سمرقند.. "الياقوتة" ‏الراقدة على ضفاف نهر زرافشان

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-05-30 | منذ 10 سنة
سمرقند: ياقوتة المدائن

سمرقند- تقع سمرقند في بلاد ما وراء النهر وتعد من أقدم مدن العالم، وهي اليوم ثاني مدن جمهورية ‏أوزبكستان في الاتحاد السوفياتي سابقا، وقد كانت عاصمة بلاد ما وراء النهر لمدة خمسة قرون ‏منذ عهد السامانيين إلى عهد التيموريين.

وقد أطلق عليها الرحالة العرب اسم "الياقوتة" ‏الراقدة على ضفاف نهر زرافشان. وهي المنافسة التاريخية لبخارى، وهي العاصمة الرائدة ‏التي أعدها تيمورلنك لتحتل الصدارة في عهده.‏

ولقد كانت سمرقند وبخارى أهم حاضرتين فيما وراء النهر "الصغد وما وراء النهر" وتقوم ‏سمرقند على الضفة الجنوبية لنهر الصغد "وادي الصغد، زرافشان" في موقع عرف بأنه جنة بحق.‏

وقد تعرضت سمرقند عبر تاريخها لويلات وكوارث عديدة كان أهمها: تدمير الإسكندر لها عام 329 ‏قبل الميلاد، وكانت تعرف وقتذاك باسم "مرقندا". والمرة الثانية التي تعرضت فيها للتدمير ‏كانت في عهد جنكيزخان عام 617هـ/ 1220م.

أما التدمير الثالث فكان على أيدي الأوزبك ‏حوالي منتصف القرن التاسع الهجري/ القرن الخامس عشر الميلادي. وكانت قبائل الأوزبك حتى هذه ‏الفترة لم تعتنق الإسلام. ‏

وقد احتل الإسكندر مدينة سمرقند عدة مرات إبان قتاله مع السبتاميين وسواها بالأرض هذا ‏ما جاء في إحدى الروايات في حين تذكر بعض الروايات أن الإسكندر هو منشئ هذه المدينة. ‏

وكانت سمرقند في عهد القواد الذين تنازعوا ملك الإسكندر بعد تقسيم عام 323 قبل الميلاد ‏تابعة لولاية بلخ بصفتها قصبة الصغد، وقد وقعت في أيدي السلوقيين هي وبلخ عندما أعلن ‏ديودوتس استقلاله، وتأسست المملكة الإغريقية البلخية في عهد أنطيوخس الثاني ثيوس، ومن ثم ‏أصبحت معرضة لهجمات برابرة الشمال.

وغدت سمرقند من ذ لك الوقت حتى الفتح الإسلامي منفصلة عن إيران من الناحيتين التاريخية ‏والاقتصادية وإن ظل التبادل الثقافي بينها وبين البلاد الغربية متصلا. وكانت فتوحات ‏المسلمين لمناطق وراء نهر جيحون قد بدأت منذ عام 46هـ/ 667 م، ولم يبدأ المسلمون توغلهم ‏فيما وراء النهر توغلا منتظما إلا بعد أن عين قتيبة بن مسلم واليا على خراسان حيث وجد ‏طرخون حاكما على مدينة سمرقند. ‏

وفي عام 91هـ/ 709م تصالح طرخون مع قتيبة على أن يؤدي الجزية للمسلمين ويقدم لهم الرهائن ‏غير أن ذلك أغضب رعاياه فخلعوه، وحل محله إخشيذ غورك، واسمه بالصينية أو -لي- كيا، ولكن ‏قتيبة أجبر إخشيد على التسليم في عام 93هـ/ 712م بعد أن حاصر المدينة وقتا طويلا. وقد ‏سمح له بالبقاء على العرش، ولكن أقيم في المدينة وال مسلم ومعه حامية قوية. ‏

وغدت سمرقند هي وبخارى قاعدة للفتوح الإسلامية الأخرى ونشر الإسلام في البلاد، وهو أمر كانت ‏تزعزعه في كثير من الأحيان الفتن التي تثيرها مماحكات الولاة التي أشاعت القلاقل فيما وراء ‏النهر في العقود الأخيرة من عهد الأمويين. ‏

وفي عام 204هـ/ 819م تولى أبناء أسد بن سامان سمرقند بأمر من الخليفة المأمون العباسي، ‏وظلت منذ ذلك الحين دون أن تتأثر بفتن الطاهرية والصفارية في أيدي بيت سامان إلى أن قضى ‏إسماعيل بن أحمد على سلطان الصفارية عام 287هـ/ 900م، وأسس الدولة السامانية فأتاح ‏بذلك لما وراء النهر قرنا من الرخاء والازدهار لم تر له مثيلا إلا بعد ذلك بخمسمائة سنة ‏أيام تيمور وخلفائه المباشرين. وقد ظلت سمرقند محتفظة لنفسها بالمكانة الأولى بصفتها مركز ‏التجارة والثقافة وخاصة في أنظار العالم الإسلامي حتى بعد أن انتقلت القصبة إلى بخارى. ‏

وقد حكم القراخانية سمرقند بعد سقوط الدولة السامانية "الإلكخانية"، ففي عام 495هـ/ ‏‏1102م كان أرسلان خان محمد القراخاني صاحب السلطة على سلجوق سنجر وظلت سلالته قابضة ‏على السلطة إلى أن أصبح القرة خطاي أصحاب الكلمة فيما وراء النهر بعد أربعين سنة، ‏عندما انتصر القرة خطاي انتصارا كبيرا على سنجر في قطوان عام 536هـ/ 1141م. ‏

وفي عام 606هـ/ 1209م هزم خوارزمشاه محمد بن تكش الكورخانية وحاصر جنكيزخان خصم ‏خوارزمشاه المخيف، سمرقند بضعة أشهر بعد أن عبر نهر سيحون في طريقه من بخارى التي دمرها ‏تدميرا تاما.

ومن حسن حظ هذه المدينة أنها سلمت في ربيع الأول عام 617هـ/ مايو 1220م. ‏وسمح لعدد من أهلها بالبقاء فيها تحت حكم وال مغولي وإن كانت قد نهبت وطرد الكثير من ‏سكانها. ‏

وكانت سمرقند في المائة والخمسين سنة التالية صورة باهتة لما كانت عليه من عز ومكانة. ‏وبدأت المدينة تنتعش عندما أصبح تيمور لنك حوالي عام 771هـ/ 1369م صاحب الكلمة العليا ‏فيما وراء النهر.

واختار سمرقند قصبة لدولته الآخذة في النمو باستمرار، وراح يزينها ‏بكل آيات الروعة والفخامة. وقد جمل أولغ بك حفيد تيمور هذه المدينة بقصره المسمى "جهل ‏ستون" كما شيد بها مرصده المشهور. ‏

وقد استولى تيمور لنك على سمرقند لأول مرة عام 906هـ/ 1497م. واحتفظ بها بضعة أشهر، وفي ‏عام 909هـ/ 1500م. استولى عليها منافسه تيمور أوزبك خان شيباني، وبعد وفاة أوزبك ‏تحالف بابر مع إسماعيل شاه الصفوي فأفلح في الظفر مرة أخرى بفتح ما وراء النهر واحتلال ‏سمرقند، ولكنه اضطر في العام التالي إلى الانسحاب انسحابا تاما إلى مملكته الهندية تاركا ‏الميدان للأوزبكيين ولم تكن سمرقند في عهد الأوزبكيين إلا قصبة بالاسم دون الفعل، ذلك أنها قد ‏تخلفت كثيرا عن بخارى. ‏

وقد تقدم الإسلام من هذه البلاد إلى الصين والهند وروسيا ذاتها، حتى إن الأراضي الروسية ظلت ‏خاضعة للسيطرة التترية الإسلامية لمدة ثلاثة قرون، بل كان دوق موسكو يدفع الجزية سنويا ‏لأمير بخارى. ‏

ولكن قياصرة روسيا سرعان ما استردوا هذه المناطق الإسلامية وسقط أول حصن إسلامي وهو حصن ‏آق مسجد في بلاد ما وراء النهر بيد الروس عام 1268هـ/ 1852م.

وفي منتصف القرن السادس عشر وبينما كانت الدولة العثمانية تهدد وسط أوروبا وتزحف إلى ‏إفريقيا وآسيا، كانت روسيا القيصرية تهاجم المناطق الإسلامية حتى سقطت قازان في منطقة ‏الفولغا، وبعدها دولة خانات ستراخان ثم مملكة سيبير المسلمة في سيبيريا.

ثم اتجهت الجيوش ‏الروسية إلى الجنوب إلى تركستان في القرن التاسع عشر. وتساقطت الخانات فيما وراء النهر ‏الواحدة تلو الأخرى، حتى زحف ثمانية آلاف من جيوش الروس نحو سمرقند وعبروا نهر زارافشان في ‏‏13 أيار/ مايو عام1285هـ/ 1868م وسيطروا عليها في اليوم التالي، ودخل القائد كاوفمان ‏العاصمة التيمورية القديمة، وكانت في ذلك الوقت في أيدي مظفر الدين أمير بخارى.

وحين قام النظام الشيوعي عام 1342هـ/ 1923م في روسيا صارت سمرقند ضمن جمهوريات الاتحاد ‏السوفياتي السابق حتى انهياره عام 1412هـ/ 1991م فصارت إحدى مدن جمهورية أوزبكستان ‏المستقلة. ‏

* أهم معالمها
‏1 - الأسوار: كان يحيط بمدينة سمرقند سورا عظيما تفتح منه أربعة أبواب رئيسية هي تباعا: ‏باب الصين: وهو في شرق المدينة، وقد أقيم تخليدا لذكر الصلات القديمة مع الصين الناجمة من ‏تجارة الحرير، وباب بخارى: وهو في شمال المدينة، وقد وجدت كتابة بالعربية اليمينة الحميرية ‏عند باب بخارى هذا نصها: "بين المدينة وبين صنعاء ألف فرسخ وبين بغداد وبين أفريقية ألف ‏فرسخ، وبين سجستان وبين البحر مائتا فرسخ، ومن سمرقند إلى زامين سبعة عشر فرسخا".

وباب ‏النوبهار: ويقع في جهة الغرب ويشير هذا الاسم إلى معبد قد يكون بوذيا. والباب الكبير أو ‏باب كش: ويقع في الناحية الجنوبية و يرتبط باسم بلدة كش موطن تيمور الأصلي. ‏

‏2 - المساجد: من أهم معالم سمرقند الأثرية التي تشهد على تاريخ المسلمين في سمرقند المساجد ‏الكثيرة التي حول بعضها إلى متحف لتاريخ الفن والحضارة في أوزبكستان ومن هذه المساجد: ‏المسجد الجامع: الذي شيد في أواخر القرن الرابع عشر في شرق ميدان ريكستان، ويطلق عليه ‏اسم مسجد بي بي خانم زوجة تيمورلنك الكبرى.

ويذكر بأن تيمورلنك هو الذي وضع أسس المسجد ‏في أعقاب حملته الناجحة على الهند. وفي الجانبين الشمالي والجنوبي من المسجد يقوم مسجدان ‏صغيران لكل منهما قبة تواجه الأخرى. ‏

ولقد اقترن بناء المساجد في سمرقند بالأضرحة فهي تمثل سمة مميزة للمدينة، إلا أن أبرز ما ‏فيها هو الناحية الجمالية التي تتمثل في القباب المزخرفة وهي نموذجا فريدا من الفن ‏الإسلامي المشرقي. ‏

‏3 - منشآت شاه زنده: وهي تتضمن الكثير من المؤسسات والآثار الإسلامية منها: ضريح قثم بن ‏العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قيل بأنه استشهد في فتح ‏سمرقند عام 57 هجرية.

وأقيم له ضريح على غاية من الروعة والجمال، غير أن تاريخ البناء ‏الموجود حاليا يعود لعام 753 هجرية، وهو قد يكون تاريخ تجديد الضريح، ويضم الضريح ثلاث ‏قاعات ومسجد وغرفة للعبادة والاعتكاف. ‏

ولقد تحول شاه زنده بعد ذلك إلى مجموعة من الأضرحة والمنشآت الدينية. وكان ذلك كفيلا بأن ‏يوفر للأضرحة المقامة حول ضريح قثم وللمساجد أسبابا عديدة للعناية بها والإنفاق الكثير ‏عليها، جعلت منها قطعا فنية رائعة، واجتمعت لأجلها قدرات أمهر الفنانين والبنائين في ‏عهد تيمورلنك وبعده، حتى أصبحت مجموعة "شاه زداه" من أهم التراث المعماري الفريد في ‏آسيا. ‏

ومن المنشآت المميزة في منطقة "شاه زنده" مجموعة كاملة من المباني أنشئت بأمر من الأميرة ‏‏"ترمان آقا" زوجة تيمورلنك، وتضم مسجدا "خانقاه" وضريح "ترمان آقا" الذي لا يقل روعة ‏وجمالا عن أي ضريح آخر في "شاه زنده" بل ويزيد عليها جميعا ببوابة مكسوة بالفسيفساء ليس ‏كمثلها بوابة أخرى. كما تضم هذه المجموعة حجرة متوسطة للخدمة. ‏

‏4 - الأضرحة: ضريح الإمام البخاري الواقع في ضاحية سمرقند عند مشارف قرية باي أريق حيث ‏دفن هناك بعد وفاته في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي عن اثنين وستين سنة، وذلك ‏بعد هجرته من بخارى، ودفن إلى جواره عدد من علماء بخارى.. وقد أقيم بالقرب من ضريحه قبل ‏سنوات قليلة مسجد حديث في أواخر السبعينات من هذا القرن.

وقبر تيمورلنك، حيث يتميز ‏بقبته الباهرة التي تعلو الضريح. وهي قبة فيروزية مضلعة ومكسوة بكم هائل من زخارف ‏الفسيفساء.

ويسمى هذا الضريح باسم كور أمير أو مدفن خلفاء الأمير تيمور. وكور أمير يطلق ‏أيضا على مجموعة من المباني المرتبطة باسم حفيد تيمور المعروف باسم محمد سلطان وتضم هذه ‏المجموعة مدرسة خانقاه، والضريح الملحق بالمسجد، ومبان عديدة تطل على مئذنة من كل ركن ‏فيها.

كما يتميز البناء بوجود حجر المرمر الرمادي السداسي الشكل وهو حجر العرش الذي ‏لا يزال يطلق عليه الاسم التقليدي له "كوك طاش". وضريح "طوغلوتكين" إحدى الأميرات ‏المغوليات. وإلى جواره ضريح آخر عرف باسم "أمير زاده". وبجانبه مصلى صغير اسمه "زيارة ‏خانه" غطيت جدرانه بنقوش كثيفة تلمع رغم الظلام النسبي الذي يسود المكان.

وهناك ضريح ‏هام بمثابة تحفة معمارية وفنية هو ضريح الأميرة شيوين بيكه آقا شقيقة تيمورلنك. كما ‏يوجد ضريح آخر لشقيقة أخرى لتيمورلنك هي الأميرة تركان آقا. وتوجد أيضا مجموعة من ‏الأضرحة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي عندما اختار تيمورلنك سمرقند عاصمة له. ‏

‏* الأسواق: اشتهرت سمرقند عبر التاريخ بالعديد من المنتجات الوطنية مثل المنسوجات ‏والسجاد، إلا أن أشهر ما عرفت به سمرقند هو "الورق السمرقندي" وقد نقلت سر صناعته عن ‏الصين.

ولهذا الورق شهرة خاصة تميزت بها سمرقند عبر التاريخ. ولقد بدأت هذه الشهرة عندما ‏قام أهل إقليم بخارى بثورة في عهد أبي مسلم الخراساني فبعث بحملة قوامها عشرة آلاف رجل ‏بقيادة زياد بن صالح حيث قضى على الثورة في مدينة بخارى واستمر في زحفه إلى أن أخضع أيضا ‏ثورة سمرقند التي كان الصينيون يساندون الثوار فيها ضد العرب المسلمين.

وقد وقع الكثير من ‏الصينيين في الأسر وخيروا بين الرق أي العبودية وبين الحرية إذا علموا المسلمين حرفة فآثروا ‏العتق وعلموا المسلمين من بين ما علموهم صناعة الورق ومع مضي الزمان تقدمت هذه الصناعة ‏باستخدام الكتان والقطن في صناعة الورق الأبيض الناعم الجميل الذي وجد سوقا رائجة في ‏مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في عاصمة الدولة العباسية بغداد فالورق صفحة من صفحات ‏الفخر للإسلام والمسلمين فالورق كان معروفا في جنوب شرق آسيا إلا أن العالم لم يعرفه سوى ‏بعد أن تعلمه المسلمون وانتقل من بلادهم إلى العالم كله. ‏

وقد أنشئ أول مصنع للورق في بغداد حاضرة الخلافة العباسية بعد نصف قرن من إقامة مصانع ‏الورق في سمرقند. وقد ازدهرت هذه الصناعة في سمرقند أيما ازدهار ثم بدأ الصراع بين الورق ‏المصري الذي كان يطلق عليه القراطيس أو القباطية وبين ورق سمرقند الذي كان يطلق عليه ‏الكاغد أو الرقوق الرومية. ولكن الكاغد السمرقندي تفوق على كل هذه الأنواع ولاقى ‏رواجا عظيما حتى عطلت قراطيس مصر والجلود التي كان الأوائل يكتبون عليها. ‏

 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي