تحديات الحكومة الجديدة في شرق السودان
2021-02-14 | منذ 2 شهر
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

بإعلان الحكومة السودانية الجديدة، المكونة من أحزاب عدة إلى جانب حركات "اتفاق جوبا"، يوم الاثنين الماضي، يختبر السودان تحديات كبرى، لا تتصل فقط بالتجربة الجديدة للأحزاب في الحكم، وإنما ستنعكس ردود فعلها على الحراك الذي بدا واضحاً في الأيام الماضية لبعض رموز النظام القديم، الذي بدأ بالتعديات على أكثر من مقر لـ"لجنة إزالة التمكين" في أكثر من ولاية، ثم تطور في الاضطرابات الأمنية على خلفية التظاهرات الفوضوية لعناصر نظام الرئيس السابق عمر البشير، التي عكست أسلوباً همجياً في التعدي على ممتلكات المواطنين ومتاجرهم، فيما كان الهدف الواضح هو استباق الأحداث وإرباك الشارع العام بفوضى، قد تساعد أهل النظام السابق على مفاقمة تداعياتها باتجاه زعزعة أمنية كبرى ربما لاقت قبولاً ضمنياً في بعض أوساط المكون العسكري، إذ شهد كثيرون تراخي قوى الشرطة السودانية في حماية ممتلكات المواطنين في أكثر من مدينة.

ومنذ أن سقطت حكومة البشير في 11 أبريل (نيسان) 2019 إثر الثورة الشعبية، كان رهان قادة "المؤتمر الوطني" على جملة خطوط لإفساد المسار الثوري. أولها تمثل في زعزعة الاستقرار في المناطق الرخوة، عبر التخطيط لإطلاق موجات اقتتال أهلي في شرق السودان وغربه، ثم كان هناك شبه إجماع بين قادة "حزب المؤتمر الوطني" المحظور، على الرهان على فشل حكومة الثورة بسبب أوضاع المعيشة الطاحنة التي يعيشها السودان اليوم، نتيجة السياسات الكارثية لـ"المؤتمر الوطني" الذي حكم على مدى 30 سنة، إذ ظن قادة الثورة المضادة أن فشل حكومة الثورة سيشكّل في المدى المتوسط باباً لعودتهم في أجسام جديدة بالتحالف مع العسكر.

ونظراً إلى تجربته المريرة مع المجتمع الدولي، عجز نظام البشير عن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعن رفع العقوبات الاقتصادية (التي دمرت مفاعيلها كل المشاريع القومية للبلاد وأجهزت تماماً على الجهاز الإداري للدولة، ما جعل قادة النظام يديرون عمليات البيع والشراء في موارد الوزارات خارج دوائر الجهاز المصرفي عبر المضاربات والسمسرة)، على الرغم من أن نظام البشير فَصَل الجنوب وتبرّع للولايات المتحدة بتنازلات كبيرة في ملفات أمنية حساسة ضد حلفائه الإسلاميين العرب وغير العرب، وكل ذلك من أجل النجاح في إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات الاقتصادية عنه بالكامل، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، لذا فقد اعتقد قادة الثورة المضادة من عناصر "حزب المؤتمر الوطني" المنحل أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ربما يتأخر لسنوات مقبلة، الأمر الذي قد يمكّنهم من العودة إلى الحكم، على إيقاع فشل حكومة الثورة، إلى جانب إمساكهم بالكثير من أسرار الدولة والأموال والخبرة التنظيمية. لكن ما خيّب ظنهم المتغيرات التي فاجأتهم، أولاً برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بسرعة لم يتوقعوها، وثانياً بوصول حكومة ديمقراطية برئاسة جو بايدن إلى البيت الأبيض، إلى جانب وصول بعثة الأمم المتحدة للمساهمة في عمليات بناء السلام والتنمية والديمقراطية، إضافة إلى إنجاز جزء مهم من ملف السلام في اتفاقية جوبا.

وأدرك قادة الثورة المضادة في "حزب المؤتمر الوطني"  أن المشكلة الاقتصادية والضائقة المعيشية الطاحنة المترتبة عنها ستكون سبباً لانتفاضة جديدة ضد حكومة الثورة. ولأنهم أدركوا أن وصول الدعم الاقتصادي والمساعدات والمنح من المجتمع الدولي والدول الصديقة والشقيقة إلى السودان، إنما هي فقط مسألة وقت، بخاصة بعد رفع اسمه من قائمة الدولة الراعية للإرهاب، فقد كان رهانهم على التسريع بالفوضى وتسيير تظاهرات السلب والنهب التي بدأت في توقيت واحد في أكثر من ولاية، في موازاة انتشار تسجيلات صوتية لقادة الحركة الإسلامية (كتسجيل علي كرتي) وبثّ مباشر عبر موقع "فيسبوك" مثل الذي ظهر فيه أمين حسن عمر، أحد قادة "المؤتمر الوطني". وفي تقديرنا، فإن حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الجديدة ستكون أكثر فاعليةً من الحكومة السابقة، لأن قدرة حكومة الأحزاب على معرفة وإدراك سياسات الثورة المضادة، تُعتبَر معرفة أكثر فاعليةً وتأثيراً، لذلك كان لصدور قائمة القبض الموجهة ضد قادة معيّنين في "حزب المؤتمر الوطني" وإلقاء القبض على بعضهم، حلاً مناسباً لتهدئة الأوضاع ولمعرفة ما إذا كانت تلك التظاهرات حقيقية بالفعل أو بتدبير من قادة الحزب في إطار الثورة المضادة.

وستكون الأيام المقبلة حاسمة في رصد منسوب التظاهر وفق علامات ثلاث هي: استمرارية التظاهرات وسلميتها وخروجها على حالات الطوارئ في بعض الولايات، فإذا تواصلت التظاهرات وفق الشروط الثلاثة التي ذكرناها آنفاً واستمرت، فستكون بالفعل تظاهرات حقيقية.

كما أن راسمي سياسات "المؤتمر الوطني" وخططهم التي لعبت دوراً في تدمير البنية السياسية السودانية، يدركون أن ما قاموا به من تسييس لنظام القبائل طيلة 30 سنة، سيفعل فعله السلبي والمدمر في إعاقة مسار الثورة، لذلك نرجح أن شرق السودان (الذي نشأ فيه بعد الثورة جسمان سياسيان في ظاهرهما، لكن نمط تفكيرهما قبائلي، مثل المجلس الأعلى لنظارات البجا، والآلية التنسيقية لعمد قبائل بني عامر) ربما يكون هو بؤرة حراك الثورة المضادة، نظراً إلى الأحداث التي جرت فيه طوال السنتين الماضيتين، من موجات اقتتال أهلي شملت مدنه الخمس (حيث لا تزال اللجنة الأمنية التي جرت تلك الأحداث في ظل إدارتها لشرق السودان باقية كما هي من دون تغيير يُذكَر في بورتسودان مثلاً)، خصوصاً بعدما اتّضح أن الحكومة الجديدة خلت من أي ممثل لشرق السودان. كما خلا مجلس شركاء المرحلة الانتقالية من أي ممثل لتلك المنطقة.

ويدرك قادة الحزب المنحل تماماً أن ولاءات قبائل البجا في شرق السودان لا تزال تغلب عليها النزعة القبائلية والعصبية، إذ ليس بإمكان أي قبيلة بجاوية التفريق بين حساسية حيثية وجود أحد أفرادها مسؤولاً في نظام البشير، وبين الدفاع المطلق عنه بالحق والباطل من حيث كونه، فقط، أحد أبناء القبيلة (كما رأينا في دفاع بعض القبائل البجاوية عن إبراهيم محمود، وزير الداخلية الأسبق في نظام البشير، وكذلك دفاع قبائل بجاوية أخرى عن محمد طاهر أيلا، أحد ولاة نظام البشير في البحر الأحمر، وآخر رئيس وزراء في نظامه).

للأسف، لا يزال غياب الحساسية الأخلاقية والوطنية في إدانة قادة "حزب المؤتمر الوطني" سواءً كانوا ولاة أو وزراء، العامل الأكبر في تحديد ردود فعل القبائل البجاوية بشرق السودان. وهذا ما رأيناه في موقف ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك، في دفاعه عن محمد طاهر أيلا. ورفض الناظر تولّي قائد تنظيم مؤتمر البجا المعارض أسامة سعيد، منصب وزير التربية في الحكومة الجديدة، فقط لأنه لا يعرف اللغة البجاوية ولأنه ليس بجاوياً، (مع أنه من أبناء شرق السودان، بجاوياً كان أو غير بجاوي)، لكنه أحد قادة "مسار الشرق" الموقعين على "اتفاقية جوبا للسلام"، وهو المسار الذي تقع ضمن حصته وزارة التربية في الحكومة الجديدة (تم الاتفاق على أسامة سعيد بغالبية من الجبهة الثورية كي يتولّى منصب وزير التربية في الحكومة الجديدة).

وستكون لهذه الأوضاع في شرق السودان بالتأكيد تداعياتها السلبية على مخطط أجندة الثورة المضادة، وما لم تنتبه الحكومة الجديدة وتحترز لحساسية الأوضاع هناك، فإنه سيكون مصدر قلق كبير وبؤرة استقطاب شديدة لحراك الثورة المضادة من طرف قادة "المؤتمر الوطني" الذين ينشطون عبر واجهات القبائل في المنطقة.

لقد رأينا كيف أنه كلما توترت الأوضاع أثناء موجات الاقتتال الأهلي في شرق السودان، لا سيما مدينة بورتسودان، لم نكن نشهد ردود فعل قوية من طرف القوى الثورية والمدنية في رفضها للاقتتال الأهلي، على غرار اعتصامات غرب السودان والمطالبة بحلّ اللجنة الأمنية في المدينة.

نتمنى ألا يكون شرق السودان "كعب آخيل" الثورة باستعداداته الهشة وقابليات تفجير السلم الأهلي فيه من قبل بعض التنظيمات الفوضوية هناك، لكن هذا التمني قد لا يجدي في غياب أي خطة أمنية قوية لحكومة الثورة، لا سيما مع تعيين الولاة الجدد الاثنين 15 فبراير (شباط). لأن الحاجة إلى ولاة حازمين لولايات شرق السودان من أهم الأولويات التي ينبغي أن تدركها الحكومة الجديدة.

رهان التحدي الذي تطرحه الثورة المضادة في نشاط قادة "المؤتمر الوطني" يرتبط بتوقيت محدد، إذا لم يتم تحقيق سيناريو الفوضى خلاله، فإنه لن يتحقق في أي مرة أخرى. لهذا، فإن تدبير سياسات المواجهة بحكمة من قبل الحكومة الجديدة سيكون فاصلاً في إفشال مخطط الثورة المضادة، إلى جانب التسريع في تحسين أوضاع المعيشة للشعب كما وعدت عبر برنامج إسعافي عاجل، يقطع الطريق على مَن يراهنون على الفوضى.

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • حيدر بورتسودان ... اهتزاز المصير الواعد!
  • شرق السودان.. التحدي القائم!
  • السودان والسعودية.. التفكير خارج الصندوق

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي