دين ودنياتقارير وتحليلاتملفاتتحليلاتحقوق وحرياتنقطة ساخنةهجرةالأزهر الشريف

باكستان... العصا والجزرة ضد الإرهاب

الاتحاد الاماراتية - كريستيان ساينس مونيتور
2008-07-02
كزينيا دورماندي

قليلون فقط مازالوا يشكون في أن الحرب على الإرهاب لن تكون طويلة، والحقيقة أنها حرب قد لا تنتهي بنصر واضح، أو هزيمة حاسمة، لتضطر الولايات المتحدة في مرحلة من المراحل إلى التعايش مع مستويات متدنية، ومستمرة من العنف. وفيما نستطيع الجدال حول ما إذا كانت باكستان قد تحولت فعلاً إلى "مركز للإرهاب" كما صرح بذلك الأدميرال "مايك مولين" مطلع هذا الشهر، إلا أنه من الواضح تحول المنطقة الحدودية الواقعة بين باكستان وأفغانستان إلى ملاذ لعناصر الجماعات الإرهابية التي تسعى إلى إلحاق أفدح الضرر بالولايات المتحدة. فكيف التعامل مع ذلك؟ الواقع أنه يتعين على الولايات المتحدة التخفيف قليلاً من حدة الضغط العسكري على المدى القصير لتحقيق مكاسب في المنطقة على المدى البعيد. والحال أن التصور الأميركي للحل لا يخرج عن المقاربة العسكرية، حيث وجهت واشنطن 80% من العشرة مليارات دولار المرصودة لباكستان منذ هجمات 11 سبتمبر إلى المجال العسكري.

والأكثر من ذلك أن النقاش الدائر حول باكستان بين الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن والمختصين في قضايا الإرهاب والأمن يكاد ينحصر في مدى قدرة الجيش الباكستاني وأجهزة الاستخبارات والحكومة على مقارعة خطر الإرهاب والتصدي له بفعالية. ويبدو أن التركيز قائم على القوة الصلبة دون غيرها، فعندما قامت السيدة الأولى في أميركا بأول زيارة لها إلى أفغانستان تفقدت الجيش، وعندما قام وزير الدفاع، "روبرت جيتس"، بجولة حول أوروبا حث حلفاءنا على إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان. لكن في المقابل يملك الباكستانيون تصوراً مغايراً للحل في المناطق الحدودية، حيث رأينا كيف قاد المحامون الباكستانيون "مسيرة طويلة" شارك فيها الآلاف من المواطنين في العاصمة إسلام أباد احتجاجاً على تلكؤ الحكومة في إعادة القضاة، الذين أقالهم الرئيس برويز مشرف قبل بضعة أشهر، إلى مناصبهم.

والهدف من هذه المسيرة الاحتجاجية هو أولا تثبيت نظام قضائي مستقل عن باقي السلطات وغير خاضع للتدخلات السياسية، وثانياً لضمان إمكانية التصويت ضد الرئيس مشرف في انتخابات شهر فبراير المقبل. وبنزولهم إلى الشارع وتظاهرهم أمام العالم، سعى المحامون ومعهم المواطنون العاديون إلى الضغط على الائتلاف الحكومي لإحلال المزيد من التغيير. وعلى غرار الأميركيين أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت مطلع السنة الجارية أن أغلب الباكستانيين منشغلون، بعد الاقتصاد، بقضايا الأمن والاستقرار. وبإلقاء نظرة على ما تقوم به باكستان حالياً نجد أن الجيش والحكومة معا ينتهجون سياسة مزدوجة للحوار مع قادة المناطق القبلية، والمحافظات الحدودية في الشمال الغربي والتي تبدت مؤخراً في الاستخدام المحدود للقوة وعدم الانخراط في عمليات عسكرية واسعة كما كان يجري في السابق. ويهدف هذا الحوار الذي تجريه الحكومة مع المناطق القبلية إلى فرز المقاتلين الذين لجأوا إلى العنف لإسماع صوتهم إلى الحكومة والاحتجاج على أوضاعهم البائسة، عن الجماعات التي لا تسعى سوى إلى ضرب الحكومة وإسقاطها، وفي الحالة الأخيرة ليس أمام الجيش سوى القوة.

والواقع أن أعضاء المجموعة الأولى الذين يقاتلون لإسماع صوتهم لا يطالبون سوى بخلق فرص العمل، وإقامة مشاريع البنية التحتية في مناطقهم المعزولة والنائية، والاستفادة من الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، وهي باختصار معايير الحكم الجيد التي فشلت الحكومة الباكستانية في توفيرها لأبناء المناطق القبلية. لذا هم يرفعون السلاح مطالبين بالخدمات الاجتماعية التي هي مسؤولية الحكومة المركزية في إسلام أباد، وإذا ما تحققت تلك الخدمات وتحسنت الظروف المعيشية للسكان، فلا شك أنهم سيلقون السلاح. كما أن نجاح الحكومة في الاستجابة للمطالب الاجتماعية للمواطنين في المناطق القبلية سيساعدها على تجفيف منابع المقاتلين وسيسهل عليها استهداف الجماعات الأخرى الراديكالية التي تسعى إلى إسقاط النظام والإخلال بالاستقرار. وفي هذا الإطار، تخوض باكستان وإلى جانبها أفغانستان والولايات المتحدة معركة واحدة ضد الفوضى وتفشي العنف.

لكن الشعب الباكستاني وربما الحكومة الجديدة أيضاً يدركون عن حق بأن الحرب ستكون طويلة وتحتاج إلى حل بعيد المدى يعالج المشاكل المزمنة في البلاد ويُنصف المناطق التي عانت طويلاً من التهميش والإقصاء. ولإحراز تقدم حقيقي في هذه الحرب يتعين على الحكومة الباكستانية الدخول في معركة ضارية لكسب العقول والقلوب، كما يتعين عليها تثبيت العملية الديمقراطية في البلاد، كي يتمكن سكان المناطق القبلية في المستقبل من إيصال صوتهم دون الحاجة إلى رفع السلاح، وهو ما يعني الدفاع عن قضاء مستقل ومعايير لحكم جيد. وبينما يظهر الباكستانيون في هذه المرحلة، عن حق وصواب، ميلاً واضحاً لاستخدام الدبلوماسية والحوار في حل المشاكل المستعصية وتفضيلهما على المقاربة العسكرية، مازال الأفغان والأميركيون يبحثون عن حلول سريعة على المدى القصير، حيث ما فتئوا يشتكون من قصور عسكري كلما تعذر رؤية تقدم في الميدان. ورغم أنه موقف صعب ذلك الذي يجد فيه الأميركيون والأفغان أنفسهم، فعليهم إدراك أن باكستان في حاجة ماسة إلى وقت لإرساء الديمقراطية، وذلك عبر مواصلة سياسة العصا والجزرة وكسب العقول والقلوب، دون أن تتوانى في استخدام القوة كلما استدعى الأمر ذلك.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي