حملة "حماية الحق في الحياة" عزاء للموت والميلاد
2021-02-28 | منذ 1 شهر
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

مع انطلاق فعالية "عزاء الأرواح  لمجهولي الهوية بمشرحة مدني" التي نظمتها "حملة حماية الحق في الحياة" التي أسسها في يوليو الماضي (تموز) 2020، مثقفون وناشطون وإعلاميون وشخصيات وطنية سودانية بالتنسيق مع مبادرة "مفقود" وحملة "مَن قتل بهاء؟" وعدد من التجمعات الثورية في منطقة الصحافة بالخرطوم (إلى جانب وقفة أخرى للحملة في مدينة كادوقلي – غرب البلاد)، يبدو جلياً أن ذاكرة الثورة السودانية لا تزال حية، فتلك الفعالية التي لقيت نجاحاً كبيراً عصر يوم الجمعة 26 فبراير (شباط) 2021، كانت تعبيراً قوياً لقوى الثورة الحقيقية وأصحاب المصلحة فيها، ومثّلت رمزية العزاء الذي نظمته الحملة عن أرواح مجهولي الهوية (تم اكتشاف أكثر من 145 جثة متحللة ومنطمسة الملامح في مشرحة مستشفى مدينة مدني في وضع غير إنساني)، عزاءً لكل الضحايا الذين ارتقت أرواحهم في الثورة السودانية منذ بدايتها في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 وحتى سقوط آخر شهيد.

وأتت كلمة الأستاذ الصادق سمل، والد الضحية عبد الرحمن سمل معبّرةً، حين بدأ كلامه بسؤال لحكام السودان من مدنيين وعسكريين "كم تحتاجون من الدماء كي نخلص من هذه الحكاية؟".
وكشف سمل في خطبته عن ضرورة المسير في درب الآلام والدماء، متوجهاً إلى الحكام بالقول إن "طريق الآلام الذي اخترتموه لنا كي يكون جزءًا من مسيرتنا في الحياة سنسير فيه معكم إلى آخره، الحياة بنت الآلام ولن تأتي إلا بها ونحن نؤمن بهذا، فيما نقاومكم وسنمشي معكم إلى أن نصنع الحياة التي نؤمن بها في السودان لأجياله ولشعبه ولأطفاله ومستقبله".
وكانت تلك الكلمة القوية دالة إصرار وتعبير عن روح الشعب التي أصبحت اليوم هي روح الثورة ذاتها. إن الرسالة القوية التي أطلقتها فعالية "حملة حماية الحق في الحياة" عبر ذلك العزاء الشعبي الحاشد وما تضمنه من مهرجان خطابي وتنوير قانوني بالحقوق وضربات احتفالية بطبول تقليدية، عكست رمزيتها تجذّراً عميقاً لثقافة حب الحياة، إلى جانب جدرايات تشكيلية عبّرت فنياً عن أهداف الحملة، والختام للقرآن الكريم عن الأرواح المجهولة. كل ذلك يطرح سؤالاً عميقاً حيال مصائر المواجهة المؤجلة بين الشعب السوداني واستحقاق العدالة لقتلى ثورته.

ما قاله الصادق سمل في كلمته التي عبّرت عن الشعب السوداني أثناء فعالية العزاء الشعبي، هو حقيقةً جوهر صوت السلام الذي لن يحدث بغير تطبيق روح العدالة القانونية والانتقالية، لأن ذلك هو الحل الأمثل لمأزق الوضع الراهن.
ذلك أن الدماء التي ظلت تسيل منذ بداية الثورة، وخلال فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو (حزيران) 2019، ثم قبل ذلك وبعده في أكثر من مكان نتيجة تاريخ طويل من العنف السياسي للدولة السودانية، منذ العنف الذي اندلع بعد عام 1955 وأوغلت فيه تلك الدولة منذ ذلك الحين إلى أن تجاوز عدد قتلى حرب انفصال دولة الجنوب 3 ملايين، فيما تجاوز عدد ضحايا الحرب الأهلية في دارفور نتيجة عنف نظام الإسلام السياسي للإخوان المسلمين منذ انقلاب البشير - الترابي عام 1989 على الديمقراطية، الـ300 ألف شخص. وهو عنف كان نظام البشير افتتح به عهده الدموي حين قتل بعض عناصر من الأحزاب السياسية، ثم أعدم قتلى رمضان ودفن بعضهم أحياءً وقتلى الحركة الطلابية وحوادث عنف الجامعات وقتلى بورتسودان وكجبار وضحايا 15 أكتوبر في مدينة كسلا، وصولاً إلى مقتل بهاء نوري على أيدي قوات الدعم السريع، كل ذلك التسييل المميت لعنف الدولة من أجل بقائها، ما هو إلا طريقة لهروب مستحيل من استحقاق العدالة. ففي نهاية الطريق، لا مفر من مواجهة الشعب السوداني، ما دامت روح الثورة لا تزال متوهجة فيه، كما دلت على ذلك التظاهرات الضخمة وعلى رأسها تظاهرة "قيامة الشعب" في 30 يونيو (تموز) 2019، التي بعثت رسائل إلى جهات عدة في السودان والمنطقة والعالم عن معدن هذا الشعب وقدرته على مواجهة التحديات.
إن هذه الفعاليات السلمية التي تنتظم في السودان باستمرار عبر المنظمات والكيانات ولجان المقاومة وعبر الاعتصامات، هي التي ستؤدي في النهاية إلى الاختبار الصعب والخيار الضروري في مسار العدالة الانتقالية. لقد أدرك الشعب السوداني أنه شعب لا ينقصه الدم لاستكمال مسيرة الثورة وأن الرهان على الدم من طرف الذين يعتمدون على القتل في المواجهة، رهان خاسر بالضرورة.

ذلك أن مغزى فعالية "عزاء الأرواح لمجهولي الهوية بمشرحة مدني" في مفهوم القائمين على "حملة حماية الحق في الحياة" والأجسام الثورية الأخرى، هو شكل من أشكال محاكمة الشعب للسياسيين، بخاصة حين يستعصي قول الحقائق السياسية على الأحزاب و"قوى الحرية والتغيير" نتيجة حسابات المحاصصة. والعبرة هنا، في مغزى فعالية الحملة، هي في كونها فعلاً من أفعال السياسة التي يتولاها الشعب حين تعجز أو تتخاذل الأحزاب، أي أنها بمثابة محاكمة سياسية من أجل حماية الحقيقة دفاعاً عن مستهلكي الحقيقة السياسية الذين هم أفراد هذا الشعب ـ كما تقول  المساهمتان البارزتان في تأسيس "حملة الحق في حماية الحياة" الأستاذة حكمة يعقوب والشاعرة نجلاء عثمان التوم. حتى الآن، ثمة بطء مريع في تنفيذ استحقاقات الإجراءات العدلية في الجرائم التي تمت منذ قيام الثورة، وعلى رأسها جريمة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو والجرائم الأخرى، على الرغم من تكوين لجنة تحقيق وطنية فيها، الأمر الذي يؤشر بحسب نجلاء التوم، إلى "فشل حكومة الثورة حتى الآن في القيام بواجبها حيال استكمال ملف العدالة التي هي إحدى شعارات الثورة ومبادئها". وتساءلت نجلاء التوم عن ذلك الصمت المريع الذي عمّ مسؤولي الحكومة حول جريمة إهمال جثث مجهولة الهوية في مشرحة مدني. وتعزو ذلك الصمت إلى الخوف على المحاصصات السياسية والمناصب الحزبية التي تقبل بها الأحزاب، انقساماً على الضمير الوطني مقابل ولاءاتها ومغانمها! فقوى الحرية والتغيير، مثلاً، في ولاية الجزيرة، ومن أجل الحفاظ على منصب الوالي، آثرت الصمت والتكتم على هذه الجريمة، وكان الأنكى من ذلك، مأساة فضيحة الطب العدلي في السودان، حين زعمت حكومة ولاية الجزيرة، أنه قد تم فحص الجثث الـ168 عبر الحمض النووي وتشريحها بواسطة 3 أطباء في غضون أيام معدودة. وتساءلت التوم بناءً على ذلك عما إذا كانت هناك إمكانية للطب العدلي في السودان أن ينجز مهمات التشريح والتصنيف والتوثيق لـ168 جثة بكفاءة وسرعة في غضون أيام؟ وإذا كان الوضع كذلك بالفعل، لماذا لم تُفعّل تلك الكفاءة والسرعة في أوانهما قبل تعفّن الجثث؟ ناهيك عن عجز تلك الكفاءة في التحقيقات الأخرى في جرائم مماثلة. هذه كلها أسئلة تطرح نفسها بلا إجابات. وتواصل التوم حديثها بالقول "تريد حكومة والي الحرية والتغيير في ولاية الجزيرة أن تصوّر الأمر على أنه فشل إداري، بينما الحقيقة هي أن عناصر النظام السابق (الذين يُعرفون محلياً باسم الكيزان) هم الذين يسيطرون على الطب العدلي في السودان حتى الآن، أما عناصر قوى الحرية والتغيير فهم أكثر حرصاً على مناصبهم من أي استحقاق وطني. أما الحقيقة، فهي الغائب الذي يتم إجهاضه يومياً بينهما". 

إن قيمة الضمير الإنساني كمحفز أساسي لصناعة الحياة الكريمة عبر الآلام، ترتبط وجوداً وعدماً، بقيمة الدفاع المطلق عن حماية الحق في الحياة، وهذه الحقيقة البسيطة لن يخبو معها ضوء الحق أبداً.
لقد كانت تلك الأرواح المنسية في مشرحة مدني مشهداً جماعياً لمعنى أن يكون الإنسان عبئاً حتى في موته وبلا كرامة، وما كشفت عنه رسالة الأرواح المنسية للشعب السوداني، سيظل نموذجاً لمصائر محتملة لحياة كثيرين ما دام الذي ارتكب تلك المجزرة آمناً في سلطته، مطمئناً على أن تلك هي لعبة السلطة وقانونها في إدارة العنف السياسي.

كان العزاء الشعبي للأرواح المنسية رسالة تبنٍّ واضحة، اختار من خلالها القائمون على العزاء أن يكونوا أهلاً لأولئك الميتين المنسيين، وأصحاب حق وطني في إقامة العزاء لذويهم وتقبل العزاء فيهم، إذ جاء في كلمة حملة "حماية الحق في الحياة" أنه "عبر هذا العزاء الشعبي، نريد أن نقول: نحن أهلهم نحن أحبابهم وأقاربهم هؤلاء الذين دُفنوا بلا وداع. نحن هنا لنحتج على التجاهل والتناسي والصمت الرسمي، بينما لا تعي نخبتنا السياسية حجم هذه الفجيعة، نحزن نحن هنا على فجيعتنا وعلى كرامتنا هذه وعلى العنف".
سيظل هذا التبنّي الوطني النبيل لعزاء أرواح موتى منسيين من أبناء هذا الشعب، (تم دفنهم بلا مواعيد، ولا تلويحة وداع، ولا إخطار لذويهم، بل من دون أن يعرف أحد) سلاحاً فاعلاً لن يسقط أبداً في مواجهة القتلة، وتذكيراً مستمراً بأن هذا الشعب هو الولي الحصري لدماء قتلاه. إنه تذكير بطبيعة الأدوار وحقائق الأشياء، تذكير بالذاكرة والحق، تذكير بالعنف والضمير، وتذكير بطريق الآلام وكلفة ضريبة الدم واستحقاق ثمنها. كما أنه تذكير سيقود في النهاية إلى اعتراف كامل ومتأخر للإحساس بفداحة أن تؤسس السلطة عنفها السياسي عبر قتلها مواطنين لا تريد أن تشعر بهم كجزء من شعبها لمجرد جنون السلطة؟!

واستلهم منظمو العزاء الشعبي في "حملة حماية الحق في الحياة" تقليداً قديماً للقبائل السودانية التي لا تضرب طبولها العظيمة إلا في الملمات الكبيرة، للموت والميلاد، مستعيدين بذلك طقساً عريقاً في رمزيته، حميماً في عراقته، حين ضربوا أثناء فعالية العزاء نحاسَ "النقّارات" حزناً على مأساة الموت الغامض الذي طفا على وجوه الذين قُتلوا ثم أُهملوا جثثاً طافيةً في أوضاع لا تعرف الرحمة، أو تم قتلهم برصاص يطلق معه القاتل شتائم عنصرية (كما فعل أحد عناصر القوات النظامية وهو يطلق النار على ضحايا 15 أكتوبر بمدينة كسلا). كل ذلك الموت والدم المُراق بتسييل العنف السياسي، لن ينتهي إلا على يد شعب يدرك أن المستقبل أضيق من أن يستضيف القتلَة في صفحات تاريخه المجيد، ولن ينجو القتلة من عقاب هذا الشعب إلا بإرادته للحياة التي ستعني، في ما تعني، نسياناً للقتلة وإن ظلوا أحياءً بمراسم عدالة انتقالية تجعلهم نهباً للعار الحي ووخز الضمير. وستظل النقّارات مثل "نحاس هالك ينعي ضاربه بقوة"، لكنه في الحقيقة سينعي القتلة، فيما هم أحياء يستمعون إلى ضرباته العظيمة!

المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • حيدر بورتسودان ... اهتزاز المصير الواعد!
  • شرق السودان.. التحدي القائم!
  • السودان والسعودية.. التفكير خارج الصندوق

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي