"متزامن" فيلم خيال علمي بمذاق عاطفي

2021-03-25 | منذ 4 شهر

مسعفان في رحلة إنقاذ مستحيلةطاهر علوان*


ترتبط قصة الانتقال عبر الزمن بمساحة وافرة من التحدّي والخيال في آن واحد؛ فمن جهة التحدّي كان ولا يزال الدافع هو التخلّص من قيد الماضي والسعي للعودة إليه، ومن جهة أخرى هناك غاية واحدة هي تغيير المصير أو القضاء والقدر، وهو ما شاهدناه في عدد من أفلام الخيال العلمي، وبذلك اقترن التحدّي بعنصر الخيال.

قصة الرحيل عبر الزمن بوصفها هدفا وغاية بشرية وحتى خيالية ستختلف كليا عندما تكون أمرا واقعا أو سيقع بالمصادفة، وذلك ما عشناه مع أحداث فيلم “متزامن” للمخرجين جاستن بينسون وآرون مورهيد.

هذا الفيلم الذي يحتمل الكثير من عدم التوقع والغرابة والمفاجأة يخرج عن سياق الأفلام المعتادة عن الرحيل عبر الزمن إلى قضية أخرى هامشية وجانبية، تبدأ عندما يكتشف اثنان من المسعفين، وهما ستيف (الممثل أنطوني ماكي) ودينيس (الممثل جامي دورنان) وقوع حوادث عنيفة بالتزامن مع استخدام نوع من الحبوب التي لم يكن أحد يعلم عنها شيئا.

ففي كلّ حادثة كان ستيف بذكائه وفطنته يجد علبة واق ذكري بجانب الضحية، ويجد الضحايا في أجواء غرائبية مثل استخدام أحد أفراد العائلة السيف للإجهاز على الآخر، وفي حادثة أخرى امرأة تتعرّض لعضة أفعى مع أنها كانت في فندق فخم مع صديقها الذي يكون قد رمى نفسه من المصعد، ثم يعثر ستيف على قطعة معدنية تعود إلى زمن مضى.

كل ذلك يدفع ستيف إلى التحرّي عن هذه المصادفة بوجود ذلك الواقي الذكري بجانب الضحايا، ثم يذهب إلى إحدى الصيدليات ويشتري جميع ما لديها من ذلك النوع من الواقي الذي لم يكن في الحقيقة سوى غلاف خارجي لتلك الحبّة الخطيرة.

فكرة غير المتوقّع تبقى هي السائدة في الفيلم، وتبنى عليها مسارات الدراما الفيلمية وكذلك إيجاد مسار سردي آخر من خلال الاكتشاف غير المتوقّع بوجود مطوّر لذلك النوع من الحبوب، وهو الدكتور كرماني (الممثل رامز منصف) الذي يتسلّل إلى منزل ستيف ويختبئ في خزانة ملابسه ليعلن أمامه قصّته بالكامل، وأنه تحايل على قوانين الدواء وطوّر نوعا من الحبوب تضرب الغدة الصنوبرية المسؤولة عن دورة الزمن بالنسبة إلى الإنسان.

وبالتالي لا تتوانى تلك الغدة عن إفراز ما فيها بكثافة ما يجعل الدماغ يشتغل بشكل يمنح الإحساس بمكان وزمان جديدين، على أن توبة الطبيب كرماني لن تجدي نفعا، لاسيما وأن خبرا لاحقا عابرا عبر الراديو يقول إنه مات.

وما بين هذه الدراما المتصاعدة وبين يومياته يمضي ستيف وقته بعد أن يكتشف أنه مصاب بورم في الدماغ لن يمهله طويلا، ولهذا يقرّر خوض التجربة وابتلاع واحدة من تلك الحبوب وتوثيق ما سوف يجري له بتسجيل ذلك عبر الكاميرا.

مسعفان في رحلة إنقاذ مستحيلة

يصبح هاجس ستيف هو التحرّي عن كيفية الانتقال عبر الزمن في ثيمة تتجدّد هنا بطريقة مختلفة، فهو لا يدرك تماما إلى أي زمان أو مكان سوف ينتقل، فتارة إلى منطقة قطبية متجمدة وتارة إلى مناطق أقوام وحشية سوف تطارده، وهكذا في انتقالات متواصلة وكارثية يعود منها بصعوبة بفضل ابتلاعه حبّة أخرى.

بينما تتهمّش حياة صديقه دينيس هي الأخرى بالتزامن مع اختفاء ابنته بسبب ابتلاعها الحبّة ذاتها، وبذلك يدرك ستيف أن الفتاة موجودة في أحد الأماكن التي سوف يذهب إليها بفضل ابتلاع ذلك النوع من الحبوب.

يتميّز الفيلم خلال ذلك بإيقاع متوازن وفيه الكثير من المفاجآت والتحوّلات، وهي ميزة أخرى تتكامل مع سيرة اليوميات التي يعيشها المسعفان وهما ينتقلان روتينيا من ضحية إلى أخرى دون أن يكتشف أي أحد ذلك اللغز.

وشكّلت الانتقالات المكانية تنويعا إضافيا، لاسيما مع توثيق ستيف مراحل انتقاله إلى تلك الأماكن التي يبحث فيها عن ابنة صديقه، حيث ينتقل المسار السردي في الفيلم إلى مهمة إنسانية نبيلة هي إنقاذ ابنة الصديق التي واكب زواج والديها، وهو الذي عرّفهما ببعضهما البعض، وهو أيضا الذي حملها بين يديه وهي رضيعة، لهذا يشعر بأن عودة الفتاة هي بمثابة عودة اللحمة إلى تلك الأسرة التي تكاد تتحطّم من شدة الحزن على فقدان الفتاة والعجز عن العثور عليها.

الاشتغال على الجانب النفسي وعلى الذاكرة النشيطة وصور الماضي كان علامة فارقة أخرى في هذا الفيلم، فجميع هذه المنظومة التعبيرية كانت تنساب بعناية وفي توقيتات مناسبة تماما في المسار الفيلمي، والتي سوف ننتهي منها بحصيلة مفادها تلك الحياة البسيطة والفقيرة لستيف التي يفتقد فيها الزوجة والأسرة والأبناء والتي سوف تنتهي به إلى التضحية بنفسه لإنقاذ ابنة صديقه وانتشالها من الماضي.

تتكامل في هذا الفيلم القضية الإنسانية والانتقال عبر الزمن مع تفاصيل مفردات الحياة اليومية في مزيج فيه الكثير من متعة المشاهدة، مع إيقاع متوازن وأداء هادئ ومتزن للشخصيات وسط مساحة واسعة من التحوّلات التي تخدع المُشاهد للوهلة الأولى، وخلال ذلك لا تملك إلاّ التعاطف مع ستيف وهو يعاني صامتا، ثم وهو يخوض التجربة من أجل إرشاد الآخرين ليختتمها بإنقاذ ابنة صديقه في مقابل بقائه مفقودا في عالم آخر مجهول.

 

*كاتب عراقي مقيم في لندن

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي