحدود الشرقية للعالم العربي فحسب، ولكن لاستقرار منطقة الخليج ودوله أيضاً، لذلك فإن العراق ليس بحدوده الجغرافية فحسب، ولكن بتأثير امتداداته الثقافية والفكرية على الشرق العربي أيضاً، ويكفي أن نتذكر أن شارع المتنبي في بغداد هو نوع من المدفعية الثقيلة التي يدافع بها العراق العربي عن هويته العربية وجذوره القومية.

ثانياً: يعاني العراق تاريخياً التقلبات السياسية والتغييرات في جهاز الحكم، وقد توافد عليه عدد من القيادات العربية من الهاشميين، كان الملك غازي والملك فيصل الأول والثاني فضلاً عن ولي العهد الشهير الأمير عبدالإله أهم رموزه، ولقد أنهت ثورة عام 1958 تاريخاً ملكياً في العراق وأصبحنا أمام نمط جديد من التغييرات العسكرية على قمة السلطة العراقية، لذلك فإن العراق الذي عانى كثيراً الصراعات والاضطرابات هو ذاته الذي يواجه الآن صراعات من نوع جديد في ظل تحولات إقليمية واسعة، ولقد عانى العراق الحديث موجات الإرهاب ونوبات العنف وظل دائماً مدافعاً عن أمته العربية وهويته القومية.

ثالثاً: امتلك العراق تاريخياً جيشاً نظامياً مؤثراً، واشتهر سلاح الطيران في بلاد الرافدين بسمعة طيبة، وأتذكر أنني عندما كنت أعمل سكرتيراً للمعلومات للرئيس المصري الراحل حسني مبارك، أنه كان يحكي لي عن الفترة القصيرة التي قضاها في مطار الحبانية وبسالة الطيارين العراقيين، ويتذكر رفيقه في ذلك الوقت اللواء طيار حميد شعبان، وكيف كانت العلاقات العسكرية بين البلدين نموذجاً رفيعاً في تلك الفترة، كما أن للعراق رصيداً ضخماً من الخبراء والأطباء والعلماء في مختلف دول العالم، وهو يعتمد على ذلك الرصيد عندما تستقر أوضاعه وتهدأ المنطقة من حوله.

رابعاً: إن العراق بمدنه المتألقة بدءاً من الموصل مدينة الفنون والآداب وملتقى الحضارات، وصولاً إلى البصرة في الجنوب، مروراً ببغداد الرشيد، إنما يضيف للثقافة العربية خصوصاً في ميادين الموسيقى والطرب ما يجعله جزءاً لا يتجزأ من القوى الناعمة العربية، ولا يكاد يقابله تاريخياً إلا مدينة حلب في شمال سوريا عند المنافسة في ميادين الثقافة والأدب على السواء. والعراقي شديد المراس بطبيعته، قوي الشكيمة بفطرته، لذلك فهو قوة مضافة لعالمه العربي في كل الأحوال. ولن أنسى تجوالي داخل شوارع بغداد في إحدى الزيارات الرسمية، وكيف تأرجحت خطواتي بين مقامي الإمام موسى الكاظم والإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان.

خامساً: إن خصوصية العلاقة بين طهران وبغداد بمنطق الجوار الجغرافي تجعل الأمور تمضي بطريقة شديدة الحساسية وبالغة التعقيد، فالجوار الجغرافي والتقارب المذهبي يجعلان تلك العلاقة تتأرجح صعوداً وهبوطاً، وإذا دخلت عليها إسرائيل طرفاً من خلال الولايات المتحدة فإننا نشهد صداماً لا يتوقف، ويدفع العراق العربي الفاتورة في كل الأحوال، فضلاً عن موجات العنف "الداعشي" والإرهاب المستورد، ليظل قيداً على الشعب العراقي في كل الأحوال.

إن خلاصة القول في هذه الظروف تدعونا إلى ضرورة التعاطف مع العراق العربي في ظل أوضاع توحي باستهداف ذلك القطر الشقيق وتمزيق نسيجه القومي والنيل من وحدته الإقليمية، متناسين أن الحضارة العربية الإسلامية مدينة للعراق بالقسط الأوفى من تاريخها الطويل، لذلك فإن دولة العباسيين يجب أن تظل مزدهرة لا تعرف الانقسامات والفوارق، ولا تضيع في زحام موجات التعصب والجنوح نحو العنف الذي لا مبرر له.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الاندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • الخديعة والحرب
  • سوريا والتعافي السياسي
  • كيف يفكر حكام إسرائيل؟










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي