الأزمة أكبر من مصر والكويت
2020-08-04 | منذ 2 شهر
محمد أبو الفضل
محمد أبو الفضل

تعيش العلاقات بين مصر والكويت أزمة شعبية ساخنة هذه الأيام، بعد تزايد حالات التراشق بين مواطني البلدين. لم تفلح المحاولات الرسمية في تبريدها واحتوائها كما جرت العادة، وبدأت تخرج عن الضبط عندما قررت الكويت وقف رحلاتها إلى القاهرة، ضمن 31 دولة حظرت الطيران إليها بسبب كورونا، وهو ما نفخ فيه البعض واعتبروه ضربة سياسية موجهة للعلاقات بين البلدين.

تشير أصابع الاتهام المصرية دوما إلى وجود جهات إخوانية تقف خلف زيادة الاحتقان المتكرر، وأن الحكومة الكويتية لم تتخذ الإجراءات الكافية لوقف التجاوزات، الأمر الذي قابله مصريون بالمثل، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات وكلمات تثبت إهانة كل طرف للآخر، وكادت المسألة تخرج عن السيطرة الحكومية.

مصر والكويت ليستا حالة فريدة من نوعها في العلاقات العربية المتصادمة أو المختلف حول كثير من تفاصيلها، بل هناك حالات عابرة للمحيط العربي تزايدت في الآونة الأخيرة، وبدأت تتبلور ملامحها بما يفوق ما هو معتاد من الانتماءات التقليدية، فإذا كانت الخلافات متجذرة ولم تختف لحظة فمن الضروري البحث عن أسباب انفجارها سريعا من وقت لآخر، وتتمحور حول المصريين بشكل خاص.

هم مثل غالبية الشعوب العربية لهم ما لهم من مزايا وعليهم ما عليهم من عيوب، ووجدوا على هذا الكوكب منذ آلاف السنين، ولم يتم جلبهم من كواكب أخرى، اتساقا مع مزاعم إيلون ماسك، رجل الأعمال الأميركي بشأن الأهرامات المصرية العملاقة، والتي قال إن “بناتها كائنات فضائية”.

تصاعد النيل من المصريين لا ينفصل عن الموقف من قيادتهم السياسية والتطورات الإقليمية التي يواجهها بلدهم، حيث يريد بعض الفاعلين تجريد القاهرة من الغطاء العربي، وتعميق الخلافات بين الجانبين لتبدو منعزلة، وتصوير قوتها العسكرية المفرطة على أنها مصدر تهديد للدول العربية وليست إضافة لها.

تصب محاولات تقزيم دور مصر أو تشويهه بإهانة بعض أبنائها في مصلحة خصومها بالطبع، حيث تعمدت جماعة الإخوان تضخيم القضية، وتحميل القيادة السياسية المسؤولية، ووضعها في خانة السبب في المهانة، وشحن المواطنين لحضها على اتخاذ موقف صارم كنوع من الدفاع عنهم، أو التساهل والتفريط في حقوقهم، وفي الحالتين تصبح هذه القيادة طرفا في أزمة ربما تتحول إلى كرة ثلج يوما بعد يوم.

تبدو الضربات المتتالية واضحة في الكويت تحركها دوافع خفية، وتستفيد من ميراث غير ودي، تم تكريسه عبر انطباعات سلبية جرى ترديدها كثيرا.

على الرغم من الطفرة الإيجابية التي حدثت منذ ثلاثة عقود بين الشعبين منذ الاحتلال العراقي للكويت، عندما استقبلت القاهرة الآلاف من المواطنين بعد الغزو ووقف الجيش المصري بجانب الكويت، غير أن الفجوة عادت لتطل من جديد في العامين الأخيرين.

يعزز ارتفاع نموذج الخلافات التي تتعلق بمواقف قاتمة بين مواطنين من هنا وهناك وجهة نظر تشي بوجود جهات مغرضة لا تريد للعلاقات السياسية بين الدولتين أن تستقيم، ويقطع الطريق على كل محاولة كويتية لتبريد الأزمات العربية، كما حدث من قبل بشأن الوساطة بين قطر ودول الرباعي العربي، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، والتي تعود لتطل برأسها من وقت لآخر.

يؤثر تطبيع العلاقات بين الدول العربية المتخاصمة على رصيد تركيا، والذي ازدهر في المنطقة مع هذه الأزمة، حيث استغلتها أنقرة لتثبيت نفوذها في الدوحة، وتحريضها على عدم الاستجابة لشروط الرباعية، بالتالي من مصلحة الإخوان تعميق الجروح العربية، فالالتئام سوف يقود إلى فقدان المكاسب التي تحصلت عليها الجماعة من وراء كل تنافر يحدث بين الدول العربية.

ظهرت تجليات هذه القضية مع تزايد تدخل تركيا في الدول العربية، واتساع توغلها في ليبيا، وشن العناصر المصرية في جماعة الإخوان حملات منظمة ضد بلدهم لصالح أنقرة، للدرجة التي اعترف البعض بأن تركيا أقرب إليهم من مصر، ما شجع مواطنين ليبيين على تبني مواقف مشابهة، بغرض تقويض أي تأثير مصري على الساحة العربية في المستقبل.

تطبيق هذه الحالة على أزمة سد النهضة يؤكد أن مصر مستهدفة من فتن الشعوب العربية، حيث راجت دعوات الإخوان في السودان لتحميل القاهرة مسؤولية الإخفاق في التوصل إلى حل للأزمة، وتعاظم الحديث عن فوائد سودانية للسد الإثيوبي، ورفضت الكثير من وسائل الإعلام في الخرطوم تصديق أن هناك مخاطر حقيقية على السودان، وبدت الأصوات التي تتعالى في هذا الاتجاه تُتهم بالعمالة لصالح مصر.

أخذت الفتنة جانبا شعبيا قويا يفوق الجانب الفني الرسمي بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)، وتم التركيز على الموقف من المواطنين قبل قيادتهم السياسية، ما يعني أن الغرض تعميق الهوة، ومنحها مكونات شعبية يصعب السيطرة عليها، الأمر الذي حدث بالفعل، حيث جنّدت كل دولة ما يشبه الميليشيات الإلكترونية للدفاع عن مواقفها في المفاوضات، وحظيت بمتابعات قد تفوق ما تردد على ألسنة شخصيات رسمية، ما يرجح كفة التعمد في الزج بالمكون الشعبي.

يؤدي الدخول إلى هذا النفق لزيادة تعقيدات الأزمات الأصلية، لأن خطاب الجماهير يختلف عن الساسة، فالأول يخضع لحسابات عاطفية، بينما الثاني يرتهن غالبا بتقديرات عقلانية بحتة، تحدد فيها المكاسب والخسائر بصورة دقيقة، ولا تدخل فيها المشاعر أو تؤثر بقوة على المخرجات والمحتوى النهائي.

تغير الولاءات وتذبذبها وتطور الفتن بين الشعوب العربية واتخاذها لأشكال متنوعة، زادت مع تنامي تيار الإسلام السياسي في المنطقة بفرعيه الشيعي والسني.

يمكن ملاحظة هذه الظاهرة مع التقدم الذي أحرزته إيران في بعض الدول العربية، مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن، وتبدو الميول السياسية للتنظيمات العقائدية في هذه الدول الأربع تميل بوضوح ناحية إيران أكثر من الوطن الأم.

تلعب جماعة الإخوان على هذا الوتر من جوانب متعددة لصالح تركيا، في حالة مصر، وتعزف عليه مع إثيوبيا لوضع ضغوط مضاعفة على كاهل القاهرة ومحاولة تكبيدها خسائر سياسية تصب أيضا في مصلحة أنقرة التي تعمل على تقديم نفسها كراعية للإسلام السني في العالم.

ولن تتمكن أنقرة من تحقيق قفزات في ذلك ما لم تستطع قصقصة أجنحة الدول المنافسة لها، وفي مقدمتها مصر، ولن تحقق تقدما ما لم تتمكن من زيادة أطر الفتنة الشعبية مع دول عربية أخرى. لذلك يجب النظر إلى المعطيات الشعبية الحالية على أنها أكبر من أزمة عادية بين مصر والكويت.


*كاتب مصري



مقالات أخرى للكاتب

  • مصر لا تغضب من حماس.. مهما تباعدت المسافات
  • مخاطر الانحياز في الصراعات الإقليمية
  • أغنياء كورونا أخطر من أغنياء الحرب

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي