دين ودنياتقارير وتحليلاتملفاتتحليلاتحقوق وحرياتنقطة ساخنةهجرةالأزهر الشريف

موت الاستراتيجية الأميركية في العراق

متابعات الأمة برس
2008-06-18
روبرت دوجاريك

أثار "جون ماكين" عاصفة من الانتقادات، عندما ألمح إلى أن توقيت انسحاب القوات الأميركية من العراق "لا يهم كثيراً"، وأن الشيء المهم في رأيه هو مقدار الخسائر التي تتعرض لها بلاده في العراق. وفي الحقيقة، نرى أن "ماكين" يستحق الشكر على صراحته في الإفصاح عما يؤمن به، على الرغم من عدم شعبيته.

 

بيد أن السيناتور "ماكين" لا يزال مع ذلك، مطالباً بتقديم إجابات واضحة للشعب الأميركي عن ثلاثة من الأسئلة الجوهرية: الأول، ما هي الأهداف الجوهرية التي يمكن تحقيقها من وراء الاحتفاظ بأعداد كبيرة من الجنود الأميركيين في العراق لعدة سنوات قادمة؟ الثاني، ما هي المحصلة الإيجابية التي ستتمكن الولايات المتحدة من تحقيقها في النهاية، والتي تبرر التكاليف الباهظة، التي يستلزمها تحقيق تلك المحصلة. أما السؤال الثالث والأخير، فهو: ما هي الاستراتيجية الفعلية للخروج من العراق؟

 

ربما يؤمن "ماكين" في قرارة نفسه، إنه لا يزال هناك هدف سياسي- حتى وإن كان أكثر تواضعاً بكثير من ذلك الذي أعرب عنه الرئيس بوش ومؤيدو الحرب في البداية- يمكن أن يبرر التضحية بالمزيد من الأرواح والأموال الأميركية. ولكنه إذا لم يكن قادراً على التعبير عن هذا الهدف، سوى من خلال ترديد شعارات مثل"كسب الحرب" و"الاستقرار"، فإنه سيصعب علينا في تلك الحالة تجنب الاستنتاج القائل إن هذا الهدف ليس موجوداً. وفي مثل هذه الحالة سيمكننا إضافة تكلفة باهظة أخرى لفاتورة الحرب وهي "موت الاستراتيجية".

 

الاحتمال الأرجح أن تتمكن الميليشيات الشيعية من الحفاظ على سيطرتها على معظم بلاد الرافدين، وساعتها ستكون أي حكومة عراقية عرضة للاختراق من قبل العملاء الإيرانيين.

من المعروف أن الأستاذ الاستراتيجي الذائع الصيت" كارل فون كلاوزفيتز" قال يوماً إن الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وهذا الرأي من جانب الاستراتيجي البروسي يستبعد من تفكيره الحروب التي تُشن دونما غاية سياسية محددة. لقد فهم الاستراتيجي البروسي، الذي كان يكتب تحت تأثير الفورات السياسية الناتجة عن الحروب النابوليونية، أن الحرب سياسية في جوهرها، وليست مجرد مواجهات فنية وميكانيكية بين الجيوش. من هذا المنظور يمكن لنا أن نتوصل إلى خلاصة مؤداها أن "النصر" لا يتم تعريفه فقط من خلال خسائر العدو البشرية.

 

و"ماكين" الذي خاض حرباً "خسرتها" الولايات المتحدة على الرغم من أنها تمكنت من هزيمة ثوار"الفيت كونج" والجيش الفيتنامي الشمالي في كل معركة من المعارك العسكرية التي خاضتها ضدهما، كان يجب أن يعبر عن تقديره لبصيرة "كلاوزفيتز"، وهو ما لم يحدث للأسف حيث رأيناه، ورأينا رئيسه بوش، والعديد من "الجمهوريين"، وهم يوبخون باراك "أوباما" وزملاءه "الديمقراطيين"، لرفضهم الإقرار بأن الولايات المتحدة "تكسب" الحرب الآن في العراق. وفي الحقيقة أنهم- ماكين وجماعته- بتركيزهم بشكل محدد على التقدم على المستوى التكتيكي- مثل انخفاض أعداد القتلى العسكريين، وانخفاض حوادث القتل الطائفي، وارتفاع أعداد الأحياء السكنية التي يسودها الهدوء، يتجنبون السؤال الأكثر جوهرياً: ما هي الأهداف الاستراتيجية والسياسية الأكبر التي يتم خدمتها في مثل هذه الحالة؟

 

يمكن بالكاد القول إن "الاستقرار" يمثل هدفاً سياسياً يستحق التضحيات التي لا يزال الجنود، ودافعو الضرائب الأميركيون يدفعونها في العراق. فمن المنظور الأميركي، يعتبر الاستقرار مهماً في حالة واحدة فقط، وهي أن تكون شروطه متسقة مع المصالح القومية الأميركية، أما الاستقرار من أجل الاستقرار، فهو شيء لا معنى له.

 

وهناك سؤال قد يتبادر للأذهان في هذا السياق:"ما هو نوع العراق الجديد المستقر، الذي سيبرز تحت حماية القوات الأميركية؟ هناك عدة احتمالات:

الأطراف، أو بالانفصال.

 

هناك احتمال آخر، وهو توصل العراقيين العرب إلى نوع من المصالحة، تتيح لهم الفرصة والمجال لتركيز طاقاتهم على تدمير الدولة الكردية التي يساندها الأميركيون، وعرقلة الهجمات التركية على شمال العراق.

 

الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن تتمكن الميليشيا الشيعية الخاصة من الحفاظ على سيطرتها على معظم، إن لم يكن كل، بلاد الرافدين. وفي مثل هذه الحالة فإن أي حكومة عراقية ستكون عرضة للاختراق من قبل العملاء الإيرانيين النافذين، وإلى الميل ناحية إيران.

 

والسؤال هنا هو: أي من تلك المحصلات التي تبدو مقنعة يمكن اعتباره هدفاً سياسياً جديراً بالاعتبار بدرجة تبرر الخسائر الأميركية، حتى لو انخفضت معدلاتها، أو يبرر وقوع المزيد من الضرر لوضع أميركا العالمي، ويبرر الاستمرار في صرف الأنظار عن التحديات الأخرى الأكثر إلحاحاً؟

 

البعض سيجادل بالقول إن الحقيقة البسيطة المتمثلة في زرع الديمقراطية في العراق – هذا إذا ما افترضنا أنه سيكون ممكناً تحقيقها من خلال سيناريو من السيناريوهات التي أشرنا إليها- ستكون كافية في حد ذاتها، كهدف سياسي يمكن التضحية من أجله بالمزيد من الأرواح والأموال الأميركية. ولكننا إذا ما أخذنا في الاعتبار تجربة الانتخابات الديمقراطية في المناطق الفلسطينية، وإلى حد ما في إيران، فهل سيكون من المنطقي، أن نتوقع أن الديمقراطية العراقية – من دون وجود القوات الأميركية- ستحترم حقوق الأفراد وتكون في الوقت ذاته على صلة صداقة بالولايات المتحدة؟ خلال مسيرة الحملة الانتخابية هذا الصيف، ربما يكون "ماكين" على حق إذا ما أعاد التعبير عن أمله في تمكن القوات الأميركية من كسب حرب العراق بحلول 2013. ولكن السؤال الذي سنوجهه إليه في مثل هذه الحالة هو: تكسب ماذا؟

 

 

 

__________________________________________________

 

مدير معهد الدراسات اليابانية المعاصرة في جامعة" تمبل" - طوكيو

 

 











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي