

مشهد الديموقراطية في افريقيا متفاوت ومتباين: عودة للتسلط هنا، وتعدد أحزاب إداري هناك، وبعض التقدم الضئيل وغير الثابت ولا المتمكن هنالك. وفي معظم الأحوال، ليس للأفريقيين الحق في اختيار حكامهم. وثمة بلدان كثيرة في قبضة طغاة سائقهم الأول بقاؤهم في الحكم ما بقوا على قيد الحياة. ويقود هذا الى تزوير الانتخابات في معظم الأحيان تحت قناع إجرائي بدائي، يشبِّه المنافسة ظاهراً، بينما حقيقة السلطة، أي الجهاز البيروقراطي، والاقتصاد، والجيش، بمنأى من المنافسة. ولما كان احتمال إسقاط الحكومة بواسطة صناديق الاقتراع بعيداً، لم يبق غير الاغتيال والتمرد وسيلة الى قطع دوام السلطة الى ما لا نهاية ويصدق هذا في جنوب افريقيا حيث يؤدي النظام الانتخابي، فعلاً الى حكم الحزب الواحد.
وتستوقف المراقب اربعة توجهات غالبة: الأول انتفاء سيرورة ديموقراطية حقيقية تنهض مثالاً يخالف المثال المدمر الذي خلف الاستعمار، والثاني ابتعاد احتمال ثورة اجتماعية جذرية، والثالث غرق السلطات في امراض الشيخوخة والعجز، والرابع الاستنقاع وشيوعه على رغم انتقال الحكم من يد الى يد. وثمة توجه غالب آخر هو ولادة نازع «جذري رث» يتوسل بالعنف من غير سعي في بديل سياسي. ويتولى العنف هذا الطفل المجند او العاطل من العمل المقيم في الضواحي. وهما رمزان مأسويان لمرتبة اجتماعية «ثانوية». ويُخشى عموم العنف هذا وفشوه، وبعثه دولة متصلبة تتمتع بمساندة طبقية. فتتوسل الطبقة بالدولة المتصلبة الى إثرائها الضيق. وقد يؤدي التوسل هذا بالدولة الى تدميرها، وتدمير الاقتصاد والهيئات والمؤسسات معها. فالسياسة ليست، والحال هذه، إلا قيادة الحرب الأهلية على أنقاض الدولة والاقتصاد والهيئات والمؤسسات. وتغذي أبنية العنف والتدمير التاريخية التوجهات الغالبة، وتشفع السياسات الليبرالية الجديدة بها.
ولا شك في رغبة الافريقيين في الحرية والرخاء، ولكن هذه الرغبة ليس في متناولها لغة تؤديها، ولا أفعال متماسكة. ولا تترجم عنها ثقافة سياسية جديدة لا ترى السلطة ربحاً صافياً نظير خسارة صافية. فالمعوقات، على هذا، كثيرة. وأولها ضرب من الاقتصاد السياسي، وإلى الاقتصاد السياسي، المعوق الثاني هو المثال الذي تتخيل عليه السلطة، والحياة نفسها. وإذا اقتصرنا على العوامل الاقتصادية ينبغي ملاحظة فظاظة هذه العوامل في الإطار الافريقي في الربع الأخير من القرن العشرين، وعجز الافريقيين عن الخروج على دورة الاستخراج (استخراج المواد الأولية والخامات) والتبديد (تبديد عوائد المواد هذه).
وإلى الواقعة الكبيرة أو المَعْلَم هذه، لا ننسينّ التناثر الاجتماعي الذي بدأ منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، وأدى حينما كان الى انفراط عقد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وتهشيم تماسكها، والى تذرر حقل القواعد والمعايير وتفكك الهيئات والمؤسسات، وفيها الدولة نفسها. ونجم عن التناثر هذا انكفاء معظم أصحاب الأدوار الاجتماعية واستقالتهم، وغلبة أشكال من النزاع الاجتماعي محورها الاستيلاء على الموارد. وتنتصب الضاحية العشوائية، اليوم، علماً على أشكال النزاعات الاجتماعية والسياسية هذه، وعلى مزيج عناصر من صراع الطبقات، وصراع الأعراق والأقوام، وحركات الخلاص الدينية. وما عدا ذلك، مثل ضعف المعارضات السياسية، معروف. فالسلطة والمعارضة يقيسان نزاعهما على وقت سمته الارتجال، والصفقات الضيقة وغير المستقرة، وغايته الاستيلاء المباشر على السلطة او الاحتفاظ بها مهما غلا الثمن. فالتحالفات تعقد وتنحل سريعاً وعلى التوالي، والمثال الذي تتصور عليه السلطة لا يحول ولا يزول. فالحرب الأهلية الدائمة هي المثال المتصور والثابت.
وموقف فرنسا من الديموقراطية في افريقيا لا يتخطى القبول اللفظي. وفرنسا عدت على الديموقراطية في ممتلكاتها منذ 1960. وهي ساندت اكثر أنظمة القارة فساداً. ولكن على الأفريقيين، إذا رغبوا في الديموقراطية، أن يسددوا هم الثمن. ولن يسدد غيرهم الثمن عنهم. وليست جنوب افريقيا المسؤولة عن أزمة زيمبابوي، والمسؤول هو أهل زيمبابوي، والسيد المستعمر السابق، المملكة المتحدة، الى حد ما. والدول الافريقية المنتجة للنفط، ما لم تخرج من منطق الاستخراج والتبديد فلن تباشر سيرورة الديموقراطية.