انتفاضة شعبية عالمية تنتزع السلطة من أيدي النخبة السياسية
2019-11-20 | منذ 3 أسبوع    قراءة: 58
بورزو درغاهي
بورزو درغاهي

خلال تغطيتي احتفالات الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين في وقت سابق من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، واجهتني عقبة.  فمع أنني قدّمت طلبي إلى مكتب المستشارة الألمانية باكراً، أخبرتني مجموعة من الموظفين الشباب الذين جرى التعاقد معهم مؤقتاً مقابل أجور زهيدة كي يُصدروا البطاقات الصحافية عن فرض إجراءات "أمنية" مفاجئة، وقالوا لي إنني مضطر بالتالي لانتظار الحصول على تصريح يسمح لي، بصفتي صحافي، بحضور فعالية تحتفي بالحرية والنظام الليبرالي.

لم أكن وحدي. تعرضت طلبات العشرات من الصحافيين الآخرين للتأخير "الأمني"، وانتظر بعضهم أربع ساعات طويلة تحت المطر البارد للحصول على تصريح صحافي مع أنّهم تلقوا وعوداً باستلامه بلا مشاكل.

وكان الصحافيون الذين أُجبروا على انتظار التصريح " الأمني"  في غالبيتهم الساحقة، من العرب وأبناء الشرق الأوسط أو أصحاب البشرة السمراء، تماماً كأولئك الذين كثيراً ما يجرهم الموظفون المختصون في المطارات للخضوع إلى فحص ثان.

بعد ساعة من الانتظار في الجو البارد، طالبت باسترجاع أوراقي الثبوتية وأشرت إلى سخرية التضييق على الصحافة في هذا النهار بالتحديد ثم غطّيت الإحتفالات من دون أن أحضر الفعالية الرئيسية. وأرسلت الخبر إلى الصحيفة أثناء تناولي عشاء فيتنامياً لذيذاً  بعدما  لمست الإحباط الذي ألمّ بسكان برلين التواقين للاحتفال بتوحيد مدينتهم لولا أن الحواجز المنصوبة على الطرقات وفرق الشرطة المسلّحة منعتهم من تحقيق تلك الرغبة.

وما صعقني هو أنّ تجربتي ذاك المساء عكست بعض الأوضاع والحقائق القاسية التي وقعت لاحقاً وكادت تقضي على الفرح الذي أثارته تلك اللحظة التاريخية قبل 30 عاماً.  فخلال العقود الأخيرة، أدّى ظهور الأجهزة الأمنية في الحقبة التالية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، من جهة، وغرور النخب النافذة التي تحمي نفسها وراء حواجز المناطق الخضراء، من جهة أخرى، إلى الحدّ بشكل كبير من موجة الأمل التي ظهرت في ظلّ بوابة براندنبرغ قبل 30 عاماً، إذا لم نقل إن هذين العاملين قد نسفا ذلك الأمل.

بالصدفة، كنت موجوداً في برلين كطالب جامعي يوم 9 نوفمبر 1989 وفي مدينة نيويورك بصفتي صحافياً يعمل لإحدى المجلات يوم 11 سبتمبر 2001 حين هدّمت الطائرتان مركز التجارة العالمي.  وفي الحالتين، عمّت الفوضى العارمة في المدينة مع انهيار شبكات المواصلات والإتصالات. وبالنسبة لي، اختلطت الفوضى بالخوف في المدينتين، فيما عملت جاهداً للالتحاق بصفّي، أو الوصول إلى مكان عملي وطمأنة الأصدقاء وأفراد العائلة القلقين على سلامتي.

وكانت هناك مؤشرات تدل على الحالتين قبل وقوعهما. ففي الحالة الأولى، عمّت المظاهرات مدن أوروبا الشرقية طوال أشهر. وفي الثانية، وقع الهجوم على مدمّرة يو إس إس كول كما استُهدفت بعض سفارات الولايات المتحدة في أفريقيا.  لكنّ اليومين هذين كانا صادمين. فالعالم الذي اعتقدنا أننا نعرفه انهار في غضون ساعات قليلة. وسرعان ما صارت النظريات التي توصّل إليها السياسيون والباحثون والصحافيون  عديمة الفائدة، فيما استحال كلّ ما شيّدوه خلال عقود من الزمن أثراً بعد عين.

 

وبالنسبة لي، عزّز التاسع من نوفمبر والحادي عشر من سبتمبر اعتقادي بأنّ التاريخ لا يجري وفقاً لخطوط لطيفة نظيفة بل وفق تراكم خفي لطاقة تنفجر فجأة، مثل الزلزال، راسمةً حدود نزاعات وتحالفات جديدة.

تسعى النخب الحاكمة والنافذة في العالم إلى صنع هالة من الحصانة أو من الحتميّة لنفسها حتى وكأنها هي ذروة التاريخ البشري، وذلك بالاستعانة بالأسلاك الشائكة والحواجز والإسمنت، أو بالنُصّب المشيّدة إجمالاً من الزجاج.

لكن يمكن أن تُهزم هذه النخب، أو أن تواجه الرفض، مهما كانت راسخة. شهد العقد الماضي انتفاضات شعبية حاشدة ضد الأنظمة في إيران والعالم العربي. وشهد العام الماضي، ثورات على النخب الحاكمة في بلدان متنوّعة مثل تشيلي وفرنسا والسودان ولبنان والعراق وجمهورية التشيك والجزائر بالإضافة إلى مدينة هونغ كونغ. واندلعت الإحتجاجات خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي في إيران بسبب ارتفاع أسعار الوقود.

ومع أنّ دوافع مختلفة حرّكت المظاهرات، فموضوعاتها كانت هموماً مشتركة عابرة للحدود مثل: الاستقطاب الإقتصادي والقمع السياسي والفساد وسوء الإدارة.

انتهت الحرب الباردة قبل ثلاثين عاماً. لكن بدل أن يبنوا على روح الفرح التي ولّدتها تلك اللحظة، أساء سادة النظام الجديد التصرّف بشدة. فقد أسّسوا عالماً ظالماّ اقتصادياً وأخضعوه لأساليب الدول البوليسية. ويفيض اليوم الغضب الشعبي حول العالم إزاء الفشل الواضح والأكيد لقادة عالميين من النوع الذي يجتمع سنوياً في منتجعات التزلّج.

لكن نظام النخبة السياسية وقطاع الشركات ما يزال يقبض على السلطة من برلين إلى لندن فواشنطن. ولم يدفعوا بعد ثمن أخطاءهم وانعدام كفاءتهم وفسادهم.

أدلى رئيس ألمانيا الشرقية بقسمٍ شهير قبل 10 أشهر فقط على سقوط جدار برلين، قال فيه إن هذا الحائط سيظلّ منتصباً طوال 100 عام. لكننا ندرك الآن أنّه ليس هناك شيء حتمي وليس هناك أحد لا يقهر.

 

*كاتب ايراني



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي