القيادة الفلسطينية وقصة المؤتمر الدولي
2020-10-31 | منذ 1 شهر
ماجد كيالي
ماجد كيالي

أتت مطالبة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعقد مؤتمر دولي حول فلسطين متأخرة جدا، على الرغم من أهميتها، ورغم المساندة العربية والدولية لها، وهي مساندة لها طابع معنوي وسياسي فقط. ثمة هنا العديد من الملاحظات، أهمها:

أولا، كان يفترض بالقيادة الفلسطينية ألا تنغمس في عملية تفاوضية مع إسرائيل من البداية، أي في ظروف موازين قوى، ومعطيات عربية ودولية، ليست في مصلحتها البتة، كما جرى في اتفاق أوسلو الناقص والمجحف والمهين قبل 27 عاما، لأنه كان اتفاق إملاء.

ثانيا، في سياسات التفاوض، بين طرفين متصارعين، وبحسب التجربة العملية والتاريخية، إما أن تحصل بين طرفين ندّين، يدرك كلاهما أن الخسائر ستكون أكثر من المنافع عليهما في حال استمرارهما بالتصارع، وإمّا بين طرفين يدرك الطرف الأقوى من بينهما أنه ثمة ثمن سيدفعه مستقبلا إن لم يتوصل إلى حل عادل أو مناسب، وأيضا في حال توصل مجتمع الطرف الأقوى إلى قناعة بعدم جدوى استمرار الصراع لسبب أو لآخر داخلي، وهي كلها حالات لا تنطبق على إسرائيل، هذا حصل بانسحاب الدول الاستعمارية من العديد من الدول العربية، وحصل بتحول نظام الأبارثيد في جنوب أفريقيا، بسبب تغيّر الوضع الدولي وتغيّر أحوال مجتمعاتها.

ثالثا، إن القيادة الفلسطينية لديها مخزون من القرارات الدولية (مجلس الأمن والجمعية العامة) التي يفترض الاستناد إليها، لكونها تغطي مختلف جوانب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ذلك أن الغرض من المفاوضات، على النحو الذي جرت فيه، كان تخفيض سقف الحقوق الفلسطينية، المنصوص عليها دوليا، أو ترك الفلسطينيين من غير ظهير دولي، أو مرجعية قانونية دولية. وفي المحصلة فقد وقّع الفلسطينيون اتفاق أوسلو (1993) من دون أن يرتبط ذلك بالشرعية أو بمرجعية القرارات الدولية، التي كان يفترض أنها تعوّضهم، كالطرف الأضعف، عن ضعفهم إزاء تجبّر إسرائيل وغطرستها، وإزاء الاحتضان الأميركي لها.

رابعا، إن القيادة الفلسطينية ظلت على ذلك الاتفاق أكثر من ربع قرن، بما يعني أنها تأخرت كثيرا قبل نفض يدها من الرهان على “كرم الأخلاق” الإسرائيلي، رغم أن ذلك الأمر انكشف في فترة مبكرة، بعد تملص إسرائيل من استحقاقات المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق أوسلو (1999) كما انكشف ثانية في مفاوضات كامب ديفيد2 (2000).

خامسا، إن قيادة المنظمة ذاتها خرجت من إطار مؤتمر “مدريد” للسلام، ليس إلى أفضل منه بل إلى وضع أكثر صعوبة، وأكثر إجحافا بحقوق الفلسطينيين، وهو ما حصل في مفاوضات سرية، أفضت إلى اتفاق أوسلو المذكور.

إضافة إلى الملاحظات السابقة ثمة مسألتان على غاية من الأهمية، أيضا، في مناقشة خطوة القيادة الفلسطينية، أولاهما، تتعلق بتلك المراهنة على دور أميركي محايد في الصراع مع إسرائيل، واعتبار الولايات المتحدة طرفا نزيها، ومضمونا، وهو لم يثبت ولو مرة، منذ توقيع اتفاق أوسلو في البيت الأبيض، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي أمضى ولايتين في عهده، من دون أن يبذل ولو حدا أدنى من الضغط لدفع إسرائيل إلى الوفاء بالاستحقاقات المطلوبة منها، بل إنه على العكس من ذلك أيّد موقفها بالانتقال إلى مفاوضات الحل النهائي، قبل تنفيذها استحقاقات المرحلة الانتقالية، ناهيك عن إلقائه اللائمة على الفلسطينيين، لعدم تجاوب قيادتهم مع الإملاءات الإسرائيلية.

وهو ما حصل في عهد الرئيس بوش الابن، الذي أمضى هو الآخر ولايتين، وطرح خطة خارطة الطريق، التي نفذها الفلسطينيون بحذافيرها، لكن إسرائيل ضربت بها عرض الحائط، وفي عهد بوش الابن، أيضا، تم ضرب عرض الحائط بالمبادرة العربية للسلام (التي طرحت في قمة بيروت 2002).

أيضا فإن النتاج في عهد الرئيس السابق باراك أوباما لم يكن أفضل، فلسطينيا، وصولا إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي أنهى سياسة التلاعب والمخاتلة وكشف عن حقيقة المواقف الأميركية المنحازة أصلا لإسرائيل.

المسألة الثانية، إن هذا الطرح، أي عقد مؤتمر دولي، ليس عمليا، لأن المؤتمر الدولي الوحيد الذي عقد بخصوص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي كان مؤتمر مدريد (1991)، وقد عقد لأن الولايات المتحدة دعت إليه، ووقفت وراءه. والشاهد أن اعتراف 132 دولة بفلسطين، كدولة، أو كدولة بمرتبة عضو مراقب، لم يقدّم شيئا عمليا، بحكم الرفض الأميركي، الداعم للموقف الإسرائيلي، وهكذا.

عموما، وعلى الرغم من الملاحظات السابقة، ورغم التأخر كثيرا عن تلك الخطوة، فإن القيادة الفلسطينية معنية بالمضي بهذا المسعى، ومعنية بالتحشيد له، بيد أن ذلك يفترض أن يجري، أولا، من دون أوهام؛ أي باعتبار الأمر يتعلق بتحقيق مكتسبات سياسية ومعنوية، وبمساع لعزل إسرائيل، وكشفها على حقيقتها، كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية في المنطقة، ومن أجل تعزيز الصدقية الأخلاقية للقضية الفلسطينية كقضية عادلة، وكسب المزيد من التعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني.

وثانيا، عبر حسم مسألة إعادة بناء البيت الفلسطيني الجامع، أي منظمة التحرير، على أسس كفاحية وتمثيلية ومؤسسية وديمقراطية، وبناء على رؤية تعيد المطابقة بين الشعب والأرض والقضية والحركة الوطنية، لأنه من دون ذلك ستتم إعادة إنتاج القديم، الذي بات مستهلكا، ومفوّتا، ولنا في فشل الدعوة إلى مظاهرات شعبية في 15 سبتمبر الماضي دليلا على أن محاولات تعويم الوضع القائم، أو الذهاب نحو الشراكة في النظام الفلسطيني بين فتح وحماس، أو تشكيل هيئات بصورة فوقية، كما حصل مع ما يسمى “القيادة الموحدة للمقاومة الشعبية”، لا تفيد شيئا.

نعم المطلوب اليوم من القيادات الفلسطينية، أكثر من أيّ وقت مضى الحسم في مراجعة نقدية للتجربة الماضية، وإعادة بناء البيت الفلسطيني، واستعادة الحركة الوطنية لطابعها كحركة تحرّر وطني، لشعب واحد، وقضية واحدة، وسردية وطنية واحدة، وإن مع خصوصيات متعدّدة.

 

  • كاتب سياسي فلسطيني

-المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • في تشخيص العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية الفريدة
  • ما الذي تبقى من اتفاق أوسلو بعد 27 عاما؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي