جاؤوا بأبيه لدفعه للاستسلام.. كيف أدى الاضطهاد الهندي لإحياء المقاومة الكشميرية بعدما كانت تحتضر؟

2020-08-07 | منذ 2 شهر

اتَّسمت أبيات شعر فايز تيلغامي خلال العام الماضي بنبرة الحزن والفقدان: بيت مفقود، لغة مفقودة، عالم مفقود. يقول الشاعر الكشميري البالغ من العمر 70 عاماً، بصوت يملأه الحزن والأسى، "لقد فقدنا وجودنا"، كان هذا أبلغ تعبير عمّا سبَّبته ممارسات الهند في كشمير.

كانت حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد ألغت في 5 أغسطس/آب 2019، المادة 370 من الدستور الهندي، والتي كانت تمنح وضعاً خاصاً شبه مستقل لمنطقة جامو وكشمير المتنازع عليها، ذات الأغلبية المسلمة. حصلت كشمير على هذا الوضع الخاص مقابل الانضمام إلى الهند بعد الاستقلال في عام 1947. 

لكن كل شيء تغيّر فجأة بعد صدور مرسوم رئاسي يقضي بإخضاع ولاية جامو وكشمير تحت السيطرة الكاملة لحكومة الحزب الحاكم القومي الهندوسي -حزب الشعب الهندي أو بهاراتيا جاناتا- وتقسيم تلك الولاية إلى منطقتين اتحاديتين، بحيث لا يختلف وضعها عن أي ولاية هندية أخرى.

ألقت الحكومة الهندية القبض على السياسيين، وعلّقت خدمات الهاتف، وقطعت الاتصال بشبكة الإنترنت، وانتقل الآلاف من أفراد القوات المسلحة الهندية إلى المنطقة لفرض تدابير صارمة لم تُخفّف حدتها بالكامل حتى الآن، فضلاً عن استمرار عمليات استجواب الصحفيين، الذين يتابعون تطورات الوضع في كشمير، وإلقاء القبض عليهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

وقال تيلغامي: "ليست أرضنا فقط التي سُلبت منّا، بل هويتنا أيضاً"، واصفاً قرار إلغاء المادة 370 بأنَّه "كارثة كبيرة" تركت المنطقة بأكملها في حالة من الشلل. وأضاف: "كُمِّمت أفواهنا، وكُسرت أقلامنا".

ازدهار اقتصادي لم يتحقق

برّرت حكومة مودي إلغاء المادة 370 بأسباب تتعلّق بتحقيق الازدهار الاقتصادي للمنطقة المضطربة، وفتحها أمام الاستثمارات الخارجية والقضاء على المُسلّحين المدعومين من باكستان. وزعم وزير الداخلية الهندي، أميت شاه، أنَّ "إلغاء المادة 370 يغلق بوابة الإرهاب".

ومع ذلك، وجد سكان كشمير أنفسَهم بدلاً من ذلك يعيشون في منطقة متقلبة وغير مستقرة وهشة اقتصادياً أكثر من أي وقت مضى. تسبّبت تدابير القمع الحكومية الهندية، لاسيما قطع الاتصال بشبكة الإنترنت لمدة 6 أشهر، في خسائر اقتصادية هائلة وارتفاع نسبة البطالة، وكلّفت الاقتصاد الكشميري ما يُقدَّر بنحو 5.3 مليار دولار، وهو وضع ازداد سوءاً بسبب إجراءات الإغلاق اللاحقة بسبب جائحة فيروس كورونا.

وأخطر ما فعلته الحكومة هو السماح لغير الكشميريين بشراء الأراضي

لم تفعل الحكومة الهندية شيئاً يُذكر لتشجيع الازدهار الاقتصادي، بخلاف تغيير القواعد الصارمة للإقامة الدائمة في جامو وكشمير، التي كانت تمنع في السابق غير الكشميريين من شراء الأراضي والممتلكات والاستثمار في المنطقة. وقد مُنح غير الكشميريين حق الإقامة في الولاية منذ شهر أغسطس/آب الماضي.

بالنسبة للكشميريين، كان تغيير وضع الإقامة لغير الكشميريين دليلاً على أنَّ هدف مودي الحقيقي يتمثّل في الدفع لتطبيق الأجندة القومية الهندوسية لحكومة حزب الشعب الهندي، التي ترغب في تحويل الهند من مفهوم الدولة العلمانية إلى دولة هندوسية، من خلال تغيير التركيبة السكانية للمنطقة بعيداً عن طبيعتها ذات الأغلبية المسلمة، عبر ما يمكن تسميته بـ"الاستيطان الهندوسي".

قال سيبتان (33 عاماً)، أحد سكان مدينة سريناغار الواقعة في ولاية جامو وكشمير، إنَّه "يجن جنونه من احتمالية أن يصبح مواطناً من الدرجة الثانية".

وأضاف: "أسوأ مخاوفي فقدان كشمير لهويتها، بعد أن تقرَّر إدماجنا في الهند، ذات الأغلبية الهندوسية الأكبر".

مقاومة تتصاعد بعدما كانت تحتضر

لا يزال الوضع الأمني ​​في جامو وكشمير مضطرباً كما كان في السابق، ويؤثر على حياة جميع أولئك الذين يعيشون في المنطقة، مع استمرار حالات الوفاة للمدنيين وتدمير المنازل.

وبدلاً من جلب الهدوء إلى المنطقة أدَّى التواجد الأمني ​​المُكثّف، وحملات مكافحة محاولات التمرد إلى مواجهات عنيفة أسبوعية بين القوات الهندية وجيل جديد من المسلحين. ووفقاً لعدد من منظمات حقوق الإنسان، أسفرت المواجهات عن مقتل 229 شخصاً، من بينهم 32 مدنياً و54 من القوات الحكومية و143 مسلحاً، بالإضافة إلى تدمير 48 منزلاً في الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 20 يونيو/حزيران.

 يعتقد أن الصين غاضبة مما فعلته الهند في كشمير

قال أحد سكان جنوب كشمير: "لا يوجد منزل واحد في المنطقة لم يتعرّض للتفتيش، ولا توجد قرية واحدة تقريباً لم تشهد عمليات لمكافحة التمرد".

وعلى الرغم من قلة عددهم مقارنةً بعدد القوات الحكومية الهندية، نجح هؤلاء المقاتلين الشباب قليلي الخبرة وضعيفي التسليح في إحياء حركة تمرد محتضرة.

جاؤوا بأبيه لدفعه للاستسلام

كان شاكور فاروقي في أواخر مرحلة مراهقته عندما اختفى دون أثر في العام الماضي. كان والده فاروقي أحمد صاحب متجر للأحذية، قد عرض آخر صورة التُقطت لابنه الأصغر ووصفه بـ"حبيب القلب".

قُتل شاكور فاروقي على الأرجح في تبادل لإطلاق النار، في يونيو/حزيران، بعد أن رفض عرضاً للاستسلام عندما حاصرته القوات الهندية في أحد المنازل بمدينة سريناغار مع مسلحين آخرين. استدعت حينها السلطات والده إلى مكان الحادث؛ كي يحاول إقناع ابنه بالاستسلام، لكن الابن لم يستجب لمناشدات والده. قال أحمد: "كانت هناك ستائر على النوافذ، ولم نسمع أصواتاً قادمة من هناك، بدا الأمر مثل حرب على الحدود، كان هناك الكثير من رجال الشرطة".

يعتقد أحمد أنَّ ابنه "استُشهد"، قائلاً: "ما نشهده هنا هو أمر مؤسف للغاية، فالأب يعاني كثيراً من أجل تربية أولاده".

نجم أيضاً عن إلغاء المادة 370 تبعات أمنية على المستوى الجيوسياسي. يعتقد كثيرون أنَّ توغلات الصين الأخيرة في منطقة لاداخ المتنازع عليها، وهي المنطقة الحدودية المتاخمة لكشمير في جبال الهيمالايا كانت جزئياً خطوة انتقامية رداً على سيطرة الهند الكاملة على كشمير، في الوقت نفسه لطالما كانت العلاقات الهندية-الباكستانية مشحونة بالتوتر.

من جانبه، أشار تيلغامي، أثناء وجوده في منزله بقرية تيلغام الواقعة شمال كشمير، وهي القرية المعروفة بإنجاب أجيال من الشعراء، إلى إنَّه سيواصل كتابة الشعر الذي يوثّق حالة اليأس المنتشرة بقوة في كشمير، على الرغم من تهديدات متكررة بالاعتقال من جانب الأجهزة الأمنية.

 قال تيلغامي: "ثمة أشخاص يُقتلون في كل مكان. لم يعد الشعر يدور حول مشاعر الحب، بل يتعلق بما يشعر به المرء حوله: العجز والفوضى".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي