سياسة المياه السامة تهدد الديمقراطية والاستقرار في حوض النيل والقرن الأفريقي

2020-08-12 | منذ 1 شهر

أصبح سد النهضة الإثيوبي الكبير الآن أمرا واقعا، وفي الشهر الماضي، بدأت إثيوبيا في ملء خزان ضخم وراء مشروع الطاقة الكهرومائية الذي تبلغ تكلفته 4.5 مليار دولار، الذي يَعد بجعل البلاد قوة في مجال الطاقة.

وستوفر المحطة الضخمة الكهرباء الرخيصة لملايين المنازل، وتغذي القطاع الصناعي النامي في إثيوبيا، وتمكن الحكومة من كسب النقد الأجنبي الذي تشتد الحاجة إليه عن طريق تصدير الكهرباء إلى البلدان المجاورة.

ويمكن أن تستفيد الدولتان اللتان تقعان في اتجاه مجرى النهر من إثيوبيا على نهر النيل، السودان ومصر، من السد من خلال الوصول إلى الطاقة، وتحسين السيطرة على الفيضانات، وتخزين المياه بشكل أكثر كفاءة، ما يقلل من حجم مياه النيل المفقودة بسبب التبخر.

لكن منذ أن بدأت إثيوبيا في البناء في عام 2011، تسبب السد في توتر العلاقات في حوض نهر النيل، وتعتبر مصر سد النهضة تهديدا وجوديا؛ فالبلاد تعتمد على النيل في معظم مياهها العذبة، وتتمتع بالهيمنة على حوض النيل لأكثر من 60 عاما.

وتمنح معاهدة 1959 مع السودان مصر حصة ساحقة من مياه النهر، ولم تكن إثيوبيا طرفا في هذا الاتفاق، لكن مصر عارضت أي سدود في المنبع يمكن أن تقيد إمداداتها المائية، حتى إنها فكرت في استخدام القوة العسكرية لوقف بناء سد النهضة في عام 2013.

وخففت القاهرة موقفها إلى حد ما في الأعوام الأخيرة، وسعت للتوصل إلى تسوية تفاوضية مع إثيوبيا، لكنها لا تزال تعتبر السد تهديدا لمصالحها الوطنية.

ويقع السودان في وسط هذا النزاع، بالمعنى الحرفي والمجازي؛ حيث يقع بين القوتين الإقليميتين على نهر النيل، وهو في وضع جيد للاستفادة من فوائد سد النهضة ولكنه يريد التخفيف من الآثار الاجتماعية والبيئية السلبية المحتملة للمشروع.

وأحرزت المفاوضات بين الدول الـ3 بعض التقدم، لكنها فشلت في حل القضايا الحرجة، مثل الآلية المناسبة لحل النزاعات، أو قواعد تشغيل سد النهضة في فترات الجفاف الطويلة.

وطالبت مصر والسودان بالتوصل إلى اتفاق قبل أن تبدأ إثيوبيا في ملء الخزان، لكن أديس أبابا مضت قدما على أي حال، وعن طريق الهندسة والبناء قد تعيد هيكلة ما تراه توزيعا غير عادل للموارد الطبيعية.

ومن المرجح أن تستمر المفاوضات، سواء حول سد النهضة أو حول قضايا تقاسم المياه على مستوى الحوض الأوسع، ولكن ستستمر التوترات أيضا بين القاهرة وأديس أبابا حيث يتنازعان على النفوذ في جوارهما المباشر وما وراءه.

لكن ربما يكون التأثير الأكثر إثارة للقلق للنزاع على المياه داخل دول حوض نهر النيل وليس بينها، وأدت سياسات النيل السامة إلى تعقيد التحول الديمقراطي الهش في إثيوبيا من خلال توسيع الهوة السياسية بين الحكومة وخصومها.

كما رسخت الأنماط المصرية داخل السودان، حيث يتم رفع مستوى الجيش السوداني والأجهزة الأمنية هناك على حساب القادة المدنيين في البلاد 

بعبارة أخرى، قوضت النزعة القومية في نهر النيل 2 من أكثر التحولات الديمقراطية الواعدة في القرن الأفريقي.

 

قانون التوازن الإقليمي

ولطالما كانت مصر لاعبا مهما في منطقة القرن الأفريقي، لكن نفوذها تضاءل منذ الربيع العربي، بينما نمت إثيوبيا.

وبعد أن فشلت في وقف بناء سد النهضة، تعتقد القاهرة أنه يجب عليها إعادة بناء مكانتها في القرن من أجل تحقيق توازن أكثر فعالية أمام إثيوبيا، كقوة إقليمية وعلى طاولة المفاوضات في محادثات مياه النيل المستقبلية.

ويتعرض الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، وهو رجل قوي يرتكز حكمه على سرديات الأمن القومي والتجديد، لضغط هائل لتجنب فقدان حصة مصر التفضيلية في نهر النيل، نتيجة لذلك، سعت حكومته إلى كسب ود الدول الأخرى في القرن الأفريقي ودق إسفين بين إثيوبيا وجيرانها.

وكانت إحدى ركائز هذه الاستراتيجية هي الاستفادة من الزخم الدبلوماسي حول التعاون في البحر الأحمر لصالح مصر.

وفي يناير/كانون الثاني، ظهر مجلس عربي أفريقي جديد بقيادة السعودية يهدف إلى تحسين التعاون في البحر الأحمر وخليج عدن.

وكان للقاهرة في البداية تحفظات جدية على المبادرة، لكنها انضمت إليها على أي حال من أجل تحقيق هدف مهم، وهو تحالف إقليمي يضم مصر والدول المطلة على القرن يستبعد إثيوبيا.

ومن الركائز الأخرى لاستراتيجية القاهرة التعاون الدبلوماسي والأمني ​​الثنائي مع دول المنطقة، وقد عمقت العلاقات مع السودان، وخلقت على الأقل مظهر للتوافق بين القاهرة والخرطوم بشأن سد النهضة.

كما سعت إلى رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع أرض الصومال، وهي منطقة حكم ذاتي في الصومال تطالب بالاستقلال عن مقديشو، وسعت، لفترة وجيزة على الأقل، إلى إنشاء منطقة تجارة حرة في جيبوتي.

وبحسب ما ورد، باعت مصر أسلحة إلى الصومال في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، ويشاع أن قوات الأمن المصرية قد حصلت على قاعدة عسكرية في جنوب السودان أيضا.

ونفت جوبا التقارير، لكن ذلك يتفق مع نمط المشاركة المصرية في جنوب السودان على مدى الأعوام العديدة الماضية.

وأخيرا هناك إريتريا، التي طورت مصر العلاقة معها دبلوماسيا لأعوام، والتي تشارك القاهرة وجهات نظرها حول بعض القضايا الإقليمية، مثل الانتقال السياسي المستمر في السودان.

وردت إثيوبيا بخطة طموحة لبناء قوة بحرية تأمل الدولة الحبيسة أن تسمح لها باستعراض قوتها في البحر الأحمر وخليج عدن وتحقيق التوازن ضد القوة البحرية المصرية هناك.

وفي حين تمتعت أديس أبابا بالفعل بشراكات سياسية واقتصادية عميقة في جميع أنحاء القرن الأفريقي، فقد سعت أيضا إلى معالجة نقاط ضعفها مع جيرانها.

وتحت قيادة رئيس الوزراء "آبي أحمد"، الذي وصل إلى السلطة عام 2018، بدأت إثيوبيا تقاربا تاريخيا مع إريتريا، العدو اللدود، وأقامت "تحالفا ثلاثيا" جديدا مع ذلك البلد والصومال.

وكان "آبي" ينوي أن يفرز التحالف حقبة جديدة من السلام الإقليمي والتكامل في القرن الأفريقي، مع وجود إثيوبيا كمركز ثقل في المنطقة.

لكن ثبت صعوبة تحقيق تلك الرؤية، فبينما يتمتع "آبي" بعلاقات شخصية حميمية مع الرئيس الإريتري "أسياس أفورقي"، فإن العلاقات الثنائية بين البلدين لا تزال غير مؤسسية وتعتمد جزئيا على رغبة رئيس الوزراء الإثيوبي في تهميش أعداء إريتريا داخل إثيوبيا.

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن التحالف الثلاثي قد قوض علاقات إثيوبيا مع الحلفاء التاريخيين، جيبوتي وأرض الصومال وكينيا.

ويكمن قلق جيبوتي بشأن التقارب بين إريتريا وإثيوبيا بسبب تنافسها مع أسمرة، في حين حذرت أرض الصومال وكينيا من علاقات "آبي" بمقديشو.

كما تأثرت علاقة إثيوبيا بالسودان في العام الأخير من حكم الرئيس "عمر البشير"، وكانت العلاقات بين البلدين قوية، لا سيما بعد أن صادق "البشير" على سد النهضة في عام 2012.

ولكن مثل نظيره في جيبوتي، كان الرجل السوداني القوي غير مرتاح للتقارب بين إريتريا وإثيوبيا، ويبدو أن العلاقات تحسنت مرة أخرى منذ الإطاحة بـ"البشير" في أبريل/نيسان 2019، لكن التوترات مع الحكومة الانتقالية في السودان لا تزال قائمة.

وأدى نزاع حدودي خامد منذ فترة طويلة إلى اشتباكات عسكرية خطيرة بين البلدين في مايو/أيار ويونيو/حزيران من هذا العام، وأثار خطاب صارم بشكل غير معهود من جنرالات السودان.

كما يمكن أن تحدث المشاكل مع الصومال، حيث راهنت إثيوبيا سياسيا بشكل كبير على الرئيس "محمد عبدالله محمد"، أو "فارماجو"، حيث زودته بالدعم السياسي والعسكري في مواجهة خصومه المحليين.

وقام "فارماجو" بدوره بمناورة طموحة لتنمية سلطة الحكومة الفيدرالية على مدار العامين الماضيين، وهو الأمر الذي قد يكلفه إعادة انتخابه في عام 2021 ويترك إثيوبيا بدون حليف في القصر الرئاسي.

بعبارة أخرى، لا تزال العلاقات الدولية في القرن الأفريقي غير مستقرة، وتضيف جهود إثيوبيا ومصر للالتفاف على بعضهما البعض دبلوماسيا إلى المزيج القابل للانفجار بالفعل.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي