دفاعاً عن النظرية النقدية

2021-02-12

عثمان لكعشمي*

 

يعد المقال المعمق لماكس هوركايمر، الموسوم بـ«النظرية التقليدية والنظرية النقدية» من أهم الأعمال والنصوص المؤسسة لما يسمى، في تاريخ الأفكار، بالنظرية النقدية، التي تعتبر الأرضية النظرية الأساسية لما يُنعت بمدرسة فرانكفورت النقدية.
يسعى هذا النص الذي يقع بين يدينا إلى الدفاع عن نظرية علمية نقدية. لا يتعلق الأمر بنظرية سوسيولوجية ضيقة، وإنما يتعلق الأمر في المقام الأول بنظرية عامة في نظرية المعرفة؛ نظرية للمجتمع: ترمي إلى هدم المجتمع البورجوازي والرأسمالي وإعادة صياغة مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية.
ينطلق صاحب المقال من مسألة تعريف النظرية العلمية: حيث عمل على نقد التعريفات السائدة للنظرية العلمية، التي تقدم النظرية العلمية كبنية كلية منغلقة على ذاتها، سواء من حيث التخصص، أو من حيث مدى انسجامها مع ذاتها، وكذا مساءلة أهم مقوماتها، ألا وهو مبدأ المِصداقية، أيْ المُطابقة بين المبادئ النظرية ومعطيات الواقع التجريبي.
بهذا المعنى، فإن النظرية العلمية لا تتضمن إمكانية التناقض بين عناصرها. وإنْ كان هوركايمر يؤكد على ضرورة آلية التراكم العلمي المنتظم كأُس أساسي من أسس مبنى المعرفة العلمية واشتغالها، فإن النظرية بالمعنى السالف ليست أكثر من نسق صوري ورياضي ضيق. وهذا هو معنى النظرية التقليدية. تلك النظرية التي تحولت، بفعل محافظتها، إلى عِلم بورجوازي، لا يخدم إلا مصالح الطبقة البورجوازية للمجتمع الصناعي والرأسمالي والليبرالي الحديث.
في مقابل النظرية التقليدية المعهودة في ميادين العلم المتخصص، التي تعود أسسها الفلسفية إلى المنهج الديكارتي، ثمة النظرية النقدية التي تقوم على النقد الماركسي للاقتصاد السياسين وهي ما يمثل في نظر صاحب النص، البديل العلمي للنظرية التقليدية. فعلى عكس الفكر التقليدي الذي يكتفي بإعادة إنتاج الحياة داخل المجتمع الحديث، أو بالأحرى إعادة إنتاج المجتمع البورجوازي، فإن الفكر النقدي يجعل من الكائنات البشرية بعامة وطبقة المقهورين بخاصة، كائنات تاريخية قادرة على تغيير تشكيلتها المجتمعية والاقتصادية، ومن ثمة المساهمة في تغيير مصيرها نحو الأفضل. إننا أمام نظرية ديالكتيكية، فأي عنصر من عناصرها قد يتضمن نقيضه، وهذا ما يجعلها حيوية.
إن المُنظر النقدي والحالة هذه ليس بمنأى عن الصراعات الاجتماعية، بل هي من صميم عمله، إنها بمثابة الممارسة ـ البراكسيس ـ الاجتماعية الموازية لها. فبالإضافة إلى الوظيفة العلمية لهذه النظرية، هناك وظيفة تاريخية ومجتمعية وإنسانية منوطة بها، تكمن في تحرير الإنسان والمجتمع من كل القيود وأشكال الهيمنة والتحكم.
انطلاقاً مما سبق يُمكن القول، كما هو مبين في التحليل الآنف، إننا نسجل انخراطنا المشروط في مشروع علمي من هذا القبيل، ليس من باب التقليد، وإنما من باب ما يتضمنه هذا المشروع من مقترح علمي يُمكنه أنْ يساهم، بعد تفكيكه وتطويره، مع الأخذ بعين الاعتبار التصورات النقدية المُعاصرة المُتعالقة بالتحولات المجتمعية الراهنة. لاسيما وأننا أمام مشروع نقدي متكامل، تمتد جذوره إلى النظرية الماركسية، ويرمي بظلاله إلى نظريات سوسيولوجية نقدية معاصرة، نذكر منها مثلاً: نظرية ميشيل فوكو عن السلطة والمعرفة، ونظرية بيير بورديو عن التمييز الاجتماعي والهيمنة، ونظرية آلان تورين عن الحركات الاجتماعية والذات البشرية الفاعلة، وغيرها من النظريات النقدية للمجتمعات المُعاصرة.
إننا بالتالي لسنا بصدد نظرية علمية وحسب، وإنما نحن بصدد رؤية نقدية للعالَم: تُمكننا من نقد وانتقاد بؤس العالَم الواقعي، والعمل في اللحظة نفسها على إعادة صياغته على أسس إنسانية عادلة أكثر فأكثر، ومن ثمة ديمقراطية أكثر فأكثر.

*كاتب مغربي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي