الروائيون اليمنيون الشباب... حكايات من الجنوب العربي

رمان
2021-02-07

أحمد مجدي همام*


كانت الرواية التاريخية «وا إسلاماه» لعلي أحمد باكثير (1910 – 1969) من ضمن مقررات منهاج الثانوية العامة المصرية الذي درسته، وكانت مفتتح تعرفي مراهقًا على السرد اليمني، وعلى الرغم من كونها رواية تاريخية، لا تحمل قدرًا كبيرًا من الابتكار، إلا أنني كنت متأثرًا بها، ربما بحكم حداثة عمري حينها. بعد ذلك بسنوات قليلة، وقعت في يدي رواية «الرهينة» للروائي اليمني زيد مطيع دمّاج (1943 – 2000)، ويمكن القول إن «الرهينة» كانت التعارف الأكثر نضجًا وصدقًا بيني وبين عوالم السرد لقادمة من جنوب شبه الجزيرة العربية.
تعاقبت علي بعد ذلك الروايات اليمنية، فاكتشفت علي المقري ووجدي الأهدل وحبيب عبد الرب سروري، ثم جاءت الأقلام الشابة لتواصل الرحلة، فظهرت على الساحة أسماء مثل عبد الله ناجي وسمية طه وبسام شمس الدين...

«رمّان» تحتفي في هذه المساحة – ضمن سلسلة حلقات تسلط الضوء على الروائيين الشبان من مختلف البلدان العربية - بمجموعة من الأصوات الروائية اليمنية الشابة، ممن يواصلون الكتابة رغم كل الظروف الصعبة في الداخل اليمني والمعوّقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها تعطيل مسيرة الكاتب.

ستة أصوات شابة تطرح شهاداتها حول الكتابة الروائية وأسئلتها وهمومها، يكشفون أحلامهم وهواجسهم. يحللون تجاربهم، ويطرحون مسيراتهم وخطاهم ويشرحون مدى الارتباط بين كل منهم وهذه الغواية التي لا فكاك منها.. المسماة بـ«الكتابة».


تقديم لعلي المقري: جيل تأسس على فضاء ثقافي مفتوح



سيكون من الملفت أن أقوم بتقديم روائيين لم يكونوا بحاجة إلى تقديم أحد، لكنّها إرادة الصديق الروائي أحمد مجدي همام الذي اقترح كتابة هذه السطور. فالأعمال التي قرأتها للصديقات والأصدقاء (عبدالله ناجي، ريان الشيباني، سمية طه، بسام شمس الدين، طلال قاسم، أسماء سليمان) تقدّم نفسها بكل ثقة، ولعلّ شهاداتهم هنا تعكس هذه الثقة والدُربة إضافة إلى الشغف بمواصلة الكتابة بالرغم من كل المعوقات، وهو شغف لم يكن ملحوظاً لدى معظم أدباء الأجيال السابقة في اليمن.

هناك سؤال يبرز باستمرار في ذهني كلّما فكّرت في مسألة الكتابة وهو: ما الذي يمكن أن يضيفه كاتب الرواية المعاصر إلى المنجز الروائي العالمي الضخم، تجربة سيرفانتس ودون كيشوته، رواية ديدرو وجوته في القرن الثامن عشر، رواية القرن التاسع عشر: فيكتور هيجو، تشارل ديكنز، بلزاك، إميل زولا، دستويفسكي. وصولًا إلى رواية القرن العشرين مارسيل بروست، فلوبير، جويس، وليم فوكنر، فرجينا وولف، كافكا وماركيز؟ وإذا كان جيلي القرائي قد واجه الكثير من الصعوبات للحصول على الكثير من الأعمال الأدبية المهمة فإن هذا الجيل يتأسس على فضاء ثقافي مفتوح صارت فيه الكتب ووسائل المعرفة متوفرة بشكل كبير، وهو فضاء يستطيع فيه الروائي أن يتتبع خبرات فن الرواية وتراكمها التاريخي الجمالي وبالتالي يختبر تجربته مقارنة بتجارب الآخرين. ومسألة الكتابة، كما تبدو لي، تتعلّق بحرّية التعبير ولا تقتصر على الوجهة السردية التاريخية التي ذكرتها هنا، أي أننا في الأخير لا نستطيع أن نفضّل وجهة سردية على أخرى إلاّ من باب الخصوصية القرائية التي تختلف من شخص إلى آخر، فهناك روايات كتبت للتسلية، روايات بوليسية وغرامية، وأخرى أيديولوجية تعليمية أيضاً، وبعضها منتشرة بشكل ملفت. هل ذهبت بعيداً عن فكرة التقديم؟ نعم، فأنا أظن أن كل جيل لديه خبراته الثقافية وحساسيته الإبداعية الخاصة، لهذا فهو حين يقدّم نفسه يقوم أيضاً بتقديم الأجيال السابقة له من خلال قراءته المتفحصة لتجاربهم ونقدها، وليس العكس. لهذا، ما زلتُ أعتبر نفسي من هذا الجيل الذي يكتب الآن وغداً، الجيل الذي يقدّم نفسه ويقدّمنا.

الروائيون الشباب:

عبدالله ناجي: أكتب وإن لم تتحرك أصابعي

شاعر وروائي يمني من رواياته: «منبوذ الجبل» و «حارس السفينة»


كأن تسير في طريق موحش وبارد ومليء بالخوف. ثم تجد ملاذا صغيرا. صغيرا بحجم جسدك، ولكنه قادر على منحك الأمان والدفء، هذا ما تفعله الكتابة لي في هذا العالم. وإذا كنت سأتحدث عن سرّها معي فإن بإمكاني البدء بتلك الكلمات التي خططتها في الصفحة الأخيرة من روايتي الأولى «منبوذ الجبل». حين بدأت أشعر بأن الكتابة تنمو مثل نمو الأشجار -ولا يمكن إيقاف شجرة إذا بدأت في النمو- كان كل ما عليّ فعله هو إرواء تلك الشجرة، وفي مرحلة ما ستتحول الكتابة إلى شيء مقدس. أدركت حينها ماذا كانت تعني مقولة ول ديورانت في قصة حضارته "بديهي أن الكتابة كانت في مراحلها الأولى شيئًا غامضًا مقدسًا، ولفظة (هيروغليف) معناها نقش مقدس".

لقد بدأت أتلمس ذلك النقش، وأتصل بمعناه بشكل روحي عبر دائرة الوجود الكبيرة، لقد نبتت شجرة المعرفة داخل روحي، وبدأت تصعد بي إلى الأبدية! وفي لحظة مكاشفةٍ خاطفة، شعرت بأن عقلي لم يكن صفحة بيضاء كما يقول الفلاسفة التجريبيون. لقد جئت إلى الوجود، ولكن عقلي قد سبقني إليه بآلاف السنين.

وأنا أُقلب تلك السنوات الهائلة، شعرت بأن علاقة جديدة ولدت بيني وبين الكتابة، أن حياة أخرى بدأت تتكشف لي، كان الخيال هو طريقي إلى الكلمات، وكانت الكلمات هي طريقي إلى تلك الحياة الأخرى، لم تعد الكلمات مجرد أداة للتعبير، بل أصبحت عالمًا موازيًا، يمور بكل ما تحويه النفس البشرية والعالم الواقعي من أفعال وانفعالات وأحاسيس وأماكن وأزمنة، ومن يومها أصبحت كثير التردد إلى ذلك العالم، الذي لا حدود فيه بين الواقع والخيال، ليس من أجل الكتابة وحدها، بل من أجل الحصول على المزيد من اللذة، أدركت حينها لماذا كان الأعمى خورخي لويس بورخيس يرى الجنة على شكل مكتبة، إنها اللذة المدسوسة بين الأسطر وفي الكلمات، والمتعة اللامتناهية التي تتدفق من صفحات الكتب إلى ذهن وروح وجسد الكائن الحي، لتمنحه حياة أخرى، بل حيوات أكثر من عمره وأعمار مئات وآلاف البشر، وتصله بمن قبله ومن بعده.

كل كلمة جديدة هي عمر كامل، وتاريخ يضاف إلى سجل تاريخه النفسي والروحي، وأنا قد بدأت في تدوين تاريخي النفسي والروحي منذ اللحظة التي عثرت فيها على الكلمات، لقد كانت مخبأة في مكان ما من هذا الكون، كائن ما خبأها في ذلك المكان، ولم يأذن لأحد بالوصول إليها إلا بعد رحلة نفسية وروحية طويلة، قد أكون واهمًا حين أقول لنفسي بأنني قد وصلت إليها، ولكن اللذة التي أشعر بها وأنا ألامس الكلمات بأصابعي، وأتذوقها بشفاهي، وأتشربها بروحي كانت كافية لإبعاد ذلك الوهم، إن كان وهما فعلًا. ما أشعر به هنا، في منتصف صدري، ما يتردد بين عقلي وروحي، وما تفيض به غرف القلب من مشاعر، هي الحقيقة الوحيدة في هذا الكون الذي أعيشه، وأتلمس جدرانه كطفل بدأ يقف على قدميه للتو، محاولًا المشي واكتشاف العالم من حوله. وكل ما عدا تلك المشاعر يظل في دائرة الحدس.

ومنذ تلك المكاشفة لم أتوقف عن الكتابة. إن الكلمات والمعاني والأحدث والأفكار والقصص تجري في صفحات عقلي طيلة الوقت، فأنا أكتب وإن لم تتحرك أصابعي، وأروي وإن لم أحرّك شفتيّ.


ريان الشيباني: لا تُعجب بنفسك

روائي يمني من تعز. صدرت له رواية «نزهة الكلب»


أكتب لأنني أريد ذلك. عادة ما أجد الإجابة على مثل هكذا سؤال تذهب قليلاً نحو التجريد، لأن سؤال الحاجة في الكتابة معقد، ولا يسهل الذهاب للإجابة عنه، بوجهة نظر أحادية. منذ مراهقتي، وهي الفترة التي وعيت فيها إلى أن ما تحويه بطون الكتب، شيء بشري وغير خارق للعادة، بدأت الكتابة. لكن لأن مناهجنا الدراسية تتجه لتمجيد الشعر، على حساب السرد، دائماً ما نبدأ من المسالك الخطأ، وهذه السمة لا تبدو ملمحاً شخصياً، إذ كل كتّاب السرد اليمنيين بدأوا شعراء فاشلين.

لكن أيضاً، وفقاً لمقياس العمر الإبداعي لليمنيين، تبقى فترة أعمارنا العشرين، بالنسبة لنا الكتاب الشباب، فترة شعرية بامتياز، لأن تكويننا الثقافي، لا يذهب باتجاه الأجناس الأدبية الأطول نفساً وسياقاً، إلا متأخراً. لنا في ذلك أسبابنا، منها أننا ريفيون، حتى يتاح لنا، التعرف على المدينة، بما هي عليه، كمكتبة وكتاب، وقبل كل ذلك، سياق عيش طويل.

في البداية، يظهر الذاتي في الكتابة، وكأنه منتهى القصد، وهو برأيي تأثير سيادة الشعر علينا. لكن في رواية «نزهة الكلب»، اقتربت كثيراً من الذاتي ليس لأنني أعتقد بطغيان الذات على الموضوع، لا. فقط لأن القبض على لحظة مهمة مثل الإرباكات الأولى للحرب، تتطلب ممارسات يومية أقرب للذات، بحيث تستطيع معها أن ترفع السرد إلى مستوى آخر من الرمزية الموضوعية، دون أن تفقد التفاصيل حميميتها.

أنا شديد الحساسية تجاه ما أكتبه، وعادة لا تجلب لي الكتابة الشعرية حالة الرضا الكامل، وهي أحد الدوافع التي قادتني في السنوات الأخيرة لاعتناق السرد، لأن شعرية الصنعة هنا متعلقة بقالب الفكرة على سعتها، في مقابل الشعر وتفاصيل كتابته التي تتطلب سياقاً حياتياً غاية في الزهد والتأمل.

قبل أن أشرع بكتابة رواية «نزهة الكلب» في منتصف العام 2015، كنت قد شرعت قبلها بكتابة عمل سردي آخر «المأدبة»، بأصوات متعددة، لكني كنت متحمساً أكثر مما يجب، ولدي نزعة متطرفة تجاه زمن الحكاية واتصالها، وبعد أكثر من سنة من هذه التجربة، وجدت أنني لست بحاجة لكل تلك الأصوات، فطمستها جميعاً لصالح صوت واحد: الأنا. لكني وحتى الآن لازلت متهيباً نشرها، لكونها تطرق مسألة تقاليد تقديم الطعام وعلاقاتها بالسياسي والاجتماعي، من وحي تجربة شخصية ثرية.. الذاتي هنا، أصبح معيقاً نفسياً، مع تقدمي أكثر باتجاه أن أكون موضوعياً بشكل كامل في تجاربي الحالية والمستقبلية.

ما أنا فخور به الآن، على حداثة تجربتي، هو أنني بصدد إخراج عمل سردي، لا أقول تاريخي، لكنه يطرق زمنياً الفترة من بداية القرن العشرين وحتى منتصفه، مع وجود قالب زمني معيّن وعهدين سياسيين واضحين، إلا أن تقنية السرد، وشعرية الأحداث، يقدمان تجربة أعتقد أنها فريدة في السرد اليمني.

دائماً، ما أقول، أن أكبر صخرة كئداء أمام الكتاب اليمنيين الشباب، وقد يكون العرب، هو إعجابهم بأنفسهم. إن تحاشي وقوع الروائي في غرام عمله، صفة قمينة، بالبحث عن كل جديد من طرائق الكتابة وأساليبها. لهذا، كنت دائماً ما أعتقد، أن قول الروائي المعروف غابريل غارسيا ماركيز "لا أقرأ الكتب التي أصدرها"، ليس فقط، مثلما يقول لكي لا يعود للتعديل عليها، وإنما أيضاً لكي لا يقع في غرام ما يكتبه، فيشعر بالاستغلاق والحبسة. الشيء الآخر المعيق، هو لجوء الكُتاب الشباب لاعتبار الانفعال الذاتي منطلقاً للتجربة الإبداعية السردية، ما يجعل الروايات قطع مملة من التداعي النفسي الحر، أو مواقف مقولبة ولا يجمعها سياق عام طويل، وفقط دفقات عاطفية محكومة بجلسات مضغ القات، وطقوسها، على الأقل بالنسبة لبعض اليمنيين.


سمية طه: كحاجة المريض إلى دوائه

روائية وقاصّة يمنية صدرت لها رواية «المشرحة»


لأني طفلة خائفة كانت الكتابة هي الطريقة الآمنة للتعبير عني وعن مخاوفي وأفكاري، وباكرا منذ لحظات اتصالي بالقراءة في سن السادسة، نشأ حب الكتابة معها، إذ أتذكر محاولاتي الأولى لكتابة قصائد طفولية في سن الثامنة، عرضتها على خالتي التي عادت من ألمانيا في وقتها، ثم محاولات قصص أطفال مصورة في سن العاشرة رسمتها وكتبت حواراتها في كراسة الرسم، كلها كانت محاولات تنفس ونطق للكلمات التي لم يكن بالإمكان أن تقال خوفًا من العقاب أو الانتقاد أو السخرية! لاحقًا في مراحل دراستي الثانوية أثمر انغماسي بالقراءة في نصوصٍ أدبية أقرب لنضج أسلوبي الأدبي، واتضح شغفي بالكتابة، وباتت أمامي صور كتابٍ أعجبت بهم آنذاك كمثلٍ عليا، أحلم أن أكون مثلها يومًا، نجيب محفوظ و نجيب الكيلاني وأجاثا كريستي وغيرهم. وصار اهتمام والدتي الأدبي حافزًا إيجابيًا لي، إذ أنها كانت مولعةً بالقراءة والأدب والكتابة.

في الحقيقة استمرت الكتابة تؤدي الغرض ذاته الذي بدأت بها من أجله، كنت لا أزال شابة صموتة يشلني الخوف عن الكلام، لا أحد يعرف ما يدور برأسي دون قراءة ما أكتبه، ولذا بقيت أكتب لأعوام، وأعود بعد انقطاعات، كثيرة، تربطني بالكتابة علاقة حاجة؛ أشبه بحاجة المريض لدوائه. وبرغم تغير علاقتي بالكلام في الأعوام الأخيرة، فالمقربون مني يعرفون أني لا أتحدث بوضوح كتابتي ولا أرتب أفكاري بالطريقة نفسها!

بدأت النشر في المجلات والصحف في سنواتي الأخيرة من المدرسة الثانوية، وبشكل متقطع نشرت خلال دراستي الجامعية، ولاحقًا في وقتٍ متأخر نشرت أول كتبي «امرأة ظلّ الياسمينة - رسائل أدبية»، ثمّ رواية «المشرحة» ضمن تدريب في محترفات نجوى بركات برعاية آفاق للثقافة والفنون، وأخيرًا مجموعتي «سبع نساء ونصف» بمنحة من المورد الثقافي. وبالرغم من أنه ليس بوسعي التخلي عن الكتابة، حتى مع فترات الانقطاع الطويل عنها، ثم العودة إليها؛ إلا أنّي لا أشعر أني قد كتبت النصّ الذي أشعر بالرضا عنه، والامتلاء به! إلى أين ستأخذني الكتابة؟ أم إلى أين سأمضي بها؟ لست متأكدة تمامًا.

ما آمله أن يكون بإمكاني تحويلها من هواية إلى عملٍ يومي، وشغف مستمر، أن آخذها إلى نصوصٍ جميلةٍ تليق، وأن تأخذني إلى عوالم جديدة وتفتح لي آفاقًا واسعة. معجبة أنا كالكثيرين بكتابات دستويفسكي، وأعده أبا روحيا للرواية عالميا، ولكن بالتأكيد قرأت لآخرين أثاروا دهشتي على مر الأعوام، لا تحضرني جميع الأسماء لكن هذه بعضها: إيزابيل الليندي، بهاء طاهر، أغوتا كريستوف، كارولوس زافون، توني مكغواير، هاروكي موراكامي وغيرهم كثير. أفضل قراءة الروايات على الألوان الأدبية الأخرى، وأتمنى أن تكون المجال الذي أنتج فيه أعمالا جديدة قريبًا.


بسام شمس الدين: أي طاقة شيطانية تملكتني لأنسج كل ذلك السرد المتراكم؟

روائي وقاص يمني صدرت له العديد من الروايات منها: «الطاووسة» و«نزهة عائلية» و «رجل غاضب»


حين شرعت في الكتابة، بدأت بقصة قصيرة اسمها «جنون الريف» عن فتاة ريفية وحبيبها القروي الذي يريد أن يسافر إلى المدينة وهي تحاول أن تستبقيه قريبا منها، وتمطره بالرسائل، لم أعد أذكر الكثير من تفاصيلها لأنها ضاعت بين أوراقي، لم أكن أظن أني سأصبح كاتبا يوم ذاك، فقط كتبتها من أجل فتاة صغيرة كانت تشغل حيزا كبيرا في ذاكرة قلبي، وتراكمت بضع قصص أخرى في حجرتي، وفي إحدى هذه القصص استرسلت في الكتابة ووجدت نفسي استفيض في كتابة تفاصيل كثيرة، وفوجئت بامتلاء الدفتر الأول، ومازال فيض الأحداث يتوالى، وأضفت دفترين آخرين، وحين طبعتها فوجئت بأنها صارت بحجم كبير، وحتى ذلك الحين لم أكن أدرك أنني كتبت رواية، أخذت ذلك المخطوط وذهبت به إلى المدينة، وفي ذلك العام 2004، كانت صنعاء عاصمة الثقافة العربية، وسمعت عن لجنة تابعة لوزارة الثقافة تستقبل الأعمال من الكتاب ليتم نشرها ضمن مشاريع النشر في هذا العام، قدمت مخطوطي لأحد أعضاء اللجنة، وانتظرت بعض الوقت، ثم ذهبت بنفسي بعد أسبوع لأتابع مصير هذا المخطوط اليتيم، كنت أظن أن حياتي مرتبطة بهذا النص، ويجب أن أعرف ما قررت اللجنة بشأنه، واستطعت أن أتسلل إلى مقر اللجنة، وهناك وجدت المخطوط لدى الشاعر أحمد السلامي، كانت اللجنة قد تركت عليه بضع تصحيحات، ونصحني الشاعر المتميز أن أنجز هذه التصحيحات بنفسي وأعيد المخطوط، وفعلا قمت بذلك، وأعدت المخطوط إلى اللجنة، التي حولته بدورها إلى رزم الأعمال الجاهزة للنشر، أظن أن أحد أعضاء اللجنة أبدى استغرابه أن يقوم شاب صغير أتى من القرية بتقديم نص روائي دون أن يكون له أي أعمال قصصية سابقة أو شيء من هذا القبيل، كنت خائفا أن يكون قوله هذا سببا في إعاقة نشر مخطوطي، وحاولت أن أقول شيئا لأدافع عن نفسي، لكن رئيس اللجنة محمد لطف غالب قال لي: مخطوطك أجيز للنشر، اذهب، أو استدعي الشرطة. وضحك ليوحي لي بالمزاح، وبعد شهور طويلة رأيت روايتي الأولى «الطاووسة» منشورة كأول عمل لي، ولا شيء يضاهي فرحة الكاتب بالعمل الأول، توالت أعمالي الأخرى، الدائرة المقدسة، هفوة، ثم مجموعتان من القصص القصيرة، ثم روايات... «لعنة الواقف»، «نزهة عائلية»، «نبوءة الشيوخ»، «نهاية رجل غاضب».

الغريب في كل هذا أنني حين أقرأ أعمالي المنشورة أسأل نفسي، هل كتبت فعلا هذه الأحداث الغريبة؟ ما دفعني لكتابتها؟ أي طاقة شيطانية تملكتني لأنسج كل ذلك السرد المتراكم؟ وهذه التساؤلات قادتني إلى فكرة أن الكاتب يكون خارجا عن وعيه حين يمارس الكتابة، بمعنى أنه لا يتحكم بما يكتب، وكأن هذه النصوص كانت مختبئة بمكان ما في أعماقه، وتركها ببساطة تنساب على الأوراق، لا أعرف إن كانت تساور الكتاب الآخرين مثل هذه الظنون، لكن في حالتي، أمضي عاما أو أكثر في كتابة رواية كبيرة أو متوسطة، ثم لا أتذكر كيف كتبتها، ولا أعرف كيف واتتني القدرة على صياغتها، لكني على كل حال، أتلذذ بالكتابة واستغرق فيها إلى درجة الشعور بالثمل، وكلما انتقلت إلى عمل آخر شعرت بالصعوبة، لاسيما إن كنت أحاول أن أصنع شيئا جديدا مثيرا.


طلال قاسم: محاولة للزحف خارج رأسي

روائي يمني، من أعماله رواية «الواحد»


بالنسبة لي، لطالما كانت الكتابة طريقة فريدة وفعالة للتفكير والبحث وإسقاط أو إظهار المعرفة من داخل رأسي إلى خارجه. كما وصفتها ذات مرة بأن الكتابة محاولة للزحف خارج رأسي. وهكذا وجدت أن الكتابة تحمل الوعاء أو القالب الذي يحتوي شغفي للمعرفة بشكل عام وبشكل خاص. وكان اتجاهي لكتابة الرواية لنفس هذه الأسباب تقريباً حيث وجدت أن الرواية هي قالب خفيف وعميق وسهل وشيق لنقل المعرفة أو تلقي المعرفة. فمن خلال الرواية يستمتع ويندمج القارئ ويستطيع استيعاب المعارف في سياقاتها القصصية والروائية أكثر من أي قالب كتابي آخر. ولذلك كتابتي الروائية تحمل طابع معرفي أكثر من كونها تحمل طابع أدبي بحت. أحب المعرفة النفسية والفلسفية والفيزيائية والفكرية وغيرها من المعارف: لذلك أكتب لأعرف أنا نفسي أيضاً أكثر من خلال الإسقاط الكتابي والتفكير من خلال الكتابة وأقوم بنقل ما أعرفه للقارئ أيضاً.. وكل ذلك من خلال الكتابة بكافة أنواعها الممكنة بشكل عام والكتابة الروائية المعرفية بشكل خاص.

أما عن الهموم والأحلام فهي كثيرة لكن للأسف يتقاطع معها في أحيان كثيرة الواقع الصعب الذي نعيشه من حروب وصراعات في بلدي وفي الكثير من البلدان العربية. كل هذه الفوضى تجعلني وتجعل أي كاتب يشعر في أحيان كثيرة بنوع من العجز أو الحيرة فيما يمكننا تقديمه في واقع أصبح أصحابه بعيداً عن القراءة أكثر من السابق بسبب الحروب والأحداث المليئة بالصراعات مع السياسة والبنادق والحياة . لذلك هذا وباختصار ما يمكنني أن أقوله عن نفسي وعن أحلامي وأحلام غالب الكتاب اليمنيين والعرب التي تبدو أحلامهم مؤجلة إلى أجل غير مسمى. ومع ذلك ما زلنا نحاول أن نكتب وأن نكون لأن الكتابة بالنسبة لنا أسلوب حياة وجدنا أنفسنا فيه ومن خلاله رغم كل شيء. قد نشعر باليأس لأن بعض أحلامنا ستتأخر لكننا في الحقيقة لا نملك إلا أن نستمر ونحاول أن نتنفس بكل أسلوب ممكن ومتاح.


أسماء سليمان: مشردون يتقاسمون حظهم مع الكلاب الجائعة

روائية يمنية من أعمالها «سرير شاغر للموت»

الكتابة في بلد كاليمن شقاء، لا يضاهى، وباعتبار الكتابة مهنة شاقة يتضاعف الشقاء على الكتاب اليمنيين، كل شيء لدينا يكتسب معنى مغايرا للمألوف، ففي اللحظة التي تكون المعرفة والثقافة مصدرًا هامًا من مصادر الحضارة للشعوب تصبح في اليمن ترفًا زائدًا عن الحاجة، فالمعادلة لدينا: الكتابة أم القوت؟ لا توجد صناعة للكتب لدينا ولا أي وسيلة لحفظ الحقوق وهذا يجعلنا أشبه بالمشردين الذين يتقاسمون حظهم مع الكلاب الجائعة المشردة. لا يوجد أفق لأي كاتب هنا سوى أن يغادر هذا المكان ليستطيع الكتابة، إننا نموت ببطء والكتابة تموت ببطء والكتاب يموت ببطء.

أما عن الرواية وأفق كتابتها فإنني أرى أن في جعبتي الكثير من الحكايا، ولكنني أحتاج لمناخ ملائم لخلق شخوصي بل لخلق المسرح أولا، وهذا ما حرمتنا منه أطراف الصراع في اليمن، إننا في اليمن بحاجة للرواية، الرواية التي تتحدث عن المسكوت عنه، والمسكوت عنه في بلادي كثير، واليمن بذاته من البلدان المسكوت عن مأساتها. وهذا يحيلني، للحديث عن سؤال الكتابة بالنسبة لي، فأنا أكتب الناس لأنهم هم ما يحيط بي، إن النص بالنسبة لي هو انعكاس لما أراه وأعيشه، لست منكفئةً على نفسي ولست ممن يقولون بأن الكتابة فعل جواني يخص صاحبه وحسب. إن هذه السوداوية التي أعبر بها ليست افتعالا مني بقدر ما هي، رؤيتي للهاوية التي في آخر النفق. النفق الذي قيل لنا مرارا إن في آخره الضوء، لقد مررنا بمنحدراتٍ كثيرة وتفاديناها بمهارتنا ورغبتنا في البقاء، أما الآن فنحن نستسلم رغما عنا، رغما عن غريزتنا في البقاء، رغما عن رغبتنا في الحياة، رغما عن أي شيء، وكل شيء.

 

*روائي وصحافي من مصر

 مجلة رمان








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي