أمتع السرد.. أكذبه!

2021-03-27 | منذ 2 أسبوع

ساحرة وجذّابة ومغرية للكتاب في الفنون الإبداعية الأخرى

محمد جبير 

الكتابة السردية متعة لا تضاهيها متعة أخرى، وهي ساحرة وجذّابة ومغرية للكتاب في الفنون الإبداعية الأخرى، وعدّت من الفنون الديموقراطية التي تتقبّل التعايش والمواءمة مع الفنون الأخرى التي تدخل في إطار التفاعل السردي، وإذا قيل سابقًا أعذب الشعر أكذبه، فإنَّنا نقول اليوم أمتع السرد أكذبه.

فالسارد الجيّد هو الكاذب الجيّد الذي يستطيع إغراءنا في التواصل مع أكاذيبه مثلما كانت جدّاتنا في زمن السرديات الشفاهية يسحرننا بمروياتهن، ونذهب إلى النوم ونحن نعيش مع صور تلك المرويات التي جسّدت لنا الأفعال والحركات والصور والحوارات، وتتركنا نعيش وهْم خيالنا الجامح في أفق تلك الحكايات المفتوح إلى ما لا نهاية، بمعنى آخر: إنّ تلك المرويات تتفاعل في إطار لا واقعي، وتنقلنا من عوالمنا الى عوالم أخرى، عوالم من صنع الخيال البشري الخاصّ وصولًا إلى حكمة معيّنة يراد إيصالها إلى الأجيال المقبلة.

ويعدّ تاريخ الرواية تأريخًا حديثًا لا يمتدّ لأكثر من مئتَي عامٍ على أقلّ تقدير، إلّا أنّه حفل بالكثير من الأعمال الخالدة التي مازالت تنعش ذاكرتنا وتعيش معنا لأسباب مختلفة، فإنّنا على سبيل المثال لا الحصر لا يمكننا نسيان «مدام بوفاري– لفلوبير» و«الأحمر والأسود لستندال»، وكذلك «الحرب والسلام وآنّا كارنينا لتولستوي» وأعمال «دوستويفسكي» التي يمكن عدّها مدرسة في السرد ومعمارية البناء السردي.

الكذب هو ممارسة الخيال في صناعة عوالم تنقذنا من الوحشيات اليومية إلى صناعة عوالم جمالية وإنسانية، وهذه الصناعة تتطلّب مهارات وتحتاج إلى تدريب ومران، في هذا الصدد تقول الروائية «ايزابيل الليندي» ما نصّه «في سنّ الطفولة كنت أعاقَب على قول الأكاذيب، الآن أصبحت أكسب قوتي من هذه الأكاذيب، صرت أُحترَم كساردة».

هذا الأمر يقودنا إلى السؤال الآتي: ما شكل السرد الروائي مستقبلًا؟ وما المشروع والخطاب السردي العربي الآن؟ وما موقعه من الانتاج العالمي؟ تلك أسئلة كبيرة، وتحتاج إلى مناقشات موسّعة للوصول إلى نتائج إيجابية ترسم خريطة جديدة للإبداع العربي بعيدًا عن الانحياز العاطفي الذي مازال سائدًا في معظم المراجعات النقدية في المشرق والمغرب، حيث مازال الكاتب العربي يعيش ضمن دائرة الذات المنغلقة والتي تغلّف بالبوح الثقافي سرديًا أو الذهاب تجاه الوقائعية السردية التي يرى فيها بعض الكُتّاب أنّها تقرّبه من المتلقّي، في حين أنّ المتلقّي غادر تلك الكتابات التي أُشبِعت تناولًا وعرضًا من كُتّاب في مختلف دول العالم، وكلٌّ من زاوية نظره الخاصّة، إذ لم تعد سرديات ما بعد الحداثة معنيّة بتلك التفصيلات أو الجزئيات الواقعية، وإنّما ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى ما هو كوني وإنساني، وهو الأمر الذي يتطلّب من السارد أن يغيّر طريقة تفكيره ويغادر قوقعة الأفكار القديمة التي ما زال يتمسك بها مناصرو اليسارية والقومية والتي أدلجت الواقع والأفكار لمصلحةِ فئات معينة.

فقد جاءت السرديات المتخيّلة كعنصر إزاحة وتحدٍ للسرديات الواقعية بمختلف مسمّياتها لتثبت وجودها وتنعش مخيّلة المتلقّي بسيل من الصور والحكايات التي تدفع به إلى أفق المستقبل بعيدًا عن أفق الواقع.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي