جمع بين تصويت الإرلنديين بـ«لا» على معاهدة لشبونة واستقبال الأسد في باريس في 14 تموز (يوليو) المقبل انبعاث الأنانية القومية. ففي الأعوام الماضية، انتقلت الديموقراطيات من رفع لواء حقوق الإنسان الى انتهاج سياسة واقعية. والآمال المعقودة على مساعدة الشعوب المقيدة بوصاية داخلية أو خارجية وإبلاغها محطة الاستقلال، باءت بالفشل. فتبددت أوهام سياسة حقوق الإنسان. وفي بداية عهد الرئيس الروسي، بوريس يلتسين، حسبنا أن روسيا ستنتقل انتقالاً آلياً من النظام الديكتاتوري الى النظام الديموقراطي. وفي مطلع التسعينات، بدا أن سياسة حقوق الإنسان هي وجه من وجوه السياسة الواقعية. ولكن رؤساء كثيرين وجمعيات أهلية خلطوا هذين الضربين من السياسة. وانبعثت الديموقراطية في أوروبا الوسطى، وهذه خبرت من قبل النظام الديموقراطي، على خلاف دول يوغوسلافيا السابقة. وامتحنت الانقسامات الدينية في هذه الدول الديموقراطية الهشة والطرية العود، وقوض الصراع الطبقي الديموقراطية في أميركا اللاتينية. وأخفقت الدول الأوروبية في تعزيز قضايا حقوق الإنسان في المنظمات الدولية، في حين أن الولايات المتحدة، وعلى رأسها جورج بوش، خلطت بين سياسة القوة العظمى الواقعية وحقوق الإنسان.وفي الأثناء، أي بين النزاعين العراقيين، قلبت حادثتان، حرب كوسوفو وهجوم «القاعدة» على مانهاتان، قواعد العلاقات الدولية، وأبرزتا الفرق بين الوقت القريب والقصير الذي يتم فيه نقل المدنية المادية وبين الوقت المديد الذي يقتضيه النمو السياسي. وعلى قدر انتشار المدنية المادية من غير رافد اجتماعي نظيرها، تفاقمت الفروق السياسية والثقافية واتسعت، وناقضت القيم الكونية مثل الحرية والمساواة والعدالة التي رعتها الدول الديموقراطية والليبرالية، الى المنظمات غير الحكومية، وقائع العالم وحقائقه. وندد بالقيم الكونية، ونسبت الى الإمبريالية. وعاد رقاص الساعة ليعلي شأن الخصوصيات الاتنية والعصبية والمذهبية. فنجم عن الحال هذه صدع ليس صدام حضارات، بل هو ثمرة إنكار حركات انكفاء على عوامل الهوية القومية الصلبة، وعلى عوامل الاعتقاد والعرق المدمرة، القيمة الكونية.
وفي السياق هذا، تخلت الدول، الواحدة تلو الأخرى، عن وهم حقوق الإنسان، وتعلقت بخلافها ونقيضها، أي بسياسة واقعية تنزع الى التسليم لحمى العصبيات. وما يلهم الدول والمنظمات غير الحكومية، على مثال «مؤسسة شيراك»، ليس حقوق الإنسان، بل البيئة والتنوع الثقافي. وهذا قناع النسبية. فلم تحمل المنافع التي حصلها الإرلنديون من الدعم البنيوي الأوروبي الناخبين على التضامن مع الاتحاد، مصدر الدعم هذا. وما لم تقوَ أوروبا على إحيائه ونفخ الروح فيه هو المشروع السياسي الظاهر للعيان، والبارز الملامح، نظير الجموح الى التعصب. ولعل ما ألهم توجيه الدعوة الى الرئيس الأسد هو الأمل في حوار رئيس الدولة السوري ورئيس الحكومة الإسرائيلي، وفي تحريره الاتحاد المتوسطي من قيوده ووثائقه، ويفترض هذا التزاماً سورياً على خلاف الإحجام الليبي. والحق أن المشروع المتوسطي نفسه، وهو ممتاز، لا يبلغ غايته ما لم يحمل على ميدان تعاون اقتصادي وثقافي يفضي الى نمو ديموقراطي. فمن المبكر إلباسه ثوب حقيقة سياسية ناجزة.