

عندما وطأ جورج بوش الأرض الأوروبية المرة الأولى قبل 7 سنوات، كان عالمنا قطبياً، وكنا خرجنا لتونا من عالم الحرب الباردة الاثنيني، ومداره على تنافس الجبارين. ولكن أفكار القادة الأميركيين، على رغم وضوحها قبل 11 أيلول (سبتمبر) 2001، لم تسبك في عبارة واضحة ومعلنة إلا بعد اليوم هذا: ينبغي أن يدور العالم على محور الصدارة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأميركية وحده. والحق أن العالم كان يسعى الى الانتظام على محور واحد، ولكنه لم يكن بلغ بعد القطبية الواحدة. وبلوغها يعني احتساب الواقع هذا في علاقات الدول بعضها ببعض، وفي الهيئات الدولية وعملها. ونحي النظام العالمي الجديد الذي رفع بوش الأب لواءه واستعاده بيل كلينتون. ونميت أفكاره: نشر دولة الحق والديموقراطية، والتوسل بالتجارة والعلاقات الاقتصادية الى الإصلاح السياسي.
وزيارة بوش السابعة الى أوروبا تخلف اندماج الأقطاب وذوبانها بعضها في بعض. ولكن ما يبعث على الدهشة هو أن العالم الجديد هذا لا يدور على محور، ولا على قطب. فعالمنا هو عالم من غير قطب. والى هذا يذهب خبير في الموضوع هو ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في دورية «فورين أفيرز» («عصر من غير قطبية»، أيار/ مايو - حزيران/ يونيو 2008). ويقول هاس شارحاً أن العالم يبدو للنظرة الأولى متعدد القطب. فـ75 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي العالمي تملكه خمس دول. وتتقاسم هذه 80 في المئة من النفقات العسكرية. وهو يحتسب ثقل القوى الإقليمية الكبيرة (من البرازيل الى نيجريا)، وكبرى الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات الدولية، والمدن الكبيرة والمناطق الاقتصادية المتعاظمة الدور والوزن (من كاليفورنيا الى شانغهاي)، ثم يتناول وسائل الإعلام العالمية، والميليشيات الأهلية مثل «حزب الله» و «حماس»، وتكتلات المخدرات والحركات الإرهابية.
وجلي أن خطة بوش أخفقت جراء احتلال العراق. وليس الاحتلال السبب الوحيد في الإخفاق. فثمة علة موضوعية هي ظهور القوى الجديدة وتبعثر السلطة. والى العلة الموضوعية ثمة علل ذاتية هي سياسة الطاقة التي تجعل الأميركيين ممولي القوى الناشئة والمعادية في أحيان كثيرة، وتخفيض الضرائب وزيادة النفقات، والعراق حيث لا يسع الأميركيين الانسحاب ولا البقاء. وحين زار الرئيس الأميركي أوروبا قبل 7 سنوات، شمخ بأنفه على العالم كله، وعلى الأوروبيين. وهو اليوم مضطر الى بعض التواضع. فأمور كثيرة في عالم اليوم تصرف من غير علم الرئيس الأميركي ولا تدخله أو رضاه، مثل التفاوض بين إسرائيل وسورية على هامش مؤتمر أنابوليس الذي بادر بالدعوة إليه، أو مثل نفط الخليج الذي لم يزد إنتاجه على رغم مناشدته، والاتفاق الوطني اللبناني الذي نجم عنه تثبيت «حزب الله» نفوذه، والأمور التي يحرك الكرملين خيوطها، والرئيس الآفل هذا لا يزن في ميزان أوروبا. ولكن جولته تنبه الى المهمات الجسيمة التي تنتظر خلفه. فعلى هذا أن يعيد الى أميركا لألاءها، وينسج بين ضفتي الأطلسي علاقات لا غنى لعالم من غير قطب عنها.