كيف نكتب عملا روائيا بإصرار وترصد

2021-02-23 | منذ 2 شهر

بسام شمس الدين*

 

حاليا أسمع كثيرا من الكتّاب المبدعين يتحدثون عن عملية التخطيط لكتابة الرواية، أصبح هذا الأمر هاجسا يرهق الكثير من الشباب المبدعين الذين يتطلعون لكتابة رواية مختلفة، هل يستخدمون أسلوب قصاصات الورق التي تحوي الأفكار التي يريدون طرحها، أم يكتبون الشخصيات ويحددون أدوارها مسبقا؟ وهل يجب أن يحددوا النهاية قبل كتابة الرواية أم يدعوا النهاية لتحدد نفسها من خلال التداعي في السرد؟ هل يضعون النهاية مفتوحة أم مقفلة بخبر كارثي أو سعيد؟ كيف يبدأون الفكرة؟ بأي جملة وبأي مقطع يجب أن يستهلوا سردهم؟
ولعلهم يظنون أن البداية هي الأصعب لأنها المفتاج الضائع الذي يشرع لهم باب الاسترسال في السرد، بالنسبة لي، أظن أن الرواية الجيدة هي تلك الفكرة التي تراودك مليا أثناء سيرك في الشارع أو حين تستفيق من النوم أو حتى عندما تجلس فوق المرحاض، (المعذرة) لكنها بحاجة أن تنضج في رأسك وتختمر قبل أن تقدم على كتابتها، ولا يهم أن تبدأ من هنا أو من هناك أو أن تتبع مخططا على الورق أو خارطة خارجية للسرد، بل الأهم كما أظن هو أن تنفصل عن محيطك الخارجي لتكتب شيئا وأنت في حالة استغراق عميق، وهذا لا يحدث في حالة استخدام اسلوب البطاقات أو القصاصات ورؤوس الأقلام، ولعل لكل شخص أسلوبه في الكتابة، وطالما يكون مخطط النص مرسوما في رأسي بشكل مشوش، وغالبا ما أخرج عن هذا المخطط، وكثيرا ما تتغير خططي أثناء الكتابة، بل تكاد تختفي ولا يبق منها غير روح الفكرة، تتغير الأحداث لصالح أحداث أخرى أظنها أكثر جدية وذكاء، بحيث تتغير عندما أتعثر بفكرة غريبة غير مسبوقة، ولا أظن أن هناك شيء غريب وغير مسبوق في عالم السرد، لأن الحكاءين والساردين القدامى قد نسجوا أشياء أكثر غرابة مما نسجت على مر العصور.
ولكنك خطوت خلفهم بطريقة مغايرة قليلا أو كثيرا وبسرد مختلف وبيئة أخرى، ولعل الامساك بعنان اللغة أمر صعب فهي جامحة وبوسعها أن تقذفك بعيدا حين تغفل عنها، ومع ذلك أرى ـ وهذا شعور شخصي ـ أن الكتابة بحالة الثمل وفقدان الشعور أكثر جدوى منها في حالة التيقظ والانتباه، وهذا لا يعني أن تحتالوا للحصول على قارورة وسكي أو نبيذ معتق لكي تكتبوا نصا روائيا، لا أقصد ذلك، بل أقصد الاستغراق في الغياب عما حولك، أن تفقد شعورك أثناء الكتابة وتنغمس بشكل تام في الأحداث وتنصهر في أحداثك وسردك، بحيث تصبح جزءا من هذا العالم، أعرف أن من الصعب أن تظل غائبا وسط مجتمع يحترف صناعة الضجيج والصراخ، لاسيما إن كنت أبا لشرذمة من الأطفال المشاكسين، وحتى الأطفال بالشوارع يكونون مزعجين خصوصا مع انعدام الحدائق والباحات المخصصة للعب، وبهذا يصبحون كابوسا مريعا للكاتب.
ومع ذلك بوسع أحداث سردك أن تجعلك غائبا فاقدا الوعي لا تسمع سوى أصوات وصخب عالمك الروائي الخاص، بشرط ألا يلكزك أحدهم في كتفك أثناء الكتابة، لذا عليك كروائي أن تختار أماكن كتابتك، وبالنسبة لي أيضا فقد كتبت في أشد وأكثر البيئات هدوءا وضجيجا، لقد كتبت في شعب منعزل خارج حدود قريتنا، وكتبت في معسكر مزدحم بالجنود، وكتبت في مجلس مليء بماضغي القات، وهم لفيف من مختلف الأعمار يتحدثون عن السياسة والقبيلة والحرب بصوت صاخب، ولعل المكان الوحيد الذي لم أكتب فيه هو السجن، وهذا المكان الملهم قد يجود عليك بكتابات متدفقة خصوصا إذا كان يضم عددا كبيرا من المجرمين وأصحاب المغامرات الكبيرة الذين يملكون قصصا وتجارب عديدة ملهمة.
لكن المشكلة أنهم قد لا يعترفون بالخيال أو قد لا يجدون أي قيمة لما تكتب مثلما لا يجدون أهمية للحياة برمتها، ولهذا أخشى أن يركلوك في مؤخرتك لتذهب بعيدا عنهم أو يحشروك في زاوية ضيقة مظلمة بحيث لا تكاد ترى يدك وأوراقك، هذا إذا حبذوا أن تظل حيا ليسخروا منك.. طبعا قد لا يكون هذا واردا، ولكن علينا أن نتخيل أن هناك أماكن ومجتمعات بوسعها أن تلهمك الكتابة، والشرط الأساس في الموضوع هو أن تكون حالما وخياليا. فالكتابة هي خروج عن الواقع إلى واقع مغاير لا يملكه أحد سواك، أن تملك عالمك الخاص الذي لا يراه أحد غيرك، باستثناء قرائك الحالمين والأذكياء الذين يستطيعون استكشاف عالمك. أما غالبية النقاد ورعاة الجوائز فلا تعول عليهم في فهم عالمك، لأنهم يقرؤونك من زاوية واحدة ولا يريدونك أن تخرج عما يجول في أذهانهم. هذا يكفي.

*قاص وروائي يمني



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي