الرواية هي إبراز الخلل وإظهاره في محاولة للتنوير .

 للكاتب والروائي راسم عبد القادر : أيام مملة ومستقبل مجهول ونوم غير منتظم في رواية " أصناموفوبيا"

2021-02-01 | منذ 5 شهر

قاسم ماضي *


دأب الكاتب والروائي العراقي " راسم عبد القادر"على حياكة ما يكتبه في أعماله الروائية والقصصية التي نشرها في عدة دور نشر عربية وعراقية ، وهو يعمل على منجزه الإبداعي بطريقة مغايرة عن الكثير من الذين سبقوه والذين زاملوه في هذا المجال الصعب من الكتابة ولأن أسلوب " الشللية " المتعارف عليه في معظم أوساط المثقفين من العرب وغير العرب يلعب دوراُ مهما فيما بينهم على أساس هذه الشللية وكما يقال "شيّلني وأشيلّك " من أجل تقاسم المنافع فيما بينهم ، ومن هنا يقول على لسان شخوصه .لمن أقرأ ولمن أكتب ؟ لا أحد يقرأ الآن ! ص179
وحتى لا يغيب عن بالنا وعن بال الكثير من المعنيين بالكتابة ، فالكتابة هي وظيفة أرشيفية تقوم بوظيفة الذاكرة فتخزن كلما يخص الإنسان .والمشتغلون في هذا المجال وأقصد "الكتابة الروائية " يعملون من أجل ردم الهوة الحاصلة بين الوعي واللاوعي في هذه الحياة .بإعتبارها هي جنس أدبي نثري ، يقوم على الحكي القصصي المرتكز على الخيال ، وتصدت الرواية لتلك الأحداث التي عاشها شعبنا العراقي بعد الغزو الأمريكي على شكل شخصيات معينة ومقسمة على أحداث رئيسية .
" ظهرت اليوم المعادن لبعض الناس " ص11
حياته اليومية ،وكذلك بياناته الشخصية ، والتي حرص عليها رغم تعب الحياة التي عاشها في بلده ، وأقصد هنا الروائي " عبد القادر " . وهو الداعي إلى تفعيل وتطوير شخصية الإنسان والنهوض به روحيا ً ونفسيا ، من خلال كتاباته التي تشكل لديه محطات هامة في رحلة الكتابة ، وهي متميزة بالموضوعات والثيمات التي تعالجها .
"المشكلة في أحزاب السلطة ذات التوجهات الدينية ص121
عايش تلك الأحداث بين ما حصل وبين المتخيل ،وهو ينصت بكل كيانه ، وتاريخه وذاكرته وأيامه الماضية ، وكذلك يهتم بتوظيف مفاهيم التداولية لضبط خطابه الروائي ، وهو بهذا استطاع أن يصوغها " القادر " في سرده الممتع والمفعم بالقيم الجمالية الخالية من الإسفاف والتشرذم ،ولم يتخل َ السارد " القادر " عن مظهره الجمالي في مجمل عوالم هذه الرواية " أصناموفوبيا"
"المتغيرات وفي كل الأزمان "ص5
وعدم تبعثر رؤاه التي حافظ عليها طوال نسيجه الروائي ، وهو متمرس بهذه الصنعة منذ انطلاق روايته الأولى المعنونة " دائرة الخوف " والتي صدرت عام 2012 ، والتي حولها من مبدأ أثارة الأسئلة التي تخص التعدد ، والتعايش ، والتنمية ، والحريات وحقوق الإنسان "إلى أن هناك ضرورة لازمة لعدم اعتبار أي دين أسير زمن نشوئه،فثمة عوامل تاريخية اجتماعية وثقافية تسهم بإنتاج مفاهيم جديدة للأديان ،تجعلها حية ومتفاعلة مع كل المتغيرات وفي كل الأزمان "
" لم تكن الأديان يوماً خياراً، هكذا وجدنا أنفسنا قد اخترنا وانتهى "ص61
وهو يضع نصب عينيه كل هذه الأسئلة ، محافظاً على منجزه الثري والمتعدد على الدوام لمراقبة ما يحدث في بلده ، حيث يرسم شخوصه التي عايشها من خلال واقعهم المشتعل بالطائفية التي أجّج جوانب كبيرة منها الاحتلال الذي إجتاح البلاد ، لهذا إنطلق " راسم عبد القادر " بشخوصه وهو يُعبّر عنهم تعبيرا دقيقا مدروسا وبشكل موضوعي دون تطرف أو إنتماء لعقيدة أودين، فهو مدرس مادة الكيمياء ودخل أثناء دراسته في مختبراتها كي يعطي دواءًا صالحاً إلى هذا العالم الضاج بالحروب والفتن ،فهو يعمل بحرص وجد , من أجل إشعال شمعة في وسط هذا الظلام ، وفي هذا المتخيل الواقعي في حدود ما هو واقعي ، وهو ما حصل ويحصل في هذا المجتمع .
" موضوعنا لهذا اليوم هو الشد الطائفي " ص47
لأنه صوّرَ لنا كارثة الحرب الطائفية " وهو بهذا يطرح العديد من أسئلته المتعبة والتي تحمل في طياتها الكثيرمن الطيبة والمحبة لهذه الناس التي تعايش معها خلال فترة حياته ، فجاء العنوان مُلازماً لمفاهيم هذه الرواية التي تحمل في طيات صفحاتها ، إدانة لهذه الأفكار الخاطئة التي حملها البعض في فلسفته المريضة ، وهو يظهر ويبرز الخلل على عدد الصفحات الممتلئة بالمنغصات التي زرعها الاحتلال الأمريكي بين أبناء الشعب .وهو يتجدد بطرحه ، هذا الروائي الذي أمعن كثيرا في كتابة هذه الرواية ، إذ تتجسد أمامنا نص بتركيبة فنية ونظام سردي وجمالي سلس .
" نعم يا أختي ، هم وراء صراع أية سمكتين في محيط البحر، ولكن هناك علة فينا أيضاً "ص179
وهنا يأتي العنوان " أصناموفوبيا " مخيفاً من حيث فلسفة هؤلاء المصابين بعقدة الخوف وهو الخوف من الصنم "فوبيا " وهو رجل الدين المتطرف الذي لا يقبل غيره ، لا بل يُكفّره وبالتالي يقتله "
" هل سمعتم بالحرب الطائفية التي حصلت في كثير من البلدان ؟
وهو ظل يحكي عنهم ملمحا ً عن ما تعرضوا إليه في هذه الحرب الطائفية من عام 2003 إلى عام 2007 ،حتى شخوصه التي رسمها وعمل عليها ظلت أسيره ذاكرته في تلك الفترة الصعبة ، ومنهم " اللواء الركن عبدالواحد + منى + مقدم قصي + سرمد + زهير " وهو يشتغل بسرده هذا على فك طلاسم هذا الواقع المزري والمتشظي بفعل الحكومات التي توالت على شعبنا العراقي ، وهي طلاسم ملغزة ،فجاء هذا "الحكي " ومن خلال روايته التي طبعت في دار الجواهري وهي من القطع المتوسط وتقع في صفحة 179 . وقلقه الآخر وهواجسه إزاء ما يحدث في واقعه العراقي المُخيّب إلى الآمال والتطلعات كما بقية الشعوب
" هل نعترض على الأخذ بثأره ؟ص100
وهنا إستذكر قول الكاتب الشهير " انطوان تشخيوف " أيام مملة ومستقبل مجهول ونوم غير منتظم ، جسد مرهق وأمنيات تترتب تحت الوسائد ،والأيام تمر ، ولا شيء جديد "
لعنك الله مقدم قصي " ص171
والكتابة هي إحدى أهم وأبرز طرق التواصل بين الناس ، وهي وسيلة مهمة للتعبير عن المشاعر الدفينة للآخرين في محاولة لتقريب المسافات ، ونحن نفهم بأن السرد نقل الحادثة أو الحوادث من صورتها الواقعية ، لأي صورة لغوية تفيد " الحكي " مستخدماً لغة ناطقة بالشخصيات مكثفة الأحداث ، محاولأ بذلك توفير المتعة الإضافية مع المحاسن الفنية ، يتجسد ذلك في طريقة نسج الروائي راسم للبيئة المحلية والشخصيات التي تخوض غمار الأحداث وطريقة تصرفاتهم ومحادثاتهم .
" اعتقلت المجموعة التي كانت وراء قتل العتابي . ص138
تقول عنه الناقدة " اشواق النعيمي " تقدم الرواية في الخاتمة أجوبة مقترحة لبعض الأسئلة التي أثارها النص ويكتشف للقارئ عما اختزله العنوان من شفرات سردية وسؤال راوده قبل القراءة ، من هم الأصنام المخيفة ؟
ولعل اشتقاق عنوان الرواية من مفهوم (الإسلاموفوبيا ) الذي راج إعلاميا في الغرب بعد أحداث الحادي من سبتمبر 2001 كان خطوة موفقة للتعبير عن فوضى التعصب الناجم عن الجهل والتدخل الخارجي ، ويحمل دلالة مهمة في التعبير عن المتطرفين الذين باتوا عبيدا لتلك الاصنام التي كانت ولا تزال تحرك مارد العنصرية والطائفية لديهم .
مبررات العمل يتطلب قتل أخيك إذا كان وجوده حيا يضر بعملنا ص117
بقى أن نذكر الروائي " راسم عبد القادر الحديثي " صدرت له رواية بعنوان " دائرة الخوف " عام 2012 ، صدرت له رواية " أولاد حمدان " عام 2015 ، صدر له " مسارات الحداثة في الفكر الوطني والقومي " عام 2016

*ناقد وكاتب مسرحي عراقي أمريكي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي