«مفاوضة أفريقية شرسة» تعشق التحديات

نغوزي أوكونجو ـ إيويالا... خبيرة محنكة تقود معركة إصلاح منظمة التجارة العالمية

الشرق الأوسط
2021-02-20 | منذ 2 شهر

القاهرة - فتحية الدخاخني


فازت الاقتصادية العالمية والسياسية النيجيرية البارزة نغوزي أوكونجو - إيويالا بمنصب المدير العام لـ«منظمة التجارة العالمية»، وهذا إنجاز كبير لها شخصياً، وكذلك للمرأة وللقارة الأفريقية، لأنها باتت أول سيدة وأول أفريقي يتولى هذا المنصب الحساس والرفيع. ويأتي اختيارها أيضاً ليعزز مكانة نيجيريا، كبرى دول أفريقيا من حيث عدد السكان، على المسرح العالمي سياسياً واقتصادياً. وتجدر الإشارة إلى أن أوكونجو - إيويالا اجتازت العقبة الأخيرة التي كانت تعترض سبيل انتخابها بعد انسحاب منافستها الأخيرة يو ميونغ هي وزيرة التجارة في كوريا الجنوبية والمرشحة المفضلة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. إذ كانت واشنطن المعارض الأساسي لانتخاب وزير المالية النيجيرية السابقة، غير أن تغير الاتجاه السياسي في واشنطن بتولي الرئيس الديمقراطي جو بايدن الرئاسة أفقد المرشحة الكورية فرص النجاح.

حياتها كانت سلسلة من التحديات، اعتادت خوضها بقوة ومن دون خوف، فهي دائماً ما وصفت نفسها بـ«المقاتلة»، في حين لقبها أصدقاؤها بـ«المفاوضة الشرسة». وفي مستهل مارس (آذار) 2021 تبدأ الاقتصادية النيجيرية نغوزي أوكونجو - إيويالا (66 سنة) تحدياً جديداً، في أعقاب اختيارها بالإجماع لتدير «منظمة التجارة العالمية»، داخلة التاريخ كأول امرأة وأول شخص أفريقي يتربع على عرش التجارة الدولية.

ما كان وصول أوكونجو إلى هذا الموقع أمراً سهلاً، بل تحقق ذلك بعد عملية اختيار طويلة بدأت في منتصف العام الماضي، وبدا أنها وصلت إلى طريق مسدود عندما أعلنت واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي دعمها ترشيح يو ميونغ هي، وزيرة تجارة كوريا الجنوبية، لهذا المنصب، وسط عرقلة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ترشيح الخبيرة النيجيرية. ومن ثم، عاشت المنظمة في حالة فراغ قيادي - يديرها أربعة نواب للمدير العام - في أعقاب مغادرة روبرتو أزيفيدو منصبه في أغسطس (آب) الماضي. ولم تنته العرقلة إلا بعد دخول الرئيس جو بايدن البيت الأبيض، ما مهد الطريق لتسليم المنصب لأوكونجو.

تجدر الإشارة إلى أن إدارة «المنظمة» التي تبلغ ميزانيتها 220 مليون دولار أميركي، ويعمل فيها فريق عمل مكون من 650 فرداً، ليست بالمهمة السهلة، فهي تمر بمرحلة حرجة بعد توقف مفاوضات التجارة العالمية منذ أكثر من 20 سنة. بيد أن الاقتصادية النيجيرية التي أمضت ربع قرن في البنك الدولي، أعلنت بإصرار جاهزيتها لخوض التحدي والتغيير.


النشأة والمؤهلات

ولدت نغوزي أوكونجو (أوكونجو - إيويالا بعد الزواج) في أوغواشي أوكوو في ولاية الدلتا بجنوب شرق نيجيريا يوم 13 يونيو (حزيران) عام 1954. ودرست الاقتصاد في جامعة هارفارد الأميركية العريقة في الفترة ما بين 1973 - 1976، ثم حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة عريقة أخرى هي معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT) عام 1981. ومن ثم عملت نحو ربع قرن في البنك الدولي إلى أن وصلت لمنصب نائب رئيس البنك الدولي. وفضلاً عن موقعها الدولي، تولت منصب وزير المالية في بلادها مرتين الأولى بين 2003 و2006، والثانية بين 2011 و2015، وكانت أول امرأة تشغل هذا المنصب الرفيع. بل إنها شغلت أيضاً لفترة قصيرة منصب وزيرة للخارجية خلال عام 2006، وكانت أيضاً أول امرأة يسند إليها المنصب في نيجيريا. وبجانب كل هذا، شغلت عدة مناصب كعضو في مجالس إدارة «تويتر» وبنك «ستاندرد تشارترد» والتحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI) الذي كان مسؤولاً، منذ إنشائه عام 2000، عن تحصين 680 طفلاً حول العالم، وإنقاذ حياة الملايين.

ولقد كتبت أوكونجو العديد من المقالات والكتب، من بينها «محاربة الفساد خطرة: القصة خلف العناوين»، الصادر عام 2018، و«إصلاح ما لا يمكن إصلاحه: دروس من نيجيريا»، الصادر عام 2012، وغيرها من المقالات والكتب عن تمويل التعليم، والشمول المالية وإدارة الديون.


الفقر والحرب الأهلية

لم يكن طريق أوكونجو، أو «الدكتورة أوكونجو» - كما اعتادت أن يناديها الناس - مفروشاً بالورود، بل على العكس، كان مليئاً بالتحديات منذ سنوات نشأتها الأولى. إذ إنها عاشت سنواتها التسع الأولى مع جدتها، بعيداً عن والديها اللذين كانا يدرسان بالخارج في ذلك الوقت. وطوال عقد من الزمان اختبرت حياة فتاة القرية، كما تقول في حوار لها مع «البي بي سي» (هيئة الإذاعة البريطانية) عام 2012، إذ كانت تحمل الماء، وتذهب إلى المزرعة مع جدتها، وتلك كانت الفترة المهمة جداً في تكوينها، لأن فيها عرفت للمرة الأولى ما هو الفقر، ومعنى أن يكون المرء فقيراً، وهو ما يفسر اهتمامها بالفقراء في مراحل عملها اللاحقة.

وجاءت سنوات المراهقة لتزيد من تجارب الفتاة الطموحة مع الحياة. إذ عاصرت في تلك الفترة الحرب الأهلية النيجيرية التي وقعت في الفترة ما بين 1967 و1970، وفقد والداها كل مدخراتهما، فاختبرت قسوة الظروف في سن مبكرة نسبياً. وهو ما جعلها قادرة على «تحمل الحياة في ظروف مختلفة، قادرة على النوم على الأرض الباردة، تماماً كما النوم على سرير وثير من ريش النعام»، على حد قولها. وحتى هذه اللحظة، ما زالت نغوزي أوكونجو - إيويالا حتى الآن تعيش حياة بسيطة، فليس لديها عدد كبير من الموظفين في المنزل، كما أنها رغم مشاغلها الكبيرة، ما زالت تطهو لعائلتها عندما يتسنى لها الوقت لذلك.


امرأة قوية واستثنائية

ظهر اهتمام أوكونجو - إيويالا بالفقراء خلال عملها في البنك الدولي، حيث ينسب لها عدد من المبادرات لمساعدة الدول الفقيرة، وتوفير الدعم لهم. من هذه المبادرات توفير ما يقرب من 50 مليار دولار أميركي خلال الأزمة المالية عام 2010 على شكل منح وقروض منخفضة الفائدة لدعم الدول الفقيرة، عبر رابطة التنمية الدولية «إيدا». وثمة مبادرات عديدة خصصت لدعم الدول الفقيرة إبان أزمة الغذاء عامي 2008 و2009. ومن ثم، كانت أول امرأة سوداء تنافس على رئاسة البنك الدولي عام 2012، بدعم من أفريقيا والدول النامية الكبرى.

من ناحية أخرى، أدرج اسم أوكونجو - إيويالا ضمن قائمة «منظمة الشفافية الدولية» لمحاربة الفساد التي ضمت ثماني سيدات ملهمات عام 2019، كذلك أدرج اسمها ضمن قائمة مجلة «فورتشن» الأميركية لـ«أعظم 50 قائدة» عن عام 2015، واختيرت عام 2014 ضمن قائمة مجلة «تايم» الأميركية لـ«أكثر مائة شخصية تأثيراً في العالم»، وفي قائمة «فورين بوليسي» لأفضل 100 مفكر عالمي لعامي 2011 و2012، وقوائم «فوربز» لـ«أقوى 100 امرأة في العالم» خلال أعوام 2011 و2012 و2013 و2014، وقائمة «فوربز» لأقوى ثلاث نساء في أفريقيا، وغيرها من القوائم الدولية التي اعتبرتها واحدة من بين النساء الأكثر تأثيراً في العالم، ناهيك من أنه ينظر لها في بلدها نيجيريا على أنها نموذج للمرأة المستقلة القوية والناجحة.

ولكن، يبدو أن هذه «القوة» لم تقتصر على العمل فحسب، لأن أوكونجو - إيويالا الأم لأربعة أبناء والجدة لثلاثة أحفاد، تعد شخصية صارمة وقوية أيضاً في المنزل. إذ يصفها ابنها أوزودينما إيويالا بأنها «امرأة قوية جداً»، ويوضح: «تعرف أمي كيف تنجز الأشياء، وإذا لم تفعل الأمور بطريقتها فأنت في ورطة»، وإن كانت هذه القوة لم تمنع زملاءها من الإطراء على مزاياها ووصفها بالشخصية المتواضعة.


مفاوضة «شرسة»

على صعيد متصل، ومع أن أوكونجو - إيويالا أمضت معظم حياتها العملية في الولايات المتحدة، وحصلت على الجنسية الأميركية، فإنها لم تتخل أبداً عن الزي الأفريقي الذي غدا علامة مميزة لها، تقتحم به مفاوضات التجارة الصعبة. وكان هذا الزي وسيلتها الأسهل لأداء دور الأم العاملة لأربعة أطفال، حيث سهل حركتها «من دون تكلفة كبيرة، إذ لا يتجاوز سعره 25 دولاراً»، على حد قولها.

هذا الانتماء للوطن والثقافة تأكد عندما تخلت عن وظيفتها كنائب لرئيس البنك الدولي عام 2003، وتركت زوجها جراح الأعصاب وعائلتها في واشنطن، لتعود إلى نيجيريا وتتولى وزيرة للمالية، في فترة صعبة. يومذاك كانت نيجيريا غارقة في الديون، وشعبها منقسم، لكن المرأة القوية قبلت التحدي، وباشرت تحديد الأولويات لحل مشاكل البلاد، وعن تلك الفترة قالت لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في مقابلة معها، «كان عليّ أن أتماسك... إذا كانت أمامك كل هذه المشاكل عليه تحديد الأولويات».

وحقاً، نجحت أوكونجو - إيويالا عام 2005 إبان فترة ولايتها الأولى كوزيرة للمالية في تخفيض ديون بلادها ي 18 مليار دولار، وساعدتها على الحصول على أول تصنيف ائتماني لها، بعد مفاوضات صعبة مع «نادي باريس» استحقت بعدها - كما يقول زملاؤها – لقب «المفاوضة الشرسة».

ثم، في فترة وزارتها الثانية نفذت أوكونجو - إيويالا عدة إصلاحات اقتصادية، منها فصل الميزانية عن سعر النفط، وتعزيز الشفافية للحسابات الحكومية، والقضاء على الفساد. ولقد أدخلتها هذه الإصلاحات - خصوصاً ما يتعلق بالنفط، ووقف دعم الوقود - في صراعات مع قطاع النفط التجار الأقوياء، إذ اختُطفت والدتها كأميني أوكونجو، وهي أستاذة علم اجتماع، من منزلها في جنوب نيجيريا عام 2012، وطالب الخاطفون باستقالتها، وبفدية لقاء الإفراج عن والدتها. غير أن روح المقاتلة والجرأة التي تتميز بها منعتها من الاستجابة لمطالب الخاطفين. وبالنتيجة أفرج عن الولدة المختطفة بعد خمسة أيام، بعدما تبين للخاطفين أن الوزيرة الصارمة لن تلين ولن تستجيب لمطالبهم. من جهة أخرى، عرض قبولها بوظائف سياسية في نيجيريا سمعتها الدولية للخطر، رغم ما قامت به من إصلاحات. إذ طالتها بعض اتهامات الفساد الموجهة إلى الحكومة النيجيرية، مع أنها لم تتهم أو تُدن شخصياً بهذه التهم.

 


تحدٍ جديد

اعتباراً من أول مارس، تواجه الاقتصادية النيجيرية اللامعة تحدياً جديداً هو إدارة «منظمة التجارة العالمية». ومعلوم أنها تتسلم المنصب في وقت تراجع أحلام «المنظمة» بتحقيق حرية التجارة، كما كشفت جائحة «كوفيد 19» تقصير قوانينها في تحقيق العدالة والمساواة. لكن أوكونجو - إيويالا تدرك حجم الصعوبات التي تنتظرها، وتستعد للتحدي الجديد بأجندة إصلاحية، تشمل خطط التنمية ومواجهة التغير المناخي، واضعة جائحة «كوفيد 19» على رأس أولوياتها. فلقد أكدت في تصريح لوكالة «رويترز للأنباء» عقب إعلان اختيارها مديراً عاماً للمنظمة على «ضرورة رفع قيود التصدير التي تبطئ التجارة في الأدوية والإمدادات الطبية». وحذرت صراحة مما وصفته بـ«قومية اللقاح» التي ستبطئ التقدم في إنهاء الجائحة، وتقلص النمو الاقتصادي لكل الدول.

في المقابل، يشكك البعض في قدرتها على إدارة صراعات التجارة الدولية، في منظمة حاول بعض الذين أداروها لعب دور «المجدد»، بينما لعب آخرون دور «السكرتير الممتاز» للدول الأعضاء. وفي هذا المجال، يعتقد باسكال لامي، المدير الأسبق للمنظمة، أن «نغوزي لن تكون سكرتيراً ممتازاً، بل ربما تكون في مكان في المنتصف بين هذا وذاك».

في أي حال، الاقتصادية النيجيرية والوزيرة السابقة ترد على منتقديها مؤكدة أنها عملت طوال عمرها في مجال الاقتصاد، وأن شغفها هو التجارة. ومن ثم، تعد بإصلاحات تعيد إنهاض المنظمة، واصفة نفسها بأنها «مرشحة إصلاحية، وهو ما تحتاجه المنظمة في الوقت الحالي». وتزيد أنها تدرك أهمية التجارة في القرن الـ21، ودورها في تحقيق الرخاء والتنمية المستدامة، وتؤمن بأن «منظمة التجارة العالمية» في قلب كل ذلك.

لهذا، تتأهب نغوزي أوكونجو - إيويالا لقلب الموازين وتغيير طريقة عمل المنظمة، لأنه «ما ممكناً أن تواصل العمل بالطرق القديمة»، وفقاً لتصريحاتها لـ«البي بي سي». وهي تأمل بأن تساهم «منظمة التجارة العالمية» في حل أزمة الجائحة وتوفير اللقاحات للدول الفقيرة، وأن تتمكن أثناء فترة عملها من تحقيق الهدف الذي أسست من أجله المنظمة، ألا وهو تحسين مستويات المعيشة في الدول الفقيرة. وهنا، بالذات، يتفاءل مؤيدوها بأن قدرتها على النجاة في النظام السياسي النيجيري «تؤهلها لخوض التحدي».

أخيراً، يعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين أحد التحديات التي تواجه «منظمة التجارة العالمية» حالياً، وبالأخص، مع افتقار المنظمة لآليات تنفيذ قراراتها... وهو ما اتضح في موضوع التعريفات الأميركية «غير المتوافقة» مع قواعد التجارة الدولية. وتعتزم الاقتصادية النيجيرية - أو المديرة العامة الجديدة - دخول هذه المعركة، ومحاولة التوفيق بين واشنطن وبكين.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي