فيلم «المنصة» للإسباني غالدر غاثتلو: حكاية المائدة التي تشهد حقيقة الصراع الإنساني

2021-02-11 | منذ 6 شهر

خالد الكطابي*

 

بتوقيعه لفيلم «المنصة» كأول عمل روائي طويل، يعلن المخرج السينمائي الإسباني غالدر غاثتلو أوروتيا، عن دخوله عالم الإبداع الفني من بوابة الخيال العلمي الملتزم بقضايا الإنسان، حيث يقدم للمتلقي مفهوم الصراع الإنساني الدموي، ومطلب التوزيع العادل للخيرات في قالب مأساوي، يمزج فيه ما بين الفكاهة السوداء والسخرية والرعب. والفيلم كان في أساسه نصا مسرحيا كتبه دابيد ديسولا، قبل أن يعيد كتابته رفقة بيدرو ريبيرو.

الحكاية

تدور الأحداث داخل سجن مغلق، عبارة عن طوابق، كل طابق يضم زنزانة، تتخللها هوة سحيقة يربط بينها مصعد. فبعد استيقاظه، يجد غورينغ (إيبان ماساغوي) نفسه في زنزانة خرسانية تحمل رقم 48 رفقة رجل غريب، ذي أقدمية في السجن، يدعى تريماغاسي (ثوريون إيغيليور). تختلف أسباب دخول غورينغ وتريماغاسي لهذا الفضاء المغلق والمليء بقصص الرعب والمصير المجهول، حيث يختارغورينغ قضاء ستة أشهر كمتطوع في برنامج «مركز الإدارة الذاتية الهرمية» مقابل الحصول على دبلوم الكفاءة، في حين يقضي زميله عقوبة سجنية لمدة عام واحد بتهمة القتل الخطأ (بعد قذفه جهاز التلفزيون، من داخل منزله، فأصاب مهاجرا كان مارا مصادفة في الشارع).

نزول المائدة

بعد التعرف على بعضهما، سيكتشف غورينغ الشروط التي يعمل بها نظام السجن في ما يخص توزيع الطعام، الذي يوزع من خلال مائدة (منصة على شكل مصعد) تنتقل من الأعلى إلى الأسفل وتتوقف لفترة محددة في كل طابق ليتناول النزيلان، ما تيسر لهما، من الأكل بسرعة، لأن توقيتها محدد ولا يمكن توقيفها. وعلى أولئك الذين يوجدون في مستوى أدنى أن يأكلوا فقط ما يتركه أصحاب القمة، ولا يمكن الاحتفاظ بالطعام، حيث ترتفع حرارة الزنزانة أو تبرد إلى مستويات مميتة. ومن شروط السجن أيضا أنه خلال كل شهر، تتم إعادة تعيين شخصين بشكل عشوائي في مستوى جديد، ويسمح لكل نزيل باختيار أداة تسلية يراها ضرورية بالنسبة له، حيث سيختارغورينغ كتاب «دون كيخوتة»، فيما يصحب تريماغاسي سكينا ذات شحذ ذاتي.

الطابق 48

يهيئ تريماغاسي زميله للأسوأ عندما يخبره بأن الطابق 48 يشكل امتيازا، في الوقت الذي يعاني فيه نزلاء الطوابق السفلى من الجوع، بعد وصول المنصة فارغة من الأكل.

الطابق171

في الشهر الموالي، يفتح غورينغ عينيه في الزنزانة رقم171 ليجد نفسه مقيدا في سريره، بدون توضيح، لكن سرعان ما سيصدمه تريماغاسي بأن تواجدهما في هذا المستوى سيجعلهما يموتان من شدة الجوع، لذلك فالطريقة الوحيدة التي يمكن أن يحيى بها المرء هو أكله للحم صاحبه، ويقترح أن يقوم بتقطيع أطراف لحم من جسده، كلما احتاج لذلك ويعاهده على رعايته حتى تتماثل جراحه للشفاء.
بعد شروعه في أخذ عينات من أطراف جسده، يصيح غورينغ، بكل ما أوتي من قوة، لطلب النجدة ثم يستسلم أخيرا لقدره المحتوم، قبل أن يتفاجأ بميأرو (ألكسندرا ماسانغكاي)، نزيلة تعرف عليها في وقت سابق، تطرح تريماغاسي أرضا وتبدأ في نهش أطراف جسده ومدّ غورينغ بها حتى يستطيع البقاء على وجه الحياة.

الطابق 33

اختارت إموغيري (أنتونيا سان خوان) دخول السجن طواعية عندما تم تشخيص إصابتها بداء السرطان في مرحلته النهائية، وتأمل في أن تتمكن من إصلاح الظروف السيئة التي يعيش فيها النزلاء، حيث تنادي بتقنين الطعام، وتحاول إقناع من يوجد في الأسفل بالتضامن التلقائي، لكنهم يتجاهلون ذلك قبل أن يهددهم غورينغ بالتبرزعلى الطعام في حالة رفضهم. وتستمر ميأرو، التي فقدت ابنتها في ظروف غامضة، في مواصلة بحثها المليء بالاصطدامات مع نزلاء السجن،
وبعد رؤيتها في حالة خطيرة، قام غورينغ رفقة إموغيري بإنقاذها واستضافتها في زنزانتهما، لكن السجينتين سرعان ما ستدخلان في صراع دامٍ بعد أكل ميأرو لكلب إموغيري.

الطابق 202

يستيقظ غورينغ في زنزانة جديدة تحمل رقم 202 مكتشفا أن إموغيري قد انتحرت، شنقا، بعد وصولها لحقائق تجاوزت كل توقعاتها، ويلتهم شيئا من جسدها ليضمن البقاء على قيد الحياة. لقد شكل انتحار إموغيري صدمة لغورينغ، حيث سيفقد مساندة له وصاحبة فكرة «التضامن التلقائي» أي أن يكون التضامن بين النزلاء تلقائيا، وبدون الحاجة إلى أساليب الضغط.

الطابق 6

وبحلول شهر آخر، سيقذف به إلى الطابق رقم 6 مع بهارات (إيميليو بوالي)، نزيل من أصول افريقية، يريد الصعود إلى الطابق العلوي بدعم من نزيلي الطابق الفوقي، لكن بعد الإيهام بمساعدته، سيتعرض للمهانة والتغوط على وجهه ودفعه إلى أسفل. وبالمقابل، سيقوم غورينغ بإقناع بهارات بالمشاركة معه في إعداد خطة لاستكشاف عالم الطوابق السفلي، والعمل على تقنين الطعام حتى يتمكن الجميع من الظفر بحقه من الأكل.


يركب النزيلان منصة المغامرة، محاولين إقناع نزلاء الطوابق بضرورة التفكير في الآخرين، حيث يتم شرح المقترح وعند الرفض يتم اللجوء إلى العنف الجسدي، ويتفاجأ غورينغ عند لقائه بنزيل افريقي آخر (إيريك غود)، يدعو إلى استعمال الحكمة وعدم الاحتكام إلى القوة، غير أن التصرفات المشينة والرافضة ستجعل غورينغ يعتمدها في تبريره لاستعمال العنف. وخلافا لتوقعات النزيلين، وصل عدد الطوابق إلى 332 طابق، خاضا فيها معارك ضارية لإقناع النزلاء بترك طبق حلوى دون لمسه، لإعادته إلى أصحاب المائدة، كرسالة احتجاجية من النزلاء، ودليل على تبلور وعي جديد يجب أخذه بعين الاعتبار. يقترب الثائران من نهاية النفق المسدود، مثخنين بجراحهما، يلفظ بهارات أنفاسه في ما يتابع غورينغ مساره نحو الطابق السفلي، حيث سيجد طفلة ورفيقه القتيل.

 

الحوار

اعتمد الفيلم حوارا جعل أغلب شخصيات الفيلم واعية بما يقع حولها، لذلك تبدو مستسلمة لمصيرها، وغير مستعدة لتغيير الواقع، مدافعة عن وجودها المحدد في التهام ما يضمن استمرارها، على قيد الحياة، مهما كانت الوسيلة (محاولة تريماغاسي إقناع غورينغ، بقبول عرض اقتطاع قطعة لحم من جسده (رجل مسن مثلي لا يمكن أن يصمد 30 يوما بدون أكل). وفي الوقت نفسه يقدم شخصيات تحمل وعيا شقيا يجعلها تبحث عن حلول عادلة تضمن استفادة الجميع من المائدة، شخصيات تدافع على الحق الجماعي في الحياة (غورينغ موجها كلامه للنزلاء: «هيأت لكم أطباقا وأرجو أن تهيئوا مثلها للآخرين..».
وغلب على الحوار الطابع السجالي لتقديم وجهات نظر مختلفة بدون الانحياز لأي طرف على حساب الآخر.. يسأل غورينغ «ماذا سنأكل؟». ويجيب تريماغاسي «ما سيتركه أصحاب الطوابق العليا». كما يقدم الفيلم تعريفا جديدا للطبقات، حيث يتلو على لسان تريماغاسي «هناك ثلاث طبقات.. أصحاب الأعلى وأصحاب الأسفل والذين يسقطون».

الرموز

وظف المخرج رمزية المائدة/المنصة، التي تنزل من الأعلى نحو الأسفل في دلالة عميقة عن حضور الإرث الديني لتصور المائدة في الأديان التوحيدية الثلاثة. ورغم أن المشرف على المائدة كان يتحرى أن تتم في أحسن هيئة لها،
وكان لحضور كتاب «دون كيخوتة» الذي اختاره غورينغ رفيقا له في مغامرته تلك، في دلالة على أن صراعه سينتهي مريرا وسيسقط ضحية الأوهام، حيث سيلتقي في آخر الفيلم تريماغاسي الذي قتل، قبل ذلك، أمام عينيه، ثم الطفلة التي يريد أن يجعل منها دليل إدانة للإدارة على سجن قاصر. وفي تعبير مجازي عن أهمية الكتاب، جعل المخرج غورينغ يقوم بالتهام صفحات الكتاب حتى يبقى على قيد الحياة، ولا يأكل لحم الآخرين، إشارة إلى أهميته كأداة لتقوية المناعة وغذاء فكري وفي الوقت نفسه جسدي.
ولا يتردد الفيلم في الإشارة إلى أن رمزية قواعد السجن تظل أقوى، حتى في غياب السجان، حيث يتحول النزيل إلى أداة لترسيخها بفعل انتهازيته البغيضة.. «سأقتطع أجزاء من جسمك وأعاهدك على أن أضمد جراحك».

الرسالة

التواصل مع العالم الفوقي يتم، فقط، عبر المائدة فقد اتفق غورينغ وبهارات على أن يتم الاحتفاظ بطابق التحلية «حلوى بانا كوتا» لتقديمه كدليل على اختمار وعي النزلاء ونضجهم، وكرسالة احتجاج على واقع مأساوي ـ إحدى لقطات الفيلم يظهر فيها المشرف على مطبخ السجن حاملا للطبق ـ لقد قاما بمجهود أكبر من طاقتهما، أدى إلى حتفهما، مقابل أن تصل الرسالة لتعلن عن ميلاد نزلاء جدد قادرين على الانتصار للقيم الإنسانية التي افتقدوها، بعد سقوطهم ضحايا لغريزة البقاء، ونزعة سفك دم الآخر من أجل الاستمرار في العيش حتى إن كان في قبو مظلم. ولأن الهذيان يعكس ما وراء الواقع المفكر فيه ويتجاوزه ، فقد بدت صورة الطفلة، التي ظلت أمها تبحث عنها، كرمز للأمل ورسالة ملاك.

*كاتب مغربي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي