

لندن- "لم تكن الانترنت هي السبب وراء إنهيار مبيعات الصحف في الولايات المتحدة، ولا حتى الأزمة الاقتصادية الراهنة، ولكن النموذج القائم على الجشع والطمع التجاري للمؤسسات الإعلامية الكبرى".
هذا ما خلص اليه ديفيد سايمون الرئيس السابق لصحيفة بالتيمور صن في جلسة استماع عقدت الاربعاء الماضي امام لجنة مجلس الشيوخ برئاسة جون كيري.
سايمون الذي سعى الى زيادة جرعة الترفيه في "بالتيمور صن" للتغلب على انخفاض المبيعات، انتهى الى التضحية باستقلال الصحيفة، وذلك عندما أعلن الاندماج مع صحيفة "واشنطن بوست" في ديسمبر/كانون الأول الماضي، في محاولة من إدارة الصحيفتين لمواجهة الأعباء المالية الناجمة عن تراكم الديون عليهما.
ويعد سايمون واحدا من اكثر الذي يتفهمون المصاعب والتحديات التي تواجه عالم الصحافة في الولايات المتحدة. وعندما استدعي للإدلاء بشهادته حول مستقبل الصحافة الأميركية، قال لدى سؤاله عن احتمال اغلاق صحيفة "بوسطن غلوب"، "أنها أنباء طيبة".
والسبب في نظره لا يعود الى ان الصحافة الأميركية تواجه تحديات من جانب الصحافة الألكترونية بل لأن معدل الأرباح الذي كانت تسعى اليه لم يعد ممكنا. وهو ما يعني ان كلفة النمو، للحصول على تلك الأرباح، انقلبت الى عبء مالي كارثي.
الافتراض السائد في عالم الصحافة الاميركية يقول، حسب تعبير جوزيف بوليتزر الشهير: "ان الجمهورية الاميركية والصحافة يرتفعان ويسقطان معا". ويبدو ان هذا هو ما يحصل، وللأسباب نفسها: النموذج الاقتصادي القائم على تمويل النمو بالديون من اجل أرباح اكثر.
وقال سيمون انه بعد أن تم فتح دفاتر الإفلاس في وول ستريت لم يعد بإمكان الصحافة الورقية إلا أن تلجأ الى خفض عدد المراسلين والموظفين من اجل الحفاظ على مستوى أرباح يصل الى 37%. وأدى ذلك الى نزوح كفاءات مهمة من غرف التحرير التقليدية الى عالم الصحافة الألكترونية وصناعة الترفيه.
وعلى عكس الاعتقاد السائد، فقد أصبحت الانترنت مصدرا مساعدا مهما للصحف الورقية ليس للحصول على معلومات وأخبار وخفض التكاليف، بل وأيضا لنشر منتجاتها على الشبكة.
إلا أن انهيار السوق دفع الصحف المحلية المملوكة لعائلات الى الاندماج بمؤسسات اكبر، وأدى ذلك الى تراجع مستويات الخدمة التي تقدمها لقرائها المحليين الذي ظلوا يشعرون بان تلك الصحف تخون الثقة مع المجتمع المحلي.
ولدى سؤاله: ما هو الخطأ في الصحافة الورقية في أميركا، قال سايمون انه "لا توجد وصفه لما تعانيه هذه الصناعة". بل انه ابلغ لجنة الكونغرس قوله "انه لا يعرف ما إذا كان الوقت قد فات بالفعل على العلاج لهذه الصناعة. فالكثير من المواهب رحلت عنها على امتداد العقدين الماضيين، وتوقفت فرص النمو، وبات من الصعب تخيل حدوث تحول".
ويرى بعض أعضاء فريق سيمون ان مستقبل الصحافة النوعية لم يعد متوقفا على الصحف نفسها.
وتقول اريانا هافنغتون ان الاتجاه يقوم على الذهاب الى صحافة الانترنت، ووسائل الإعلام الجديدة.
وفي مواجهة الاتهامات بان وسائل الاعلام الجديدة تتآمر بشكل مقلق على وسائل الإعلام القديمة، فالحقيقة هي ان الصحف تموت بالفعل من تلقاء ذاتها، كما يقول ادوين بيكر الاستاذ في جامعة بنسيلفانيا. وفي حين "ان عملية الموت هذه سوف تترك فراغا ضخما في عالم الصحافة، فان الانترنت لا تملأ هذا الفراغ. ولكنها ربما تفعل، وفي الحقيقة فانها يجب ان تفعل".
والمفتاح هو إيجاد وسيلة للتأكد من بقاء الصحافة على قيد الحياة حتى عندما لا تكون الصحف نفسها قادرة على أن تبقى.
وهنا لا يبدو ان سايمون وزملاءه الاخرين قادرين على تقديم الكثير. ولئن كانت شهادته جديرة بالقراءة بالكامل، فان حجر الزاوية فيها يقول: ان وول ستريت ومنطق السوق الحرة لعب دورا مدمرا في الصحافة خلال العقود القليلة الماضية. وهذا المنطق لا يقدم جوابا الآن أيضا. فالرأسمالية الخام وغير العضوية اجتماعيا لن يمكنها ان تستعيد ثقة الجمهور. واذا كان ربع القرن الماضي قد علمنا أي شيء، فهو ان رأسمالية السوق الحرة في ظل غياب الاهتمام بالضرورات الاجتماعية والسعي وراء الربح العالي ومسؤولية الرقابة التنظيمية، لن يمكنها ان تقدم سلعة معمرة ولا خدمات جيدة ولا قيم اجتماعية دائمة.
وهكذا، فان الانترنت ليست هي السبب، بل الآليات الاقتصادية للرأسمالية كانت التي أغرقت كبرى المؤسسات الصحفية في المأزق.