عُمان والخيل، علاقة عريقة

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-05-27 | منذ 10 سنة
العناية بالعاديات تراث وعادات لا تزال تتحرك في وجدان العمانيين؛ فالخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

مسقط - من د. حسين شحادة -  تعد سلطنة عمان من الدول الرائدة في مجال تطوير وحماية وإنتاج السلالات الأصيلة من الخيول العربية الأصيلة، ويمثل سجل السلطنة في هذا التخصص نموذجا مثاليا، وتمثل الخيالة السلطانية المحور الأساسي في تنفيذ السياسات والبرامج من أجل تكريس ثقافة الاهتمام بالخيول وتربيتها.

إن وجود الخيل العربية الأصيلة في السلطنة لا يقتصر على إشراكها في نشاطات الفروسية وأجندة الاحتفالات والعروض والمسابقات ولكنه يتجاوز ذلك إلى مستوى تحديد ووضع الإستراتيجيات طويلة الأمد للعناية بها، ولقد ساهمت البحوث والدراسات وآليات المتابعة والتقييم لكل الجزئيات التفصيلية في تبوء السلطنة مكانة رائدة لتحظى الخيول بالرعاية الشاملة والعناية المكثفة بما يليق بتاريخها وشخصيتها الجمالية، ولقد سخرت السلطنة وعبر العقود الأربعة الماضية مختلف الإمكانيات المادية واستثمرت التجهيزات البيطرية والفنية ووفرت الكوادر البشرية من أجل إنتاج وتربية السلالات الجيدة والممتازة والنادرة من الخيول العربية الأصيلة، وهذا الاهتمام المتعاظم أثار إعجاب الخبراء وعشاق الخيول، كما أكسب السلطنة سمعة عالمية في المحافل والفعاليات المتنوعة مما حدا بالمنظمات والهيئات العالمية إلى أن تتفاعل مع هذا الحب الكبير الذي تحمله السلطنة للخيول ممثلة في السلطان قابوس بن سعيد.

للسلطان قابوس علاقة عريقة مع الفروسية حيث يقول: "منذ طفولتي كانت لدي هواية ركوب الخيل، فقد وضعت على ظهر حصان وأنا في الرابعة من عمري، ومنذ ذلك الحين وأنا أحب ركوب الخيل".

كلمات معدودات تصهل بها ذاكرة السلطان التي تشتعل وهجاً كواحدة من القيم التي ترسل ضوئها في ثنايا المجتمع: زينة وكبرياء ومهارة وخيلاء وفن واقتدار وإقبال وإدبار وكرّ وفرّ ونواص معقود عليها الخير.

من هذا المنطلق يأتي الاهتمام بالخيل في السلطنة كواحدة من تلك الملامح التي يعتز بها العمانيون لما ترمز إليه الخيل من أصالة وافتخار، ولمكانتها وعلو قدرها عند المسلمين فقد ذكرها القرآن الكريم بقوله تعالى "وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا."

وقد اشتهرت عمان منذ القدم بتربية الخيول وتوليدها واقتنائها والاعتناء بها مما كان لخيلها وهى عربية أصيلة صولات وجولات. يذكر أن أول ما انتشر في العرب من الخيل هو المسمى "بزاد الراكب". ففي كتاب "أنساب الخيل" للكلبي ذكر أن النبي سليمان عليه السلام أعطى الأزد من أهل عمان فرساً من خيله، وذكره المسعودي في مروج الذهب .

وفى كتاب الشيخ سيف بن حمود البطاشي "ارشاد السائل الى معرفة الأوائل" أن "زاد الراكب" هو أول فرس استنتجه العرب، ومنه انجبت خيولها، وهى أول ما انتشر في العرب من أهل عمان، موضحاً أن من نسله جاء "الأعواج والوجيه وعراب ولاحق وسبل وأشقر مروان" وهي من فحول الخيل المشهورة.

ومن نسب الخيول يتضح جلياً أن العمانيين مولعون بتربية الخيل من زمن بعيد مما ساهم في تفننهم في أساليب تربية الخيل وترويضها وتدريبها على شتى أنواع السباقات ورياضات الفروسية المعروفة.

يوجد بالسلطنة حوالي 2000 رأس من الخيل تقريباً منها حوالي 350 من الخيول العربية الأصيلة و150 من الخيول المهجنة الأصيلة و1500 من الخيول العمانية الأصيلة.

وتعد سباقات الخيل من الرياضات المحببة عند العمانيين، حيث تقام سباقات سنوية للخيول مثل سباق الخيل السلطاني الذي تنظمه الاسطبلات السلطانية، وسباق الخيل بالولايات العمانية والذي يقام باستمرار على مدار العام وخاصة في المناسبات الدينية والوطنية.

ويمارس الفرسان العمانيون سباقات الصولجان والتقاط الأوتاد وسباق خيل العربات وقفز الحواجز والعرض والسير بالعربات.

ويولى السلطان قابوس الجانب المتعلق بتربية الخيل والحفاظ على أصالتها ورياضة الفروسية اهتماماً فائقاً. فقد تم انشاء المديرية العامة للاسطبلات السلطانية التابعة لديوان البلاط السلطاني التي تقوم بالاشراف على تربية الخيل وتوليدها بالأساليب العلمية الحديثة وفقاً للمعايير العالمية، بالاضافة الى تأسيس نادي سباق الخيل السلطاني الذي يتولى مهمة الاشراف على تنظيم وتطوير فنون فروسية الخيل، وتنظيم إقامة مهرجان الفروسية السلطاني الذي يقام كل خمس سنوات . كما أنها تقوم بتوزيع بعض الخيول للمواطنين سنوياً، خاصة فيمن يرى فيهم الاستعداد للاهتمام بالخيل.

هذا بالاضافة الى السباق السلطاني السنوي في ميدان نادي سباق الخيل السلطاني بمدينة العاديات المجهز تجهيزاً كاملاً للسباقات. ويساهم الاتحاد العماني للفروسية والهُجن بتنظيم السباقات المستمرة بهدف الحفاظ على هذا التراث الأصيل.

وتملك الاسطبلات السلطانية جل السلالات المعروفة في العالم من خيول السباق والاستعراض والقفز والصولجان والنشاطات الأخرى، بالاضافة الى أن تكوين فرقة الخيالة هو إحياء لتراث الفروسية العماني وتشجيع لطرق الامتطاء التقليدية التى تشمل ركض العرضة، الحيروب، والمهذاب والهمبل، وغير ذلك من فنون الفروسية التقليدية.

وبتوجيه من السلطان قابوس أنشئت دائرة توليد الخيول في صلالة حيث يتم التركيز على انتاج أحسن السلالات خاصة العربية منها. وتملك الاسطبلات السلطانية أعداداً كبيرة متنوعة من أحسن سلالات الخيل مثل العربي الأصيل والمؤصل والمهجن

وتتواجد الخيول بالاسطبلات السلطانية في كل من محافظة مسقط في مدينة العاديات، وصافنات الأراك بالرميس، وصافنات الساحل بالرميس، مرابط الوطية، وفى محافظة ظفار في مرابط القادحات ومزرعة أرزات.

والاسطبلات السلطانية عضو نشط في المنظمة العالمية للخيول العربية الأصيلة (واهو) w.a.h.o.، وكذلك تتعاون مع الهيئة الأميركية لتسجيل الخيول العربية الأصيلة (أهرا) a.h.r.a. وغيرها من المنظمات الدولية .

إن ارتباط اهل عمان بالخيول هو ارتباط جذري وعلاقة حب ووفاء تستمد قوتها وحيويتها من عقيدتهم الإسلامية ومبادئها التي أكرمت الخيل وعززت وجودها وأبرزت أداءها مما انعكس على تراث وعادات لا تزال تتحرك في وجدان العمانيين؛ لأن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

إن توجيهات السلطان قابوس أثمرت في توطيد العلاقة بين الإرث التاريخي والحضاري للخيول العربية وبين الإبداع الفني للفرسان، وهذه العلاقة المتوهجة لم تزعزعها مستجدات هذا الزمن الحافل بعناصر التكنولوجيا وتعقيداتها بل تم توظيف أحدث هذه المستجدات والعلوم والأدوات التقنية والعلمية والفنية من أجل استقراء التاريخ وبث الحركة والحياة فيه لتصبح ثقافة العناية بالخيول وأنشطة الفروسية تجديداً وانتماءً يشكلان ملحمة وإشراقة لخيول تتربى على أرض عمانية، فيشيد بها الفرسان والهيئات والمنظمات العالمية.
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي