أغنية النوافذ: كيف استطاع العالم أن يمدّ عزلته؟

2021-03-16

زينب الشيخ علي*

هل تأخذ العزلة شيئًا منا عندما يرافق العالم كل ما نفعله؟ عندما نحكي طَوَال الوقت عما نتمنى فعله أو عما نستطيع فعله، أو حتى عما فعلناه حقًّا حيثما نكون، عندما يعرف الجميع الوقت الذي نستيقظ فيه من النوم، طبق الحلوى الذي أكلناه وإذا ما كنا أكملناه أو لا، وقت التمرين الذي استهلكنا فوق سجادة منزلية، الكتب التي قرأناها بعناوينها وألوانها والملابس التي تناسب أغلفتها كما حدث في فعالية إلكترونية لمثقفي تويتر، الاكتئاب الذي نشعر به، وصول أحدنا إلى الغضب أو المساومة قبل الآخرين، جلوسنا أكثر خلف الأبواب، خديعة البعد هذه التي لم تخطر على بال أحد، ربما تكون الرفقة الجديدة التي نختارها أو نبدأ منها شكل حياة.

هي ليست عزلة حقًّا

عندما تخبز عشرات السيدات كعكة الليمون ذاتها تزامنًا مع الفكرة التي يحاول الجميع أن يمسك بها؛ كي ينجو من كونه عالقًا داخل البيت، الصغار أيضًا يلعبون اللعبة ذاتها، يمدون خشبة مُربعة الشكل، يمسكون القطع ذاتها ويتنافسون بروح الضحك الشائعة وقتها، الذين يحاولون فعل شيء مختلف أو توثيق شيء مختلف، يصعدون للسطح، يلتقطون صورة علوية لتلك الجلسة أو يأخذون طريقهم لصورة الأبيض والأسود في ملاحقة قفاز بلاستيكي مرمي على الرصيف في لحظة خروج مسروقة خائفة، أما بعضنا حين يجلس مقابلًا شاشته في سؤال: ما الذي يمكنني فعله، بدءًا من هنا؟ لقد أنجزنا بالتأكيد أشياء كثيرة ويمكننا الآن أن نفعل ما نفعل بصيغة ثانية، هكذا بدأ العالم يعمل مستيقظًا من سكرته، حين بدأ يجد طريقًا مقاربًا لكل شيء حتى ينجو على طريقته، من فراغ كبير ظهر في سقف البيت فجأة.

 دائرة الحضور الجديدة

كانت مفاجأة صغيرة ولكنها مدهشة، كنا نعرف أنه يمكن إنجاز أعمال كثيرة، في الأثير، من دون حضور مكتبي، كانت مفاجأة نعرفها ولكنها أدهشتنا، كنا نسمع دائمًا أن الشركات واسعة النطاق تهتم دائمًا بكمية إنتاجك لا بالوقت الذي تخصصه لحضورك في مقرها، لكن أغلبنا تجاهل هذا حيث إن بعضنا لا يفعل شيئًا سوى وضع الطاولات المتقاربة والأجهزة وسماعات الأذن، ومن ثم نعمل -كلٌّ وحده- جنبًا إلى جنب.

لذا مجددًا لا يمكننا القول: إن عزلة العالم كانت عزلة فردية بينما كنا نسكن الأثير، ونواصل العمل، ونتشارك التفاصيل، ولكن وجودنا ضمن جماعات داخل البيوت، داخل المناطق، داخل البلدان، جعلنا نتصرف كدوائر متكاملة، كل دائرة تمثل مجموعة تعبر عن وجودها وقلقها، ولأن الجماعة في علم النفس الاجتماعي تسلك سلوكًا متشابهًا، وتسجل ردَّ فعلٍ موحد مدفوع بوعي مشترك، فإننا نلاحظ نمطًا تسلكه بعض هذه الدوائر، على سبيل المثال: ربما يحضرنا في بداية أزمة جائحة كورونا ما حدث في إيطاليا: الجمهور الذي حشد نفسه في الشارع ليغني أغنية  الوداع الأخير، أو على نطاق عفوي أضيق: ما حدث في حي مجاور لنا عندما تناقلت الجارات كيسًا بلاستيكيًّا عبر الجدار، أو عندما قررت كل العائلات أن تلعب لعبة شعبية واحدة.

وللفن بدأنا نبتكر طريقة جديدة لكل شيء تقريبًا، في الإمارات عندما بادرت السينما إلى تحويل مواقف السيارات إلى شاشة عرض، يتمكن كل زائر فيها من أن ينظر إلى شاشته، وعلى هذا النسق صرنا نحضر بعيدًا وقريبًا في آنٍ.

عزلتنا في الأدب

كعادته يحاول الإنسان دائمًا أن يأخذ قصته للحكي، أن يحوّل شقاءه إلى قصة، هكذا تتكوّن القصة أصلًا، من خلال مشكلة أو خوف أو قلق، أو أي شيء يرافقنا ونصيرُ في مواجهة وإياه.

كثيرة هي القصص التي تركت الإنسان وحيدًا في مكان ما، محاطًا برفقة محدودة ضمن وضع استثنائي أو لغاية ما، وإسقاطًا على ذي بدء فإن عزلة الجماعات أنتجت هوية أدبية لرائعة ماركيز:  ١٠٠ عام من العزلة، وهي الرواية التي يتجلى فيها وجود مجموعة من العائلات تختار بقعة جغرافية لتبقى فيها عدة أجيال بعيدة من العالم، وهو ما يقود أفرادها للتصرف بطرق متشابهة وجنون متقارب.

وفي الأدب الذي يجيء محاكيًا قصص الأوبئة، تلك القصص التي يضطر فيها العالم إلى أن يعزل الجماعة الموبوءة حفاظًا على سلامة البقية، نتعرف إلى فِلْم (Blindness) المأخوذ عن رواية «العمى» للكاتب البرتغالي: جوزيه ساراماغو، في قصة تدور حول مجموعة من الأشخاص المعزولين في المستشفى نتيجة ظهور أعراض غريبة عليهم، وكيف يبدأ الصراع بينهم، والصعوبات التي يواجهونها، خصوصًا أن الوباء الذي أصابهم في بادئ الأمر يطول -تدريجيًّا- كل المدينة التي يسكنونها.

وهذا مجرد أمثلة بسيطة ضمن تأريخ طويل من إنتاج المخيلة البشرية، وهو دأب مستمرّ للإنسان في النجاة بنفسه؛ حيث إنه في روما القديمة كانوا يقولون: إن «الخبز والمسرح سر السعادة»، ببساطة لأن الفن قادر على أن يرفع ثقل الحياة.

الشاشة أقرب نافذة للعالم

الجدير بالذكر هو الصناعة الجادة التي بدأتها الأزمة في الزمن الإلكتروني، بدءًا بالمبادرات الثقافية التي أطلقتها وزارة الثقافة تحت رعاية هيئة الأدب والترجمة والنشر، وهي مبادرة تدعو للكتابة عن أدب العزلة بمختلف المسارات، سواء كانت شعرًا أو قصة أو يوميات.

المؤسسات التي قدمت عنايتها إلى المجتمع في كل الأحوال، مثل: مؤسسة عبدالمنعم الراشد الإنسانية، أعطت جزءًا كبيرًا من رعايتها للحراك الثقافي، وأعدت برنامجًا ثقافيًّا يمتدّ إلى ٩٠ يومًا، ويقدم الكثير من الدورات الإبداعية عبر الإنترنت. المهرجانات الإلكترونية التي وجدت طريقها للبث المباشر عبر شاشة وتحمل الحبّ مثل المهرجان الذي أقامته دار رواشن للشعر على الإنستغرام.

الشباب الذين قدّموا تجارب جديدة لم يسبق لها أن كانت فكرة على شاشة، كالمسرح، على سبيل المثال: المسرحية الافتراضية ١٤٤١ التي أخرجها أحمد الشايب، وكتبها مشاركة مع أحمد يعقوب، وعُرِضَت على اليوتيوب، في رسالة تقول: «أينما تذهب الاتجاهات في رحلة الإنسان، تذهب القصة إلى استشراف المستقبل».

بالتأكيد كان المسرح غاضبًا إزاء إسقاط عنصر الحضور الحي من التجارب الافتراضية، ولكنّ بَدْءَ قالبٍ حديث يتطلب المغامرة والتساؤل والمحاولة، خصوصًا أنه كان ثمة أوضاع خاصة جعلت كل الفنون تتخذ صورتها الأخرى، مثلما حدث عندما قدمت الترجمات أوضاعًا صعبة للغويين، وهو ما أنتج شعرًا للنثر في النهاية.

وإلى الاستمرار في الإنتاج داخل الأوضاع الصعبة، قدَّمَت الفنانة فاطمة البنوي تجربةً مميزة في مسلسل «الشك» حيث شارَكتْ في كتابته وإخراجه ولعب دور الشخصية الأساسية، إذ نَفَّذَ العملَ فريق محدود العدد، وأُنتج وعُرض على منصة «شاهد» الإلكترونية، وذلك كله أثناء مدة العزل المنزلي في البلاد.

هُنا يعود السؤال: هل أخذت العزلة -بشكلها الجديد- شيئًا منا حقًّا؟ وما الذي كسبناه أو خسرناه على وجه التحديد؟

 

  • كاتبة سعودية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي