عبدالناصر مجلي في "جغرافية الماء"..المبدع المتنوع الذي يسجل حضوره الروائي عن جدارة!!

2020-08-10 | منذ 9 شهر

د. عبدالعزيز المقالح

كان الكاتب الأرجنتيني العظيم " خورخي بورخيس " كلما سئل لماذا لم تحاول كتابة الرواية يجيب : الكسل بالطبع . ولعل هذا هو السبب الذي حال ويحول بين كثير من مبدعينا وكتابة الرواية ، هذا الجنس الأدبي الذي فرض وجوده في العقود الأخيرة ، وصار عند البعض أدب العصر أو بتعبير آخر الفن الأدبي للحظة الراهنة بامتياز.
ويبدو أن الشاعر والقاص المبدع عبدالناصر مجلي أدرك أهمية الرواية وما يحف بها من اهتمام الحاضر وينتظرها من حفاوة المستقبل فأقبل على كتابتها لا على سبيل الهواية والتنويع في إبداعاته المتعددة وإنما لأنه وجد فيها نفسه ، ربما كما لم يجدها في القصة القصيرة وفي الشعر أيضاً . وفي هذه الرواية ، كما في سابقتها ( رجال الثلج ) يسجل عبدالناصر حضوره الحقيقي في الفن بجدارة . وإذا كانت مجموعته القصصية الأولى " ذات مساء " قد وضعته في طليعة القائمة التي تضم مبدعي هذا الفن السردي ، فإن هذين العملين الروائيين يؤكدان هذه المكانة ويرسمان فضاءً آخر من فضاءات نجاح هذا الكاتب الشاب وإصراره الدائب على ارتياد عوالم جديدة بمغامرة محسوبة وللقبض على مكامن الإدهاش .
وأعترف أنني لا أكف عن متابعته بشغف ، اقرأه شاعراً وقاصاً وروائياً ومحاوراً وكاتباً للمقال السياسي والاجتماعي . ولا أقولها مجاملاً لعبدالناصر هذا الفتى الموهوب حتى العظم أنه لم يخيب ظني في كل ما يكتبه ويبدعه ، في حين خاب ظني مع كثير ممن تحمست لبداياتهم الأولى وظننت أنهم سيواصلون العد التصاعدي في الإبداع من الرقم واحد إلى ما لانهاية ، لكنهم – أو أغلبهم – لم يواصلوا المغامرة ووقفوا عند بداية الأرقام مفضلين الإخلاد إلى الراحة والسكون والاكتفاء بالقليل الذي أنجزوه ، بينما واصل عبدالناصر رحلته الصاعدة . وحين كان لا يجد فضاء القصة القصيرة مفتوحاً يذهب إلى الشعر ، ومن الشعر إلى الرواية ، وهكذا حتى اقترب في سنوات قليلة من حيث يريد ونريد .
لن اتحدث في هذا التقديم عن الرواية التي أضع هذه الكلمات بين يديها . وذلك لأنني أريد للقارئ أن يدخل إليها من دون دليل ، وأن يكتشف بهاءها وخيالها العلمي الشعري بنفسه وأن يشعر بقدرة الروائي على أن يحمله بين السطور وعبر الكلمات في " جغرافية الماء " ، وما يتخلل أبعادها الخيالية من أحداث ومفارقات ، من وقائع تساعد اللغة الشعرية على اجتراحها والانتقال بها من عالمنا الأرضي المليء بالمكائد والحروب والجفاف إلى كوكب مائي عجيب غريب برجاله ونسائه ومقومات حياته وما تحقق لساكني ذلك الكوكب في مجال المعرفة من علوم يتضاءل أمامها كل ما عرفه الإنسان حتى الآن .
لقد قرأت عدداً من الروايات العلمية فأصابني بعضها بالملل لكنني تمنيت عند قراءة هذا العمل الروائي لو يطول ليزيد استمتاعي به أكثر فنحن معه في حكاية علمية أغرب من كل خيال وفيها قصة حب من نوع خاص ، حب مستحيل ، حب أبعد من الخيال وهو حب لا يتم على الأرض بل في ذلك الكوكب الغريب الذي سبقت الإشارة إليه ، حب إنسان من لحم ودم لامرأة من ماء أو هكذا تخيلتها .. في الرواية بعدٌ أو بالأحرى أبعاد رمزية لا يكتنفها الغموض ، وتمحورها حول الماء يذكرنا بهذا الإهدار الذي يتم بجنون مع هذا المكون العظيم للحياة الذي يصبح معه سؤال الروائي " أي عالم تساوي فيه قطرة ماء كل أموال الدنيا " صرخة جديرة بالاستيعاب والتأمل . وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن ننسى التشابه التام بين لصوص الماء الذين جاؤا إلى الأرض من عالم مجهول ليمتصوا كل ما على الأرض من ماء ليحتكروه لشعبهم ، مع لصوص الثروات والإمكانات التي تزخر بها شعوب العالم الثالث هؤلاء الذين أفسدوا " البحار والأنهار واحرقوا الغابات والسهول والأودية والحدائق وحيثما وجدت أشجار أو حشائش " وهم متقدمون لا جدال في ذلك ولكنهم أنانيون جشعون يريدون كل شيء لهم وحدهم دون سائر البشر .
إنني أدعو ، وبإلحاح ، إلى ترجمة هذه الرواية إلى مجموعة من اللغات بوصفها صرخة إنسانية ينبغي على البشر أن يتوقفوا عندها طويلاً وقبل فوات الأوان ، فهي كعمل روائي متقن الأداء بديع اللغة يحمل رسالة غير مباشرة إلى جميع البشر الذين يعبثون بالبيئة الخارجية للأرض ويتسابقون في جني الأرباح الخيالية من وراء هدم المكونات الأساسية للبيئة التي يعيش عليها الإنسان فضلاً عن كون الرواية حواراً غير مباشر أيضاً مع الواقع بكل ملابساته المؤلمة من طغيان القوي على الضعيف واستغلال الأول للثاني نظراً لقصور في حالته المادية والمعنوية .

لقراءة الرواية كاملة أضغط على الرابط أدناه:

https://thenationpress.net/pdf-6.pdf



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي