تعلم ولا تقل لا اعلم

محمد علّو
2020-07-26 | منذ 2 شهر

رحم الله والدي العزيز، كان كلما طلب من أخي الكبير القيام بأمر ما من متطلبات الحياة اليومية البسيطة، كإصلاح عطل في المنزل أو غيرها من الأمور غير المعقدة، أو الذهاب الى مكان لإحضار حاجيات، فإن جواب أخي له كان لا يتغير؛ "ما اعرفش". وكان رد والدي "كلمة ما اعرفش بتريح". فينتقل أبي بنظره إلي دون أن ينطق بكلمة، كأنه كان يكلمني بعينيه ولسان حاله يقول لا بد أن هنالك فائدة في أحد أبنائي. فلا تخذلني يا بني.

كنت دائماً أشعر بالفخر لأني محل ثقة أبي، وكان هو يشعر بالزهو وهو يتحدث أمام أقاربنا شارحًا لهم كيف أنه كلفني بأمر ما فقمت بتنفيذه على أكمل وجه، أو على الأقل بأفضل ما استطعت في حينها، والحقيقة أنني لم أكن دائمًا قادرًا على تنفيذ ما يطلب مني، وأحيانًا كنت لا أعرف كيف أنفذ ما يطلبه، غير أنني لم أعترف بذلك أبدًا، بل كنت أوحي إليه بأنني الرجل المناسب للمهمة المطلوبة.

وما أن أبتعد قليلاً حتى أبدأ رحلة البحث عمن يمكن أن يفيدني، ويرشدني إلى كيفية تنفيذ المهمة، عن طريق سؤال الأصدقاء أو الجيران، أو البحث في المجلات القديمة، التي كنت أحرص على اقتنائها في ذلك الوقت، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما أعود منفذًا المهمة وقد استغرقني الكثير من الوقت، دون أن يسألني أبي لماذا تأخرت، وأدركت بعد وقت طويل أنه كان يعلم أني استعنت بمن - أو بما - يعينني على قضاء ما طلبه مني، ولكنه كان لا يذكر ذلك تشجيعاً منه.

 

أذكر لكم هذه القصة لأن الزمن قد تغير، ولو أن الوسائل المتاحة لكم الآن كانت متاحة لنا أيام الصبا، لما كان أخي نجا بفعلته أو بجملته الشهيرة كل مرة، فاليوم أصبحت وسائل المعرفة متوفرة ومتاحة وبسيطة، لدرجة أنك تستطيع أن تتعلم أي شيءٍ تقريبا دون الحاجة الى سؤال أي كان.

 

كل ما عليك أن تقوم به هو بحث بسيط على الشبكة العنكبوتية، عن أي أمر تحتاج إصلاحه أو تركيبه أو حتى صناعته من الصفر، وسوف تدهش لكمية المعلومات التي ستجدها حول موضوع اهتمامك، مهما كان صعبًا أو معقدًا، وبقليل من الجهد في البحث قد تجد حلولًا تأخذك خطوة خطوة نحو تنفيذ ما تريد.

 أنهيت دراستي الجامعية في مجال الأعمال والكمبيوتر منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولكني لم أعمل بشهادتي، وعملت بالتجارة الحرة لعدة سنين، لم أكن حرفياً ولم اتعلَّم أن أعمل بيدي في بداية حياتي وشبابي، ورغم ذلك فقد كانت دائمًا تروادني فكرة تعلم إصلاح السيارات لولعي بالسيارات، وخاصة السيارات الرياضية، في بداية الثلاثينيات من عمري تغيرت ظروفي الشخصية مما فرض علي تغيير مهنتي وبدأت رحلة العمل اليدوي الذي لم أكن اعرف عنه شيئاً كمحترف، وعلمت نفسي بنفسي عن طريق البحث والمشاهدة والتجربة واكتساب الخبرة ببطءٍ وثبات. حتى اكتشفت في نفسي أنني قادرٌ على تنفيذ أي عمل وفي مجالات مختلفة، وأعطيكم مثالًا بسيطًا حدث معي منذ وقت قريب، تعطل ناقل السرعة الآلي في سيارتي، ولم يعد باستطاعتي تحريكها من مكانها، لأن ناقل السرعة تجمد في مكانه على خاصية الوقوف، فاتصلت بصاحب الجراچ الذي أتعامل معه عادةً، فطلب مني أن أحضر السيارة إلى الجراچ، ما يعني طلب ناقلة لتحمل سيارتي الى الجراچ، مع ما يتضمن ذلك من تكلفة ووقت وجهد، فأقفلت الهاتف معه، وقمت ببحث سريع حول الموضوع، وبعد حوالي عشرين دقيقة كنت قد تمكنت من تحديد مكان العطل، والذي كان مفتاح حساس مكانه تحت المقود وفوق المكابح، فاتبعت الإرشادات وأضفت بعض الشحم عليه حتى يعمل مجددًا، ثم أعدت تركيبه كما كان، وإذا بالسيارة تعمل دون أي مشكلة، غني عن القول ما وفرت على نفسي من مال وجهد ووقت. خاصة أن إصلاح السيارات في لندن من الأمور المكلفة جدًا

 

نصيحتي للشباب دومًا: لا تقل لا أعرف أبدًا. ابحث وتعلّم وافعل ما تستطيع قبل أن تلجأ إلى من يقوم عنك بأي أمر مقابل المال. ستشعر برضى نفسي وسعادة خاصة وتوفر بعض المال أيضًا.

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي