واشنطن بوست: تعهد بتحقيق العدالة.. هل يكسب الكاظمي المعركة ضد قتلة المحتجين؟

2020-10-06 | منذ 2 شهر

عراقية أثناء إحياء الذكرى الأولى للاحتجاجات في ساحة التحرير وسط بغداد

حضر رئيس جهاز المخابرات حينها مصطفى الكاظمي دون سابق إنذار الجنازة، وكان الأكثر دهشة بقدومه الأب الحزين علي المختار، الذي مشى ببطء في قاعة الجنازة وتسلّم شهادة وفاة ابنه الأوسط محمد قائلا "يجب كتابته هنا"، مشيرا إلى سبب الوفاة الذي لم يُكتب على الورقة، "عليك أن تخبر الجميع بما حدث".

وقال الكاتبان لويزا لوفلوك ومصطفى سليم في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست (Washington post) الأميركية، إن جميع الحاضرين في تلك الليلة كانوا يجهلون أن الكاظمي سيصبح قريبا -وبشكل غير متوقع- رئيس وزراء العراق. وستكشف طريقة ردّه على طلب الأب أنه قائد عازم على دفع العراق نحو مسار جديد، لكنه يواجه في كثير من الأحيان قوى عنيفة مصممة على عرقلته.

محمد، البالغ من العمر 20 عاما، واحد من بين أكثر من 500 عراقي قُتلوا رميا بالرصاص على يد قوات الأمن ومليشيات خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة العام الماضي. وباعتباره رئيسا لجهاز المخابرات العراقية، دعم الكاظمي بشكل خاص مطالب المحتجين بتشكيل حكومة جديدة خالية من الفساد والتأثيرات الطائفية والهيمنة الأجنبية. ولكن بصفته القائد الجديد للبلاد، فإن جهوده الرامية لتحقيق العدالة بشأن وفاتهم وتعزيز أجندتهم الثورية تتعارض مع المصالح التي تشكل العمود الفقري للنظام السياسي في العراق منذ الإطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين عام 2003.

وفقا لبعض الأقارب الذين حضروا الجنازة، وضع الكاظمي يده على صدره ردا على مناشدة الأب المكلوم ووعده بأن القتلة سيحاسبون، ثم قال له إن "دم محمد لن يذهب سدى". تعهد الكاظمي منذ أن أصبح رئيسا للوزراء في مايو/أيار الماضي بفتح تحقيق حول الشباب العراقيين الذين قتلوا في ساحات الاحتجاج.

وأورد الكاتبان أن الكثير من العراقيين يتساءلون عما إذا كان الكاظمي سيجرؤ على تسمية من أصدروا الأوامر، وما إن كان سينجح في معاقبة مليشيات الدولة المدعومة من إيران. ولكن بمجرد أن اتضحت نوايا الكاظمي، اغتالت إحدى تلك الجماعات المسلحة باحثا بارزا كان من بين المقربين منه وهو هشام الهاشمي، وهو تحذير واضح موجّه لرئيس الوزراء.

الكاظمي أثناء تقديم العزاء لعائلة إحدى الناشطات 

إنقاذ البلد

كان المتظاهر محمد لأوّل مرة متحمّسا لتحقيق حلم، حاله حال شابين آخرين توفيا معه في ذلك اليوم الكئيب من شهر فبراير/شباط الماضي. لم يكن أي منهم يعرف الآخر وكانوا من خلفيات وديانات مختلفة، لكن قصصهم الفردية كانت منسوجة من تاريخ مشترك. ولد محمد في عائلة شيعية ثرية، وخطط للتخرج من الكلية ليصبح مهندس حاسوب، لكن مساره المهني تعثر نظرا لأن الحصول على وظيفة حكومية يتطلب دفع رشوة ضخمة، في حين كان القطاع الخاص يعاني من عجز.

أما المتظاهر علاء الشمري فنشأ في الجانب الآخر المهمش من البلاد، وكان ابن عائلة شيعية كافحت منذ مدة طويلة لتحمّل نفقاتها. ولد علاء على أطراف حي مدينة الصدر شرقي بغداد، الذي تسكنه مئات الآلاف من العائلات التي نزحت من جنوبي العراق بحثا عن حياة أفضل في العاصمة. ولكن انهارت الطرق وانقطعت الكهرباء، وخاض الجنود الأميركيون معارك ضارية في تلك المنطقة، وخلال العنف الطائفي الذي شهدته البلاد، خلّفت الانفجارات أشلاء الجثث في الشوارع.

أما رامون ريان، البالغ من العمر 16 عاما والذي لا يزال في سن المراهقة، فقد كان الإيمان يسطر حياته. كان عدد المسيحيين في العراق يصل إلى 1.4 مليون، ولكن يُعتقد أن ثلثيهم فروا من البلاد. ولد رامون في مدينة الموصل الشمالية، واضطرت عائلته إلى التنقل مرات عدة بسبب الحروب.

في عام 2009، اختطف تنظيم القاعدة والده، ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن باعت الأسرة ما تملك لجمع أموال الفدية. ثم في عام 2014، فر المسيحيون في رعب بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، وعندما وصلت أسرة رامون إلى بغداد، لم يتبق لهم سوى القليل من المال. لم يخبر رامون والديه عن المكان الذي كان يقصده صباح ذلك اليوم في فبراير/شباط الماضي وغادر المنزل للمرة الأخيرة.

محتجون عراقيون أثناء مظاهرة سابقة بساحة التحرير في بغداد 

نريد وطنا

بينما كان رامون يشق طريقه نحو وسط بغداد يوم 25 فبراير/شباط الماضي، كان محمد في شقته بالقرب من المطار يستعد أيضا للانضمام إلى الاحتجاجات، كما يقول أفراد أسرته. سأل علي ابنه محمّد ذات مرّة ما إن كان يستحق الأمر المخاطرة، بينما قُتل المئات بالفعل في الاحتجاجات وكانت إجابة محمّد كالآتي "ما أفعله ليس من أجلي فقط، بل من أجلنا جميعا. نحن في حاجة إلى وطن".

في سردهم للأحداث، روى المتظاهرون تفاصيل الاحتقان بينهم وبين رجال الشرطة الذين رموا قنابل مدمعة وأطلقوا النار، مما أدى إلى مقتل علاء على الفور، وأصيب محمد بكسر على مستوى الجمجمة سبب له نزيفا داخليا. وبالقرب منه كان جسد رامون النحيف تخترقه الشظايا.

ووفقا لمنظمة العفو الدولية، أطلقت قوات الأمن العراقية الغاز المدمع وقنابل الدخان التي كانت أقوى بعشر مرات من تلك المستخدمة عادة لفض المظاهرات، وأطلق النار على العديد من المتظاهرين بشكل مباشر.

توفي محمد ليلة 25 فبراير/شباط الماضي. وفي شهادة الوفاة، كتب الأطباء في مشرحة بغداد "قيد الانتظار" تحت سبب الوفاة. قالت عائلة محمد إنهم اتصلوا العديد من المرات بالمشرحة لمتابعة سير القضية، لكن لم يتم الرد على مكالماتهم. وقال والد محمد "لا أحد يجرؤ في هذا البلد على اتهام رجال الشرطة أو نعتهم بالمجرمين".

بعد أسبوع على شن عمليات القتل، زار عائلة رامون، التي تقطن في حي الكرادة، ضيف أخبرهم أنه كان شاهدا على مقتله، وأن الشاب قُتل على يد عنصر آخر من شرطة مكافحة الشغب. وتعهد بتقديم بيان موقع يحدد القاتل المزعوم، لكنهم شعروا بالعجز لأنه لم يكن لديهم أي فرصة لمحاسبة الجاني، ووحده رئيس الوزراء من يتمتع بالصلاحيات التي تمكّنه من القيام بذلك.

وعندما كان رئيسا للمخابرات، قاطع الكاظمي جلسات مجلس الأمن الوطني العراقي عندما بلغ العنف ضد المتظاهرين ذروته في أواخر العام الماضي. وقال بعض السياسيين إنه "كان سيستقيل في ذلك الحين، لكن تم الضغط عليه لكي يتراجع عن قراره، وكان يرى أن قتل المتظاهرين تصرف خاطئ".

عندما وصل عدد القتلى إلى 350، استقال رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي. وطالبت الأحزاب السياسية في العراق، التي تضم العديد من الجماعات شبه العسكرية، بتعيين رئيس وزراء بعد تنحي عبد المهدي عن منصبه. وفي مايو/أيار الماضي، بعد فشل مرشحين آخرين في الفوز بالقدر الكافي من الدعم، اختارت الأحزاب الكاظمي لتولي هذا المنصب.

السلطات العراقية تتحدث عن سقوط 561 قتيلا في الاحتجاجات 

الاستعداد للمعركة

بعد مرور حوالي 10 شهور على انطلاق الاحتجاجات، قال هشام داود مستشار الكاظمي للصحفيين إن المرحلة الأولى من التحقيق قد اكتملت، معلنا عن مقتل 561 شخصا، معظمهم من فئة الشباب الذين كانوا في ساحة التحرير وسط بغداد. وصنفت الحكومة الضحايا على أنهم "شهداء"، مما يمنح أسرة كل فرد الحق في الحصول على حوالي 8400 دولار لتغطية نفقات الجنازة والدفن وما إلى ذلك. وقال داود إن التحقيق قد يقضي بمحاكمة القتلة.

سأل الصحفيون المتشككون مستشار الكاظمي عما إذا كان المسؤولون يجرؤون على التحقيق مع الفصائل الموالية لإيران المسؤولة عن بعض أكبر الانتهاكات، فرد بجدية "إننا لا نريد الاستمرار في إنشاء اللجان. هناك مقولة شهيرة في العراق تقول إذا كنت تريد دفن قضية ما، فأنشئ لجنة".

وأشار الكاتبان إلى أن الجماعات المتهمة بإطلاق النار على المتظاهرين تستعد الآن لخوض معركة ضد الكاظمي. وبينما كان يعين حلفاءه على رأس قوات الأمن العراقية ويضيّق الخناق على عائدات المليشيات، تتهم الجماعات الموالية لإيران بشكل شبه يومي بتحدي رئيس الوزراء من خلال شن هجمات صاروخية على أهداف ومصالح أميركية.

وكان اغتيال الباحث هشام الهاشمي في يوليو/تموز الماضي، المقرب من الحكومة، بمثابة رسالة تهديد. وعلى الرغم من تشكيل لجنة تحقيق في اغتياله، فإنه لم يتم الإعلان عن أي نتائج بعد.

وأورد الكاتبان أن شركاء الكاظمي السياسيين اختفوا من الساحة، حيث يتساءل بعضهم عمن سيكون التالي بينهم. وأفاد أحد مستشاري الكاظمي بصريح العبارة بأنه يريد تحقيق العدالة، لكنّ يديه مقيدتان. فلم يكن يعلم أن رد الفعل سيكون بهذه الصعوبة.

في الوقت نفسه، بدأ قتل المتظاهرين مرة أخرى، هذه المرة في مدينة البصرة الجنوبية. وكما حدث في بغداد، كان القتلى من المواطنين الذين يطالبون بعراق أفضل. ويوجه الناشطون أصابع الاتهام نحو المليشيات الموالية لإيران.

قال أحد المتظاهرين، وهو شاب تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفا على سلامته، إنه "دون ملاحقات قضائية، فإن حياة شبابنا العراقيين لا تعني شيئا". بالنسبة للعديد من أفراد عائلات ضحايا بغداد، فإن التحقيقات التي أجريت حتى الآن تبدو ضئيلة للغاية ومتأخرة.

ومن جانبه، كان والد رامون يحث الشباب على دعم الكاظمي، حيث اعتبر أنه من السابق لأوانه اليأس من العدالة أو حتى بزوغ فجر جديد للعراق. وفي زياراته ساحة التحرير، حيث لا يزال المتظاهرون يواصلون حركتهم الاحتجاجية، كان والد رامون يحاول إقناعهم بأن رئيس الوزراء يحتاج إلى بعض الوقت لتحقيق تقدم جوهري.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي