الفيلم البريطاني"الملك لير": دولةٌ تفتقد إلى الحب مصيرها العدم

2020-07-03 | منذ 5 شهر

مروان ياسين الدليمي

ما الذي يمكن أن نتوقعه من جديد عندما نذهب إلى صالة سينما، أو نجلس أمام شاشة التلفزيون لنشاهد فيلما يعيد تقديم رائعة الكاتب الإنكليزي وليم شكسبير»الملك لير»؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح علينا، لأن ذاكرتنا تختزن العديد من الأشرطة السينمائية العالمية، التي اعتمدت على هذه المسرحية، منها أفلام بريطانية وأمريكية وروسية وعربية، تنوعت فيها رؤية المخرجين الفنية، بعضهم لم يستطع الخروج من الإطار المسرحي للنص، رغم محاولته إضفاء بنية الفيلم السينمائي على المعالجة، بينما أخرون كانوا أكثر حرصا على الإبقاء على الجو المسرحي داخل السرد السينمائي، لأن في ذلك من وجهة نظرهم يمثل تحديا فنيا، ينبغي الخروج منه لصالح الحفاظ على الإطار الجمالي للنص المسرحي.

كتابة جديدة للنص

في كل الأحوال قيمة أي شريط سينمائي يستند إلى نص مسرحي لشكسبير تأتي في إطار ما يراهن عليه المخرج من رؤية فنية للعلاقات الإنسانية القائمة داخل النص، والشكل السينمائي الذي سيتم من خلاله الانفتاح على ما يحمله من أفكار، وما يحتمله من تأويلات، تأخذ به إلى كتابة جديدة، قائمة على توظيف الصورة، التي هي الوحدة الفنية الأساسية للشريط السينمائي، وبما تتضمنه من رهانات تقنية قائمة على حجم وزاوية اللقطة، وحركة الكاميرا، وما ترسمه مصادر الإضاءة من لغة درامية تبعث في المتلقي إشارات وأحاسيس لن يحظى بها في العرض المسرحي، مع قدرة الكاميرا على الانتقال إلى خارج حدود الجدران الأربعة لصالة العرض المسرحي، وكل هذه العناصر التي تتميز بها اللغة السينمائية عن لغة المسرح، تجعلنا نتوقع أن نرى إضافة فنية عند عرض أي فيلم سينمائي يتصل بواحد من نصوص شكسبير.

الملك لير والممثل هوبكنز

آخر فيلم بريطاني أنتج عام 2018 اعتمادا على نص مسرحية «الملك لير» كان من إنتاج تلفزيون بي بي سي مع شركة أمازون، من إخراج ريتشارد إير.. شارك في تقديم الشخصيات الرئيسية: أنتوني هوبكنز، إيما طومسون، إميلي واتسون، فلورنسا بوغ، أندرو سكوت. وكل هؤلاء الممثلين لهم خبرة مهمة في المسرح، خاصة هوبكنز، الذي قضى أكثر من 60 عاما يمثل ما بين السينما وخشبة المسرح، والجزء الأكبر منها كانت على الخشبة، وخلالها قدم العديد من الشخصيات الشكسبيرية منها، الملك لير، إلاَّ أن عودته إلى هذه الشخصية في هذه المرحلة العمرية المتقدمة، إذ يبلغ من العمر 82 عاما، يعد تحديا كبيرا لتجربته، ولربما يكون اليوم أقرب إلى شخصية لير من حيث العمر، وسبق له أن قدمها على خشبة المسرح عام 1986 من إخراج ديفيد هير، في حينها كان هوبكنز في ذروة شبابه وعطائه المسرحي، وقبل أن ينال جائزة الأوسكار عام 1991 عن دوره في فيلم «صمت الحملان» مع الممثلة جودي فوستر، وهذا الفيلم الذي جاء بعد مسيرة طويلة على خشبة المسرح، منحه دفعة قوية إلى عالم النجومية السينمائية، لم يكن يتوقعها، ليواصل منذ ذلك التاريخ تقديم شخصيات غريبة الأطوار على الشاشة، انفرد لوحده في تقديمها بشكل مؤثر، من غير الممكن أن يجاريه في هذا التفرد ممثل آخر في جنونه.

العودة بعد ثلاثين عاما

بعد غياب دام ثلاثين عاما عن عالم شكسبير المسرحي، الذي كان قد انطلق منه في بداياته مع المسرح البريطاني العريق بتقاليده، يعود هوبكنز مرة أخرى لتقديم شخصية «الملك لير»بعد أن تقدم في السن، وعلى ما يبدو لكل من شاهد الفيلم، فإن المرحلة العمرية التي وصلها ساعدته كثيرا على تقديم لمحات مذهلة في الأداء، أسعفته على ذلك خبرته المتراكمة، وأسلوبه العصامي في التعامل مع الشخصيات التي يؤديها، معتمدا على طريقة ستانسلافسكي في الحلول داخل الشخصية، والذوبان فيها، وهذا ما تمرس عليه في مدرسة «لي ستراسبوغ» للتمثيل في أمريكا، ولطالما عاود الدخول في مختبرها بين فترة وأخرى، مثلما يفعل أبرز الممثلين المحترفين مثل آل باتشينو، وروبرت دي نيرو، وقبلهما بول نيومان ومارلون براندو، لإعادة تأهيل أدواتهم التعبيرية وتحفيز طاقاتهم الجسدية والصوتية، والأهم من ذلك إعادة شحن مخيلتهم باحتمالات غير متوقعة في أداء الشخصيات، لاجتياز مناطق مجهولة أثناء تقديم الشخصيات من الداخل.

اختزال النص سينمائيا

واضح جدا أن المخرج ريتشارد إير، أحاط نفسه بحرص شديد قبل أن يخضع النص إلى التعديلات، وفقا لما تقتضيه اشتراطات الكتابة التلفزيونية أو السينمائية، فالفرق هنا من وجهة نظرنا بين التلفزيون والسينما بسيط جدا ويكاد لا يذكر، وعلى ذلك عمل ريتشارد على اختزال النص عند كتابة سيناريو الفيلم إلى 115 دقيقة بدل الثلاث ساعات، التي يستغرقها في ما لو عرض على خشبة المسرح، ربما يكون اختزال الزمن أبسط ما أقدم عليه المخرج من تعديلات، لأن المعالجة التي جاء عليها الفيلم انشغلت في إحداث إسقاط معاصر على النص المسرحي، امتازت بتقديم معطيات واقعية من الحياة الإنسانية الحديثة بكل مظاهرها، السياسية والعمرانية وشبكة المواصلات ووسائط النقل، بذلك انتقل السرد الفيلمي في بنيته الدلالية من الزمن الماضي إلى الزمن الحاضر، ولم يعد حكاية عن الملك لير وبناته الثلاث، عندما قرر أن يوزع أملاكه على بناته الثلاث، فلم تشأ ابنته الصغرى كورديلا مثلتها (فلورنس بيو) أن تنافقه كما فعلت شقيقتاها غورنيل مثلتها (إيما تومسون) وريغان مثلتها (إيملي واتسون)، ولهذا يعاقبها بحرمانها من الميراث، فلا يمنحها أي شيء من أملاكه، واشترط أثناء توزيعه للأملاك عليهما أن يقيم عند كل واحدة من بناته لفترة معينة، غير أن ابنتيه الكبيرتين تقرران الاستيلاء على كل شيء وتطردانه، فلا يجد ملاذا في شيخوخته إلا لدى ابنته الصغرى.

ديكتاتور وليس ملكا

في نسخة الفيلم سنكون أمام حاكم عسكري، تتمثل فيه ملامح الطغاة الذين عاصرناهم في القرن العشرين وما بعده، بكل ما يحملونه من تعنت وقسوة وعدم إصغاء لآراء الآخرين، والمضي في عنادهم لتنفيذ قناعاتهم، بدون الرجوع إلى مشورة أحد من طاقم الحكم، فالملك لير يتحول إذن عند المخرج ريتشار إير إلى نموذج لديكتاتور معاصر، يتبع أهواء نفسه فيرتكب الحماقات التي تؤدي به إلى تدمير الدولة وتمزيقها، ولن يصحو من جنون العظمة والغرور، إلاَّ بعد أن يكون قد فقد كل شيء، وعم الخراب مملكته، وحتى عندما يستردها يكون قد خسر بناته.

قدر ما كان أنتوني هوبكنز متألقا في تقديم شخصية الملك لير، فإن الحديث عن التمثيل سيقودنا إلى بقية الممثلين، وفي المقدمة منهم الممثلات اللواتي اضطلعن بتأدية شخصيات بنات الملك، ومن الصعب تجاوز ما قدمته الممثلة أيما تومسون من أداء ساحر.

آل باتشينو

مقاربة جديدة للنص

يذكرنا لير في هذا الفيلم، بنماذج سيئة من الحكام، سبق أن مروا في ذاكرة الشعوب خلال العقود الماضية، سواء في الشرق أو الغرب، ابتداء من ستالين ومرورا بأدولف هتلر، وانتهاء بزعيم كوريا الشمالية والقذافي وصدام وبشار الأسد، وهذا الإسقاط المعاصر للنص المسرحي، قدّم لنا الإجابة على السؤال الأساسي، الذي طرحناه في البداية حول جدوى مشاهدة عروض فنية تعتمد على نصوص شكسبير، فالمسالة ليست إعادة سرد للحكاية، بما تتضمنه من أفكار عظيمة تتضمنها هذه النصوص، ولا احتفاء تقديسيا بميراث أدبي إنكليزي لواحد من أعظم الكتاب والشعراء، ومن الخطأ أيضا النظر إلى هذه الإعادة من جانب شكلاني، عندما يتعلق الأمر بالمشاهد التي تضمنت ناطحات سحاب وطائرات وسيارات وأسواقا وشوارع وجسورا مصنوعة من زجاج وفولاذ، إنما يتم النظر إلى مثل هذه المغامرات الفنية المستمرة التي عادة ما يقدم عليها العديد من المخرجين الكبار، من خلال ما يسعون إليه من اجتراح مقاربة فنية جديدة لدلالات نص كلاسيكي، يعيدون فيها اكتشاف ما يحتمله من تأويلات، وهذا ما جاءت عليه قراءة هذا الفيلم من قبل المخرج، بانفتاحها على البنية العسكرية، التي بدا عليها كيان الدولة التي يديرها لير، حتى بدت وكأنها دولة تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين، ويمكن العثور على ما يقابلها في الواقع، بذلك يكون النص قد انفتح بدلالالته على زمن آخر، يتماهى مع مدركات المتلقي، ويمكن تلخيص ما قاله الفيلم بجملة مختزلة إن القسوة المفرطة تُلحق الضرر بالأسرة والدولة معا، وفي ما يتعلق بإدارة الدولة، فإن من غير الممكن أن تبنى وتستمر، إذا كانت تفتقد إلى الحب، وستتحول بالنتيجة إلى كيان عدمي .

الفيلم وتقنيات النص المسرحي

لم يكن المخرج يستطيع أن يغامر بالتعديلات التي أجراها على النص، حتى يتوافق مع العرض التلفزيوني، إلاَّ لانَّ نصوص شكسبير تحتمل ذلك، وهذا واحد من أسرار خلودها، وقدرتها على أن تتواصل مع تحولات الزمن، فمن المعروف عن تجربة شكسبير في الكتابة، أن لها خصوصيتها، وهذا يعود إلى أنه كان ممثلا ومخرجا ومنتجا ومديرا للفرقة المسرحية، التي يقدم من خلالها عروضه قبل أن يكون مؤلفا مسرحيا، وهذا المسار في تجربته، جعله يعرف مقتضيات العرض قبل أن يكتب أي نص جديد، فوظّف خبرته الاحترافية، باعتباره رجل مسرح في معالجة وحدات التأليف التقنية، سواء في بناء الشخوص أو المشاهد، أو الانتقال بين الأمكنة والأزمنة، ودائما ما توصف نصوصه بأنها أشبه ما تكون مادة خام، وهذا ما سبق أن أشار إليه المؤلف والمخرج المسرحي الألماني برتولد برشت (1898 – 1958) ومع ذلك فإن المعالجة الفيلمية للنص لم تتخل كليا عن بعض التقنيات المسرحية في الكتابة، مثل اللحظات التي تنفرد فيها الشخصية مع نفسها وتخاطب الجمهور، وتكون في حالة انفصال تام عن المكان والزمان والشخصيات الموجودة في المشهد، وهذا الإجراء المسرحي الذي سحبه المخرج من النص إلى الفيلم، كأنما هو تذكير المتلقي بين فترة وأخرى، بأنه يشاهد فيلما مرجعيته الأصلية نصا مسرحيا شكسبيريا، وكان بإمكانه أن يجعل الممثل يؤدي تلك المقاطع، بدون أن يواجه الكاميرا، كما لو أنه حوار داخلي فيأتي الصوت من خارج الصورة (Voice over) وربما سيكون تأثيره أقرب إلى عالم السينما والتلفزيون منه إلى المسرح، لكن المخرج أبقى هذه التقنية المسرحية رغم عدم انسجامها مع البنية السينمائية.

أداء ساحر للممثلات

بقدر ما كان أنتوني هوبكنز متألقا في تقديم شخصية الملك لير، فإن الحديث عن التمثيل سيقودنا إلى بقية الممثلين، وفي المقدمة منهم الممثلات اللواتي اضطلعن بتأدية شخصيات بنات الملك، ومن الصعب تجاوز ما قدمته الممثلة أيما تومسون (مواليد 1959 ) من أداء ساحر، وهي الممثلة التي أثارت انتباه الجمهور ما أن ظهرت على الشاشة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حتى نالت جائزة الأوسكار عام 1992 كأفضل ممثلة عن دورها في فيلم «نهاية هاوارد»، وحصلت على جائزة الأكاديمية البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون كأفضل ممثلة ثلاث مرات، والإشادة أيضا ستنالها إيملي واتسون وفلورنس بيو، بعد أن قدمتا أداءً قائما على ما تمتلكانه من خبرة في التعامل مع تركيبة الشخصيات المسرحية التي تتضمنها نصوص شكسبير .

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي