لغة الأزهار

2021-03-10

حيدر المحسن*

ليس المقصود هنا اللغة التي يفسّر بها ألوان الزهور أهلُ الأدب: الوردة الحمراء تمثل الجمال والحب، الصفراء تعني السعادة وغيرة العاشق، البيضاء رمز النقاء… لغة الزهور هي تلك التي مبعثها النار التي تخضرّ في الأنساغ، وتجعل من الحيّ لا شيء غير نور يشعّ.

حسب الدراسات الحديثة يكون التواصل بيننا من ثلاثة عناصر هي الكلمات، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، حيث أن 55٪ من التواصل يكون من خلال لغة الجسد الصّامتة البليغة، التي يحلو لي أن أدعوها «لغة وردة الجسد». 38٪ من التفاهم بيننا يتم بواسطة نبرة الصوت، و7٪ من خلال الكلمات، أي أن أكثر من ثلاثة أرباع اللغة لا تقولها الألسن، بل إن الجسد هو القائل، وهذه اللغة تشمل الإشارة بأنواعها، وحوار العين، وتعبير الوجه، ونبرة الصوت، وحركة الكتف، إلخ. وتتسم لغة الجسد بالبساطة والوضوح، مثل لغة الأطفال، لا تورية فيها ولا كذب أو خداع. جسدك هو زهرة روحك، وأجساد الآخرين من حولك هي أزهارهم، تتحادثون في ما بينكم مثل ورود الحدائق.. لا تمرّ لحظة على جسدك لا يتململ فيها، حتى وأنت نائم، يعبّر فيها عنك بالقول.

توصل الباحثون إلى أن لدى النساء قدرة أكبر من الرجال على قراءة لغة الجسد، بسبب تمتّعهن بعين قادرة على التقاط التفاصيل، لهذا ترى الأم تستطيع التواصل مع طفلها ومعرفة سبب بكائه، وهذا يفسر أيضا قدرة المرأة على كشف الرجل حين يكذب، بينما لا يستطيع معظم الرجال تمييز ما إذا كانت المرأة تقول الحقيقة أم لا.

ميزة أخرى في لغة الجسد هي أنها توحّد بين البشر، ليس ثمة فرق بين جسد الصيني والجرماني والعربي.. الجميع لديهم عينان وأذنان وأنف واحد. كما أن هذا الصوت الصامت، الكظيم، والمحتشد في الوقت نفسه، يجمعنا صوتنا الدفين هذا مع الحيوان ومع النبات، ثمة موسيقى تعمل ألفة بين الأحياء، وبينها وبين الأشياء الميتة الجامدة، وهكذا صارت معاشرة الكلب والقطّ والقرد والسنجاب أهون بكثير من العزلة، وإن لم يكن لك بدٌّ – نصيبٌ- من هذا، فلا بأس برفقة شُجيْرة اللّبلاب في صالة البيت، أو لا هذا ولا ذاك، تكفيك صحبة ركبتيك وأنت جالس، مثلما يقول الشاعر سان جون بيرس. في إحدى القصص نقرأ عن شابّ يزور عمّته في بيتها، يخبرها بأمر هجرته إلى الخارج.

«وهل يهون عليك فراق عمّتك؟».

تسأله العجوز، وكانت صائمة، تعدّ طعام فطورها في ظهيرة شديدة الحرّ. لا ترتاح العمّة إلى قرار ابن أخيها في الهجرة، ويجلسان معاً يناقشان الأمر، بدون كلام. يقول الشابّ عن عمّته: «ها هي تجلس قربي على الأريكة وقد أتمّت الطبخ، تسبّح، وعيناها نديّتان بالدعاء. كانت تجسّني بقلبها وتتنفّس بعمق، لغة خفيّة سادت بيننا كنّا نسمعها معاً، لغة تتجاوز حدود الكلام. ما هي هذه اللغة، وكيف تكون حروفها؟ لا أعرف. لكنني متأكد أنه ليس ثمة شكل لهذه الحروف».

عندما يتصل بك أحد أصدقائك وترد عليه بالهاتف قائلاً: كنت أريد الاتصال بك أنا أيضاً، لكنك قد تعتبرها صدفه. أثبت العلم أن بإمكان العقل أن يتصل بعقل آخر بدون واسطة مادية، وأن بإمكانه الاتصال بموجودات أو مخلوقات أخرى يشعر بها بدون واسطة، كما أن بإمكان العقل تخطّي المسافات الشاسعة. بين الحياة والحلم، هنالك شيء ثالث نحاول أن نحزره.

أعرف شابّاً فقدَ أمَّه وظلّ يزور قبرها كلّ أسبوع. في الصيف وفي الشتاء، في الريح وفي الحرِّ وفي الثلج، يقضي الليل عند بلاطة مرقدها، يحدّث عظامها التي صارت رميماً، ويسمع عنها، إلى أن يملأ صوتُها عينيه وأنفه وفمه وأذنه. الأعوام تتالى، وهو يقصد المكان نفسه، ولا يمنعه في سبيل تحقيق ذلك أيّ مانع.

ـ حتى في أيام الحرب؟

سألته، وأجابني:

ـ حتى في الليالي التي يشتدّ فيها القصف كنت آخُذُ طريقي إلى حيث تنام أمي.

لم يتزوّج، ولم يسافر، وتحوّلت حياته إلى ساعات من انخطاف عاطفيّ شاقّة، لا تفوته عطلة أو أيّ فرصة لم تستلقِ كلّ الطرقات مفتوحةً إليه، تقلّه مثل بساط الريح إلى المقبرة التي تبعد عن سكناه مئات الأميال.

لا شيء يضيع في هذا العالم، ولئن ضاع هنا، فهو يُوجد في مكان آخر.

ولكن هل تعلمون:

أن لصوت وردة الجسد العالي صدى!

عندما يتحادث اثنان بعيدان جداً عن بعضهما بعضا، آلاف الأراضي ومئات الأنهار وبحار عدّة. ورغم كلّ هذا البعد يتكلمان براحة! وهذا ما يُدعى في علم النفس الاجتماعي بتوارد الأفكار – التّليبات- وهو ليس سوى صوت وردة الجسد العالي، وقد صار له صدى.

أعرف فتاة خرساء وجهها مثل فلقة القمر، وتصلّي مثلنا وتصوم وتعرف الأعياد وأيام الأحزان في ديننا كلّها. أراها الآن وهي تستيقظ في الفجر البارد، الزمهرير، توقظ إخوتها، تهيئ ماء الوضوء للعائلة، أبيها وأمها وجدّتها وزوجة الأب. تدبير الماء في البيوت الفقيرة أمر يشبه اجتراحَ معجزة. وبعد أن تطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام تقف بين يدي ربّها تصلّي، تحطّ نظرها على أبعد ما يمكن رؤيته في الكون، وهي لا تقول بالطبع أي شيء، لا آية ولا سورة ولا دعاء، ومع هذا فهي تتنزّه أثناء صلاتها بين النجوم.

جامدا يبدو المرء الصامت، لكن ثمة ما يتحرك في داخله. ما هو؟

اشتهر الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس برواية «زوربا»، رجل ستينيّ يعبد اللامبالاة ويعيش حياة بوهيمية فيها إحساس عالٍ بقيمة العمل وأهمية الأخلاق في الوقت نفسه. خلطة غريبة صنعها الكاتب، لا يعيش صاحبها في الواقع ولا في الخيال، كائن لا هو أرضيّ ولا سماويّ ولا بين بين. أعود اليوم إلى الرواية لا من أجل أن أزداد تمعناً في هذه «الخلطة»، إنما لأقدّم الشيء الأهمّ، في رأيي، في الرواية: «… ورمش صديقي بجفونه مرتين أو ثلاثاً، وحدّق فيّ مرة أخرى. لقد فهم أنني منفعل وحزين، فتردد في إخفاء اضطرابه بالسخرية والضحك، وقال:

– حسناً، أعطني يدك، إذا قدّر لأحدنا أن يجد نفسه في خطر الموت…

وتوقف، كأنه شعر بالخجل. نحن الذين كنا نهزأ من هذه النزوات الميتافيزيقية لسنوات خلت! وسألته محاولاً أن أحذّر:

– حسناً؟

– لننظر إليها كأنها لعبة. إذا قُدّر لأحدنا أن يجابه خطرَ الموت، فليفكّر في الآخر بشدّة إلى درجة أن ينبّهه حيث ما كان… هل اتفقنا؟

قال ذلك محاولاً أن يضحك لكنّ الابتسامة جمدت على شفتيه.

– اتفقنا!»

يتمّ هذا العهد بين «الرئيس» وصديقه «ستافريداكي». وبعد المغامرات العتيدة للبطل زوربا يعود الكاتب إلى هذا الصديق، والقَسم الذي جمع الاثنين. يغفو الرئيس لحظات يرى فيها الغراب يمرّ فوق رأسه. كان صديقه في تلك الأثناء يصارع الموت، على بعد آلاف الأميال عنه:

«… كنت متأكداً بأنه كان في خطر.. وصرخت به:

ـ ستافريداكي… ستافريداكي… ستافريداكي!

حاولت أقصى جهدي أن يصل صوتي إليه، إلا أنه تلاشى على مبعدة عدة خطوات. وعدت لأنحدر عبر الجبل، وقد سيطر عليّ الرعب، وكنت أحاول أن أصل إلى ألغاز وكنْه هذه الرسائل الروحية التي تنجح في بعض الأحيان في خرق قوانين الطبيعة، وعادت إلى نفسي روح البشر البدائيين التي انفصلت منذ زمان بعيد عن الكون. وهمست:

ـ إنه في خطر.. خطر.. سوف يموت، ولعلّه نفسه لا يعرف.. ولكني أنا أعرف.. بل متأكد».

تمضي النّهارات متشابهة لدى الفتاة الخرساء، فلقة القمر. وفي إحدى ليالي الربيع، وكانت تنام مع إخوتها الصغار، فزّ أبواها على صرختها:

ـ أوووووووه…

وقالت لهما، بلغة الإشارة، إنها رأت في المنام النار تلتهم أنحاء البيت. بعد يومين جاؤوا بأخيها «ثائر» ميتاً، ملفوفاً بالعلم العراقي، شهيداً. كانت النار في اللّيلة ذاتها تشتعل في دبّابته على مشارف الكويت.

هناك دراسات طبّية عن أشخاص واجهوا الموت بشكل مباشر، مثل الغرق أو الحوادث المميتة، وكان السؤال الذي طُرح عليهم: «ماذا تذكرتم في اللّحظات الأخيرة قبل تعرضكم لإغماء تام؟»، واتضح أن عددا منهم تذكروا أو جاءهم خاطر في أذهانهم لأصدقاء أو أقرباء لهم، وعندما سُئلَ أولئك الأشخاص أكدوا بالفعل أن تلك الرسالة وصلت إليهم، وأنه تبادر إلى شعورهم وجود خطر يتعرض له الذين خضعوا للدراسة.

جرت أبحاث أثبتت أن النباتات تشعر مثلنا، وتسعد، وتتألم. الوردة هي لسان النبات الناطق؛ تتفتح، وتتوهّج، وتحسّ بوجع النبتة الأم أولاً بأول. من يدري! ربما يجري التخاطر بين النباتات مثلما هو بيننا، الجفاف في بستان في شمال الأرض قد يبلغ أشجار النخيل في جنوبها…

فوق صخرة الواقع، هنالك لغة الوهم التي تحاكي لغة الواقع، وفي هذا يتشابه الأخرس مع الناطق بلغة الضاد، وربما يتفوق عليه، كذلك يتماثل الكائن العاقل مع غيره، والإنسان والنبات، والحيّ مع الميّت.

 

  • كاتب عراقي

 

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي