عندما خلع اللبنانيون لأول مرة عباءة الطائفية.. عامٌ على ثورة 17 أكتوبر وهذا حصادها ومستقبلها

2020-10-17 | منذ 3 يوم

احتجاجات لبنان ضد النظام السياسي، أكتوبر 2019

تُطفئ ثورة  17 أكتوبر/تشرين الأول، اليوم السبت، شمعة عامها الأول، حيثُ رسمَت تلك الليلة من العام المنصرم مشهداً لم يعتد عليه لبنان، إذ خلع الشعب ثوب الطائفيّة والمناطقيّة والانتماءات الحزبيّة ونزل ليَثور على الطبقة السياسيّة الحاكمة في قلب العاصمة بيروت. أدى ذلك إلى تراجع قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق السوداء، ما انعكس على أسعار المواد الاستهلاكية الأولية، وتآكل رواتب الموظفين بجميع القطاعات.

وأشعلت ضريبة مرتقبة تم الإعلان عنها في ليلة الخميس 17 أكتوبر/تشرين الأول عام 2019 احتجاجات شعبيّة عارمة، إذ امتلأت الشوارع من شمال البلاد إلى جنوبها، حتى البقاع شرقاً.

وجرى خلال الاحتجاجات إغلاق الطرقات، وحمّل المحتجون الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية التدهور المعيشي في ظل أسوأ أزمة اقتصادية بتاريخ لبنان.

واستمرّت الاحتجاجات الشعبيّة لأشهر متواصلة، طالب المحتجون خلالها بانتخابات نيابية مبكرة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين، ورحيل ومحاسبة بقية مكونات الطبقة الحاكمة، التي يتهمونها بالفساد والافتقار للكفاءة.

وأرغمت الثورة في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي سعد الحريري على تقديم استقالة حكومته، وهي تضم "حزب الله" وحركة "أمل" (الثنائي الشيعي) مع قوى أخرى.

وتقول جهات لبنانية إن جماعة "حزب الله"، حليف إيران، مسؤولة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، بسبب تدخلاتها في سياسات الدول المجاورة، ما جعل البلاد رهينة، بينما في أزمات مالية سابقة تدخلت دول عربية وأجنبية لمد يد العون لبيروت. وعادة ما ينفي "حزب الله" أي مسؤولية له عن تدهور الأوضاع المعيشية للبنانيين.

حصاد عام من الاحتجاجات

وطُرحت علامات استفهام عدّة على ما حققته الثورة في عامها الأوّل بالرغم من بقاء السلطة السياسيّة في الحكم منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975- 1990)، وانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب، وسط مساعٍ لعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد استقالة حسان دياب، واعتكاف مصطفى أديب.

وفي 31 أغسطس/آب، أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون، تكليف مصطفى أديب بتشكيل حكومة، تخلف سابقتها برئاسة حسان دياب، التي استقالت بعد ستة أيام من انفجار كارثي في مرفأ العاصمة بيروت. واعتذر رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب، في 26 سبتمبر/أيلول، عن عدم إكمال مهمته، التي كلفه بها عون.

وتزامن تكليف أديب، نهاية أغسطس/آب، مع زيارة تفقدية لبيروت أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما دفع أطرافاً لبنانية إلى اتهامه بالتدخل في شؤون بلادهم الداخلية، وخاصة تشكيل الحكومة، في محاولة للحفاظ على نفوذ باريس في لبنان، البلد الذي احتلته بين 1920 و1943. والأربعاء، قرر عون تأجيل الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة الجديد، أسبوعاً "لبروز بعض الصعوبات".

مرفأ بيروت بعد الانفجار

كشف مكامن الفساد

تمكنت الثورة اللبنانية من تحقيق محطات لا يستهان بها، بالرغم من اجتيازها حقول ألغام في بلدٍ يعاني أزمة اقتصادية واستقطاباً سياسياً حاداً، في مشهد تتصارع فيه مصالح دول إقليمية وغربية، بحسب آراء كتاب وناشطين مدنيين.

ويقول الكاتب والصحفي طوني بولس، إنّ "ثورة 17 تشرين (أكتوبر) كان لها دور بارز في كشف ملفات استنزاف الدولة اللبنانيّة من خلال كشفها ملفات فساد عدّة في مرافق الدولة".

ويضيف "هذه الثورة أو الانتفاضة جعلت الرأي العام يعي أكثر مكامن الهدر والفساد، وأين تذهب أموال المواطن، ومن أوصل البلاد إلى هذه الأزمة الاقتصاديّة الكبيرة".

ويرى بولس، أنّ "الثورة كشفت مدى خطورة سلاح حزب الله، وكيف يكون عائقاً أمام تطور الشعب اللبناني وانفتاحه على الخارج، لأنّ السلاح كان للمقاومة لكنّ في الوقت الراهن بات يشكّل توترات".

وهنا أخفقت

وحول النقاط التي أخفقت فيها الثورة، يقول بولس إنها "عجزت عن خلق تغييرات كبيرة نتيجة تجذّر هذه السلطة وحماية مصالحها". ويشير بولس إلى أن "عدم رضوخ السلطة للشعب المنتفض أدّت إلى تدخل الدول الكبيرة (في إشارة إلى فرنسا) ما جعل القضية اللبنانيّة مدوّلة"، لافتاً إلى أنّ "الثورة باتت في الفترة الماضية تفتقر إلى الجماهير، على اعتبار أنّ الشعب اللبناني يئس، ويشعر بارتباك بعد أنّ أدخلت السلطة المندسّين في صفوف الثورة لحرف مسارها".

ويؤكد أن "الثورة اليوم تسعى لإعادة ترتيب نفسها بعناوين جديدة وتنظيم نفسها ابتداءً من الذكرى الأولى، والمجموعات الثوريّة تتواصل بين بعضها للاتفاق على عناوين اقتصاديّة واجتماعيّة".

أمّا على خطّ الثوار، فيعتبر الناشط جمال ترو، أنّ "الثورة استطاعت كسر الخوف عند المواطن، بالرغم من الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة الحاصلة".

ولم ينكر ترو، أنّ "الثورة أخفقت بأمر واحد فقط، وهو أنّها لم تدخل إلى منازل السياسيين لفضحهم وكشف ثرواتهم"، معتبراً أنّ "السياسيين في لبنان هم عبارة عن مجموعات متعدّدة، لذلك شعر الثوار بالاستنزاف".

الثورة لم تخمد

بدوره يشير جاد لزّاق من "مجموعة لحقي" (مدنيّة)، أن "الناس اعتبرت أنّ على الثورة التحرّك، وتقديم بديل جدّي، لكنّ العمل لم ينتهِ بعد وهناك اجتماعات مستمرّة حتى اليوم بين جميع قوى الثورة لإنتاج بديل عن الطبقة الحاكمة".

وحول اختفاء مظاهر الثورة يقول لزاق إن "المظاهر التي تمثلت في التحركات في الشارع، وإقفال الطرقات، صحيح أنها لم تعد موجودة بسبب فيروس كورونا، وسوء الأوضاع المعيشيّة في ظل سعي الناس لتأمين لقمة عيشهم بشكل أساسي، إلا أن الثورة لم تخمد".

أمّا الناشط والمحامي لؤي غندور، فيرى أنّ "الطبقة السياسية الحاكمة لم تكن تتوقع أنّ الشعب سيستفيق بعد أكثر من 40 عاماً، ولاسيّما أنّها سرقت أموال المواطن ومدخراته ولم تقدّم في المقابل أي خدمة".

ويشدّد غندور على أنّ "الثورة نجحت في تعرية السلطة وفضحها، حتى باتت القوى السياسيّة تتبادل تهم الفساد، وتفضح بعضها البعض". ويضيف: "الثورة جعلت الحكام والسياسيين يخافون من التجوّل في الأماكن العامّة، لأنّهم سيُلاحقون من الثوار ويطردون".

وبرأي غندور فإن الثورة "لم تنجح فقط في توحيد كلمتها"، نافياً أن "تكون قد توقفت". ويقول "الثورة مستمرّة طبعاً لأنّها لا تقودها أي جهة، إنّما هي حركة شعبيّة عفويّة".

ويعرب غندور عن أسفه "للوضع الذي وصل إليه لبنان، ولاسيما تفجير مرفأ بيروت، وما نتج عنه من تداعيات وسط تغلغل الطبقة الحاكمة في مفاصل الدولة من القضاء إلى الأمن".

وأسفر انفجار الرابع من أغسطس/آب، في ميناء بيروت، عن مقتل نحو 200 شخص وإصابة نحو 6500 وإلحاق أضرار بمليارات الدولارات. وانفجر ما يقرب من 3000 طن من نترات الأمونيوم، وهي مادة كيمياوية شديدة الانفجار، في ميناء بيروت، حيث تم تخزينها في المنشأة لنحو 6 سنوات.

عجز السلطة

يلخص الكاتب والمحلل السياسي المعارض لـ"حزب الله" علي الأمين الصورة بأن "الثورة كشفت الطبقة الحاكمة، وأظهرت على المدى البعيد عجزها (أي السلطة) عن حلّ المشكلات، وبالتالي بات الرأي العام بمجمله لا يثق في السياسيين".

ويضيف الأمين: "كان لافتاً أيضاً حضور العنصر الشبابي والنسوي في الثورة، ومستوى التلاحم الذي حصل بين مناطق مختلفة، وتفاعل بين مجموعات متعدّدة من الشمال إلى الجنوب".

وحول السلبيّات التي يُمكن الإشارة إليها فيما يتعلق بالثورة اللبنانية يقول الأمين: "الانتفاضة لم تستطع أن تبلور إطاراً قياديّاً، أو على الأقلّ نوعاً من القيادة التي يمكن أن تُعبّر عنها، وتطرح نفسها بشكل واضح ومنظم في مواجهة مشاريع السلطة وعجزها". لكن الأمين يجزم في نهاية حديثه بأنّ "التغيير آتٍ، والظروف التي يمرّ بها لبنان لن تبقى على حالها".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي