أنياب الفساد تنهشنا في لبنان
2019-12-07 | منذ 10 شهر
غادة السمان
غادة السمان

 

ثمة حادثة قتل لشابة حامل روعت الكثير من الفرنسيين وذهبت ضحيتها ابنة (29 سنة) إليزا بيلاراسكي، وحدث ذلك في غابة ريتس الفرنسية على بعد 150 كيلومتراً من الحدود البلجيكية، وكانت إليزا تتنزه وكلبها. أما القاتل فهو: كلاب الصيد! فقد تصادفت نزهتها مع رحلة صيد حيث كانت مجموعة من الصيادين على أحصنتهم برفقة 76 كلباً يساهمون في مطاردة الفرائس. (وأخطأ الكلاب حين ظنوا أن المرأة إليزا بيلارسكي هي أيضاً فريسة!) وعضتها الكلاب حتى الموت. وكثيرة هي الأفلام الفرنسية والمسلسلات حول رفض العديد من أهل القرى لرياضة الصيد وخروج تظاهرات ضدهم.

خبر آخر مشابه:

مدرب الكـــــلاب في الجيـــــش النمساوي في ثكنة فلوجفلد (جنوب فيينا)، فقد ووجدوه مقتولاً إذ نهشه كلبان حتى الموت كان يروضهما!

 الكلب بريء والقاتل أوهامنا عنه

 قلما نشاهد كلباً (عادياً) في السينما الهوليوودية، أي غير ذكي ورائع! وقبل أعوام ثمة كلب نهش وجه صاحبته في فرنسا وشوهه وكاد يقتلها، وكان قبلاً (صديقها) الوفي، إذ يعتبر الكلب أكثر (الأصدقاء) وفاء للإنسان، حتى إننا ننسى أنه في الأصل من فصيلة الذئاب المفترسة تقريباً، ولكن يمكن استغلال غريزته القابلة للترويض.. وتأتي المسلسلات الهوليوودية لتؤكد ذلك وتنسينا إمكانية تحول الكلب إلى التصرف (بذئبنة).

ليلة الرعب في عدن

تعاطفت حقاً مع تلك الشابة الحامل إليزا بيلارسكي؛ لأن ذلك كاد يحدث لي ولزوجي ذات مرة في عدن التي وقعت في غرامها منذ الزيارة الأولى. فقد كنا، زوجي وأنا، في زيارة إلى صديق يقع بيته في مرتفع، وعرض علينا أن يعيدنا إلى فندقنا بسيارته، لكننا فضلنا الذهاب مشياً في ذلك الطقس الجميل المقمر. لم نكن نعرف الشوارع بدقة، لكن الفندق كان يقع على شاطئ البحر وقررنا المشي هبوطاً.. وما كدنا نصل إلى منتصف الشارع وفي آخره غرفة مضاءة (قدرنا أنها قد تكون مقهى أو مركزاً للشرطة) حتى لحق بنا كلبان ضخمان، ثم انضم إليهما كلبان آخران من الكلاب الشاردة، وقلت لزوجي نصف خائفة نصف مازحة: أرجو أن لا تكون جائعة! وحين التفت زوجي قال لي إنها صارت ستة كلاب أو سبعة، وغمرني الخوف، فقد كانت تلحق بنا. أو هكذا توهمت.

قال لي زوجي: حذار من الركض هرباً فهي أسرع منا. تابعي المشي بهدوء حتى ولو صارت لصقنا؛ هذا حتى نصل إلى المكان المضاء. وبعد لحظات أو دهر من الخوف صرنا في الغرفة وأغلقنا الباب خلفنا، وكان المكان مركزاً للشرطة. وليلتها أدركت أي خطر يمكن أن يمثله الكلب الجائع، ناهيك عن مجموعة منها. وليلتها تعلمت الحذر. ولذا، اشتريت في باريس جهازاً بحجم الهاتف المحمول (السيلولير) يكفي أن أضغط على زر فيه ليصدر موجات صوتية لا تسمعها الأذن البشرية، بل آذان الكلاب، وتجعلها تهرب بعيداً، وصرت أحمله معي كلما تنزهت في «ممر البجع» الذي يتوسط نهر السين مقابل بيتي كما (تتنزه) فيه أحياناً كلاب لعلها شاردة، كما أحمله معي كلما تمشيت في «غابة بولونيا» الباريسية. بالمقابل، يستحسن عدم نسيان أن الكلاب كالبشر، بوسعها القتل والأذى وهي أكثر براءة من البشر، لأنها تفتقد الأديان والتقاليد التي تكبل (كلبنة) البشر وشرهم الذي يفوق أحياناً (الشر البريء) للكلاب.

أخطر أنواع الأنياب: الفساد!

الكلاب، بأنواعها كلها، كامل الترويض أو شبه المروض على خدمة الإنسان أو مصادقته، الكلاب مهما بلغت شرورها أو نهشها لبعض الناس، مدرباً كان لها أم متنزهة في غابة، لا يقارن أذاها للبشر بأذى بعضنا بعضاً، وبالذات ما تلحقه بالناس «أنياب الفساد».

 وهو ما ثار ضده الشعب اللبناني وشعوب أخرى عربية أخرى، تشكو أنياب الفساد التي تنهش رزقها وحرياتها وحقوقها. ولأنياب الفساد فروع، كأنياب القمع وأنياب بعض الإعلام الفاسد (الرسمي) وأنياب الشهوات المالية، وسواها من أنماط انياب الفساد والتي لطالما ثارت عليها الشعوب العربية.

والحراك اللبناني في بعضه ثورة على الفساد، لكن الفساد كالأخطبوط، له العديد من الأذرع التي تمتد حتى إلى قلب التحركات الرافضة لتطويعها، بل ولزرع الشقاق فيما بينها.

مثال بسيط عما يدور في لبنان: أنياب الفساد المغروسة في أسلاك الكهرباء مثلاً! هل يعقل بعد حوالي ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية (الأولى؟) أن يظل المواطن اللبناني محروماً من التيار الكهربائي في بعض ساعات النهار أو الليل؟ والأمثلة كثيرة على التقصير الذي يؤدي دائماً إلى الانفجار. فالفساد مشغول بالمناكفة والقتال (البارد) مع منافسيه على غرس أنيابهم في شرايين الناس وامتصاص المزيد من دمائهم.

الفساد كلب صياد الشعوب!

هنالك هواة الصيد الذي ما زال مسموحاً في فرنسا في موسم معين وأماكن محددة، وتخرج التظاهرات أحياناً ضده وتشجبه بريجيت باردو. والهدف منه ليس الأكل، بل المباهاة بقدرة الصياد أمام الرفاق على صيد أكبر عدد من المخلوقات البرية كالوعول.

من طرفي، أكره الصيد للتشاوف بالقدرة على إصابة عدد كبير من الغزلان أو سواه، أكثر من بقية رفاق رحلة الصيد. وكثيرة هي القوى الإنسانية السياسية الفرنسية التي تريد منع الصيد.

لكن المروع هو صيد الشعوب.. وغرس أنياب الفساد فيها. في فيلم «سيسي» إمبرطورة النمسا نجدها تسعل كلما كاد والدها أمير بافاريا يصطاد غزالاً أو وعلاً أو زوجها أمبرطور النمسا.. (نرى ذلك في فيلم من تمثيل الجميلة رومي شنايدر). ونحب موقفها.. يبقى أن نبحث عمن (سيسعل) لحماية الشعب اللبناني من أنياب الفساد.

لكنه ليس في حاجة إلى تحذير أحد أنه يعرف ما يحاك له، وسئم من غرس أنياب الفساد في جسد حياته، حيث لا يتم قتله مرة واحدة، إذ لا أحد يقتل البقرة الحلوب مرة واحدة، بل يتم امتصاص دم تعبها وركضها خلف اللقمة، ويقوم بسرقة معظمها من فمها.

نتعاطف بالتأكيد مع أسرة إليزا التي نهشتها الكلاب، ولكن ينكسر قلبنا على حالنا كلبنانيين من اغتيالنا اليومي بأنياب الفساد، بحيث لا نموت ولا نحيا، بل نتحول إلى كبش لأنياب الفساد في لبنان وسواه من بعض الأقطار العربية، فمتى نجاة الوطن من أنياب الفساد؟ أم أن مصيرنا كمصير إليزا، وتعددت الأنياب وبعض الشعوب العربية ضحية؟ إليزا ماتت مرة بأنياب الكلاب، أما نحن في لبنان فنموت كل يوم بأنياب الفساد؟

 



مقالات أخرى للكاتب

  • نعم للانفتاح على التجارب الشعرية العالمية!
  • هل الصغار بضاعة سينمائية استهلاكية؟
  • لعنة المال والجنس، على بعض الملوك والأمراء!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي