ضفائر ملونة وبُزق وأغنيات

2021-03-24

مقاتلات كرديات يبتسمن بينما يحرسن المدن الكبيرة من العمليات الانتحارية

‫ مروان علي*

بعد معبر سيمالكا، الفاصل بين كردستان العراق وروج آفا [المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا]، ثمة حواجز كثيرة لقوات حماية الشعب التي تسيطر على هذه المناطق، منذ نهاية عام 2011م تقريبًا، بعد انسحاب النظام السوري وأجهزته الأمنية منها.

بعد الانتهاء من إجراءات الدخول إلى هذه المناطق التي تسير بسهولة ويسر، وبخاصة الأجانب والإعلاميون، تأخذنا حافلة صغيرة إلى منطقة قريبة جدًّا، لا تبعد سوى كيلومترات قليلة، حيث يمكن استخدام سيارات الأجرة أو حافلات صغيرة تربط المعبر بالمدن في روج آفا، مثل القامشلي وديريك والرميلان وعامودا ورأس العين حتى كوباني والحسكة.

ثمة حواجز كثيرة لقوات الحماية الكردية وقوى الأمن الداخلي [الأسايش: وتعني الشرطة أو الأمن الداخلي باللغة الكردية]، ويلاحظ وجود المقاتلات الكرديات من وحدات حماية المرأة ومن المكون العربي عند هذه الحواجز حسب تعبير المقاتلين الكرد.

يندر أن تجد مقاتلة كردية لا تبتسم ولا تضحك وهي تحاول قدر الإمكان الابتعاد من التجهم الذي يميز الجنود والعسكر عادة في الجبهات والقطاعات العسكرية وعلى حواجز التفتيش.

تلك الابتسامات تخلق حالة من الراحة النفسية لدى المغادرين أو القادمين، خصوصًا الذين سمعوا عن بطولات المقاتلات الكرديات في محاربة داعش ودحره في مناطق كثيرة من سوريا.

ضفائر ملونة وبزق وأغنيات

أهم حواجز المقاتلات الكرديات في أطراف المدن، حيث تشكل هذه الحواجز أهم نقاط الحراسة لحماية المدن الكبيرة مثل القامشلي وعامودا وديريك والرميلان ورأس العين والدرباسية والحسكة من العمليات الانتحارية.

وفي داخل المدن تشكل وحدات حماية المرأة، الاسم الرسمي لهذه القوات، العصب الأساسي في قوات التدخل السريع [هات]، وهي قوات خاصة أنشئت بمساعدة قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش، فهي مدرَّبة تدريبًا خاصًّا وجاهزة على مدار الساعة للتدخل من أجل مكافحة العمليات الإرهابية، مثل احتجاز المدنيين والمداهمات الخطيرة وحرب الشوارع، إلى جانب مساعدة الأجهزة الأمنية خلال قيامها بمهماتها في المناطق الخطرة.

تأخذ التدريبات الجِسمانية والتمارين الرياضية القاسية قسمًا كبيرًا من عملية تأهيل المقاتلات، ولكن في أوقات الاستراحة، وخصوصًا خلال أيام الهدوء، تجد المقاتلات وقتًا للقراءة والكتابة وممارسةِ هوايات مثل الرسم والكتابة والعزف والغناء والرقص التراثي الكردي والعربي والسرياني.

و.أ مقاتلة من أصل عربي، درست حتى المرحلة الثانوية دون أن تحصل على الشهادة الثانوية. والدتها كردية من الحسكة، ووالدها من قرية في أطراف تل براك في منتصف الطريق القديم بين الحسكة والقامشلي. خلال الحديث مع المقاتلة و.أ كانت مقاتلةٌ كردية تغني وتعزف على البزق الكردي، في حين كانت مقاتلة أخرى منهمكة بتنظيف بندقيتها بالزيت. عن سبب التحاقها بالمقاتلات تقول و.أ: – حماية روج آفا من الإرهابيين وتوفير الأمن لكل مكونات المنطقة من أجل أن يديروا أمور حياتهم بأنفسهم.

كانت تتحدث معي خلال استراحتها قرب حاجز للأسايش قرب قرية هيمو، وهي من القرى التي تضم مئات العائلات من عرب الغمر الذين غمرت مياه سد الفرات أراضيهم وقام النظام السوري باستقدامهم إلى محافظة الحسكة في إطار مشروع الحزام العربي السيئ الصيت.

عن هواياتها تقول: الرسم في الصباح وأنا أتأمل وجوه المقاتلين والمقاتلات والبيوت والسماء والحقول والأشجار.. أكتشف جمال هذه البلاد ولا بد لنا أن نحافظ عليها ونحميها من الغرباء والإرهابيين. أرسم البيوت والجبال وبنادق وضفائر المقاتلات، كنت أتمنى أن أمتلك موهبة الكتابة لأكتب قصائد الشعر عن البسالة والشجاعة التي تبديها المقاتلة الكردية في مواجهة تنظيم داعش.

تمسح دمعة طفرت من عينيها حين تذكرت صديقتها التي استشهدت خلال الحملة على التنظيم في أطراف مدينة الرقة، وتتأمل صورتها وهي تضحك وتلوح بيدها في سيارة شحن عسكرية تسير على طريق ترابية قرب الحدود السورية العراقية كما شرحت.

محمود درويش يرافق المقاتلات

خلال مرافقتي بوصفي مترجمًا وصحافيًّا لمراسل قناة تلفزيونية ألمانية إلى مقرٍّ لقوات حماية المرأة في أحد أحياء مدينة القامشلي؛ كان علينا المرور بحاجز واحد وأزقة ضيقة وبيوت سكنية متواضعة.

كانت عملية التفتيش بسيطة خصوصًا أن المراسل كان قد حصل على الموافقات المطلوبة للدخول إلى المقر برفقتي، أنا والمصور.

جهز المصور الكاميرات للقاء متحدثة إعلامية تجيد الإنجليزية بطلاقة، أما أنا، فذهبت، إذ انتهت مهمتي بما أن المراسل فضل أن يحاورها بالإنجليزية مع الترجمة الألمانية التي ستظهر على الشاشة خلال بث الفِلم.

تجولت في المقر برفقة المقاتلة نون وهي من قرية كردية قرب الحدود التركية، التحقتْ بقوات تحرير المرأة منذ تأسيسها، وقادت معارك كثيرة في الجبهات ضد تنظيم داعش وتعرضت لإصابات متوسطة؛ عن حياة المقاتلات تقول: ثمة أوقات للتدريب العسكري والسياسي والثقافي، وثمة أوقات لنا أيضًا كنساء نتحدث فيها عن المرأة وواقعها وكيف تغيِّر هذا الواقع كي تتمتع بكامل حقوقها؛ لدينا سهرات إبداعية نحاول من خلالها اكتشاف المواهب الأدبية والفنية والفكرية والفلسفية؛ عندنا عدد من المقاتلات يكتبن القصائد، ونقيم لهن الأمسيات الأدبية، ولدينا مشروع لطباعة قصائد المقاتلات باللغات الكردية والعربية والسريانية، وهي اللغات الأساسية لمكونات المنطقة.

في الممرات بين مكان إقامة المقاتلات ثمة لوحات فنية جميلة ورسومات بأقلام الرصاص وصور فوتوغرافية لَهُنَّ وَهُنَّ في الجبهات. القاسم المشترك بين كل الصور، تلك الابتسامات الساحرة التي تكشف عن سعادة المقاتلات بتحرير المدن السورية من تنظيم داعش.

ثمة صورة لمقاتلة كردية تحمل طفلًا صغيرًا في مدينة الرقة، وصورة لمقاتلة كردية تحمل امرأة كبيرة على ظهرها، وصورة لامرأة بدوية تدخن وهي جالسة بين المقاتلات.

في كل غرفة من غرف المقاتلات ثمة كتب، ولم أكن أتخيل أن أجد ديوانًا لنزار قباني.

وحين استفسرت قالت المقاتلة جين: كنت طالبة سنة ثانية في جامعة حلب حين اندلعت الأحداث في سوريا، حسب رأيها طبعًا، في أوقات الإجازة والاستراحة حتى خلال المعارك مع أعداء الحياة ثمة كتاب معي في حقيبتي الصغيرة، وهناك دائمًا قلم ودفتر لتدوين يومياتي وكتابة قصائد نثرية وخواطر تجول في مخيلتي، نحن نقاتل من أجل كرامة شعبنا السوري ومن أجل الحياة، والشعر قوة ورغبة في التمسك بالحياة والأمل، خلال معركة تحرير الرقة كنت أحمل معي ديوان محمود درويش أثر الفراشة، وكنت أقرأ القصائد للمقاتلات، كان محمود درويش معنا بروحه، ويقاتل معنا من أجل الأمل والحياة والحرية، وهو الذي أمضى حياته من أجل أحلام الناس وآمالهم في فلسطين.

الجمال والسلاح

في الصور التي تتناقلها الفضائيات ووكالات الأنباء للمقاتلات الكرديات ثمة جَمال ساحر، حتى خلال المعارك الشرسة مع جحافل البرابرة كما تقول مقاتلة كردية: معركتنا من أجل سوريا جميلة نظيفة من الظلاميين وأعداء الحياة والإنسان، في كل المناطق التي حررناها حتى الأطفال كانوا سعداء وكانوا يركضون نحونا، دعك من سعادة النساء والبيوت والأشجار، معركتنا من أجل حياة حرة وكريمة لشعبنا السوري بمختلف مكوناته وطوائفه… وطن للجميع، لا أقليات ولا أكثريات، بل وطن نتساوى فيه جميعًا، لنا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات مع احترام الخصوصيات الدينية والثقافية والقومية لكل المكونات، في هذه المعركة سلاحنا الجمال بالإضافة إلى بنادقنا.

حين انتهت المقاتلة هيفي من كلامها اتجهت إلى صديقة قريبة كانت تكوي ثيابها وطلبت منها أن تساعدها، حين تنتهي، على نقل الكتب إلى غرفة المكتبة الجديدة المجهزة بعدد من كمبيوترات آبل الحديثة جدًّا وعدد كبير من الكتب الثقافية والفكرية والأدبية وجدت بينها: دواوين لمحمود درويش ونزار قباني وشيركو بيكه س، وكتبًا أخرى بالكردية باللهجتين الكرمانجية والسورانية، وبعض الكتب بالسريانية.

–  ثمة حلقات قراءة كل أسبوع، تضيف المقاتلة هيفي، تقرأ مجموعة من المقاتلات كتابًا ونتحاور ونتناقش حوله.. ولا تقتصر الحلقات حول الكتب السياسية، بل هناك كتب أدبية وفكرية، وحوارات ونقاشات حول قضايا مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل… كل ذلك يساعد المقاتلات في الحياة وفي المعارك أيضًا.

–  اهتمام المقاتلات بالمظهر الخارجي والجمال ليس للتسويق الإعلامي، كما يقول بعض، بل جزء من فلسفة الحياة لدى المقاتلات، من يقاتل من أجل الجمال لا بد أن يكون جميلًا من الداخل والخارج، هذا ما قالته المقاتلة التي تراقب حركة السيارات والناس قرب مقر المقاتلات.

وحين تسير مقاتلة كردية في شوارع القامشلي لا يمكن تصور سعادة الناس وهم يصافحونها ويأخذون لقطات «السيلفي» معها ويتباهون بمقاتلاتهم الكرديات.

صور المقاتلات في شوارع المدن والقرى الكردية تؤكد أن تضحيات هذه القوات لن تذهب هدرًا، بل وضعت الأساس لسوريا جديدة من دون إقصاء أو حرمان لأي مكوِّن سوري ـ سوريا جديدة تكون لكل السوريين، كما قالت مقاتلة كردية كانت تمشط شعر رفيقتها التي كانت ستذهب مع عدد من المقاتلات إلى جبهات الحرب في أطراف دير الزور.

 

  • شاعر كردي يقيم في ألمانيا

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي