لم يمت سوى برصاصة من فضة فظنوه مستذئب بشري.. ما حقيقة وحش جيفودان الذي نشر الذعر في فرنسا؟

2020-06-01 | منذ 6 شهر

بين عامي 1764 و1767 تسببَ مخلوقٌ غامض، أُطلق عليه اسم "الوحش"، بنشر الرعب في منطقة ريفية تُدعى جيفودان بفرنسا، وقد وقع حوالي 100 رجل وامرأة ضحية لوحش جيفودان هذا.

وفي حين افترض العديد من الفرنسيين في ذلك الوقت أن الوحش كان ذئباً، وهو ما يوافقهم عليه العديد من العلماء الحديثين، فقد اقترح البعض أن الوحش ربما لم يكن ذئباً على الإطلاق، وذلك وفق لتقرير نشر على موقع History.

ما حقيقة وحش جيفودان؟ "شبيه بالذئب، ولكنه ليس بذئبٍ!"

بحسب السجلات، فقد وقع أول هجوم مميت للوحش في 30 يونيو/حزيران من عام 1764 عندما كان جان بوليه، (14 عاماً) يرعى قطيعاً من الأغنام.

ولم يكُن بوليه الضحية الأولى للمخلوق. فبحسب كتابات المؤرخ جاي م. سميث عن وحش جيفودان، فقد هاجم مخلوق ما امرأة شابة كانت ترعى الماشية، قبل نحو شهرين من مقتل بوليه، وهذا المخلوق كان "شبيهاً بالذئب، ولكن ليس بذئب". وقد تمكنت المرأة من الهرب لأن القطيع دافع عنها.

واستمرت الهجمات خلال الصيف وحتى الخريف، وفقاً لكتاب جورج م. إيبرهارت Mysterious Creatures: A Guide to Cryptozoology.

وكانت فرنسا في ذلك الوقت تمرُ في حالة ركود في أعقاب حرب السنوات السبع، وكانت البلاد قد خسرت معاركها مع بروسيا والبريطانيين، وخسر لويس الخامس عشر مستعمرات في الخارج.

وقد هاجم ما أطلق عليه bête féroce (أي الوحش الضاري) النساء والشباب وأكلهم بشكل جزئي، وفقاً للتقارير، لكن الرجال الكبار الوحيدين كانوا أهدافاً أيضاً. وكانت هناك هجمات كثيرة لدرجة أن البعض تكهن بوجود أكثر من وحش واحد.

مواجهات فردية شجاعة مع الوحش

لم يقف سكان جيفودان المرعوبين مكتوفي الأيدي، فقد انتشرت قصص المواجهات الفردية الشجاعة مع الوحش، عندما أُعلن عن جوائز لقتل هذا المخلوق الغريب.

فتحرك الصيادون لتمشيط المنطقة الريفية بحثاً عنه، بحسب كتابات سميث، وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 1764، بعد ساعات من المطاردة وضرب الوحش، شوهد في شاتو دي لا بوم وهو يلاحق راعياً. فلاحق الصيادون الحيوان في الغابة حتى دفعوه للخروج إلى العراء. وأطلقوا عليه وابلاً من النيران، ولكن بعد أن سقط، نهض وتمكن من الفرار.

حتى الأطفال نالوا الحفاوة لمقاومتهم الوحش. ففي 12 يناير/كانون الثاني 1765، هاجم الوحش جاك بورتيفيه البالغ من العمر 10 سنوات وسبعة من أصدقائه الذي تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 12.

لكن بورتيفيه قاد هجوماً مضاداً بالعصي ضد المخلوق. وقد كافأ لويس الخامس عشر الأطفال وأمر أن تتكفل الدولة بنفقات تعليم بورتيفيه.

الملك لويس الخامس عشر يرسل الصيادين الملكيين أيضاً

كما دفعت بطولات الأطفال بلاط الملك لويس الخامس عشر لإرسال الصيادين الملكيين لقتل الوحش. وأُعلن عن مكافأة كبيرة لمن يحضر رأس المخلوق.

وفي هذه الأثناء، كانت قصة الوحش تنتشر وتحتل عناوين الصحف من من الغرب إلى الشرق، لتصبح واحدة من أولى موضوعات الإثارة الإعلامية في التاريخ.

فمن بين أبرز قصص الشجاعة قصة ماري جان فاليه، الفتاة البالغة من العمر 19 أو 20 عاماً عندما هاجمها الوحش في 11 أغسطس/آب عام 1765 أثناء عبورها أحد الأنهار مع شقيقتها. وقد كانت ماري تحمل رمحاً، استخدمته في طعن الوحش عدة طعنات في الصدر. ونتيجة لهذا هرب المخلوق، وأصبحت ماري تعرف باسم "المرأة المحاربة" و"خادمة جيفودان".

صياد الملك يقتل ذئباً كبيراً

في 20 سبتمبر/أيلول من عام 1765، تمكن فرانسوا أنطوان، حامل القربينة (سلاح ناري قديم يُعبَّأ من الفوَّهة)، ومبعوث الملك، البالغ من العمر 71 عاماً، وابن أخته، من إطلاق النار على ذئب كبير بالقرب من دير في شازيه والذي كان من المفترض أن يكون الوحش. وقد مُنح أنطوان المال والألقاب، وحُنطت جثة الحيوان وأرسلت إلى البلاط الملكي.

الوحش نفسه عاود الظهور أم وحش آخر؟

لكن الهجمات بدأت مرة أخرى في ديسمبر/كانون الأول، وفقاً لرواية مكتوبة في المجلد الصادر عام 1898 من مجلة Parisian Illustrated Review.

هذه المرة، بدا الوحش مختلفاً، على الأقل من الناحية السلوكية. فقد كان المخلوق في السابق يخشى الماشية، لكن هذه المرة لم يُظهر أي خوف. فهل كان هذا وحشاً جديداً؟

فاختار البلاط الملكي تجاهل هذه الهجمات الجديدة، وأصر على أن أنطوان قتل المخلوق.

لكن اندلاع الهجمات المفاجئة في أوائل يونيو/حزيران عام 1767 دفعت أحد النبلاء المحليين، ماركيز دابشيه، إلى تنظيم عملية مطاردة.

وفي 19 يونيو/حزيران، أطلق أحد الصيادين، وهو رجل محلي يدعى جان شاستل، النار على ذئب على سفوح جبل موشيه.

وقد كشف تشريح الحيوان عن بقايا بشرية في أحشائه، وكان للحيوان سمات غير الذئب كما وصفها الشهود.

وانتهت الهجمات أخيراً، ولكن في حين كان من المفترض أن المخلوق الذي قتله شاستل هو الوحش، بقيت الشكوك حول ما إذا كان ذئباً بالفعل.

وصف الوحش وسلوكه

وصف شهود العيان الوحش باستمرار بأنه شيء آخر غير الذئب المعتاد. فقد كان كبيراً مثل العجل أو في بعض الأحيان الحصان.

وكان فراؤه رمادياً محمراً وذيله طويلاً قوياً يشبه ذيل النمر. وكان شعر الرأس والساقين قصيراً وله لون الغزلان. وله خط أسود على ظهره ومخالب في قدميه. ومنحته العديد من الرسومات في ذلك الوقت خصائص ذئبية.

ووصف الشهود الوحش بأنه يصطاد بالمباغتة ويطارد فرائسه ويقبض عليها من الحلق.

وحسبما ورد، كانت الجروح التي وجدت في الجثث عادة في الرأس والأطراف، مع العثور على رفات 16 ضحية بلا رأس.

نظريات حول الوحش

اقترح المؤرخون والعلماء والعلماء الزائفون ومنظرو المؤامرات نظريات حول ماهية الوحش.

ومن بين النظريات المقترحة: ذئب أوراسي، كلب حرب مدرع، ضبع مخطط، أسد، نوع من حيوانات ما قبل التاريخ المفترسة، مستذئب، هجين، ذئب، وكلب، وإنسان.

من بين النظريات الأكثر خيالية نظرية المستذئب. ولكن سميث يشير إلى أن شاستيل زعم أنه استخدم رصاصة فضية لقتل الذئب، وهو ما غذى أسطورة المستذئب لدى البعض.

ومن غير الواقعي أيضاً أن الوحش كان مفترساً من عصور ما قبل التاريخ المنقرضة مثل الدببة الكلاب، أو الذئب الرهيب.

ويجادل سميث بأن فكرة بقاء مثل هذا الحيوان الضخم غير مكتشف لآلاف الملايين من السنين غير قابلة للتصديق.

واقترح آخرون أن سفاحاً بشرياً قد يكون مسؤولاً عن الهجمات. فقد أُبلغ عن قطع رؤوس العديد من ضحايا الوحش، وهو أمر يمكن أن يفعله عدد قليل من الحيوانات.

وفي حين أنه من غير المحتمل أن يتجول القاتل حول الضحايا في وضح النهار متنكراً في صورة حيوان متوحش، يعتقد أولئك الذين يدعمون هذه النظرية أن القاتل البشري استخدم حيواناً لتنفيذ الجرائم.

فتكهن البعض أنه كان كلباً حربياً مدرعاً، وهو ما يفسر مظهره الغريب وكيف نجا من وابل النيران.

ضبع مخطط؟

تشير بعض رسومات الوحش -والحيوان الذي قتله شاستل- إلى أنه يشبه الضبع المخطط. ومن المحتمل أن يكون ضبعاً مخططاً كان مملوكاً لشخص ما وفي حيازته ثم تمكن من الهرب.

ونظراً لأن فرنسا ليست موطناً أصلياً لهذا الحيوان، فقد بدا للناس حيواناً غريباً. مع ذلك، لا تُعرف الضباع المخططة بمهاجمة البشر.

أسد؟

يقول كارل هانز تاكي، عالم الأحياء إن الوحش ربما كان أسداً غير مكتمل البلوغ.

ومثل الضبع، من الممكن أن يكون الأسد قد هرب من الأسر. وبحسب ما ورد كان الوحش يصطاد بشكل مباغت ويقبض على فريسته من رقبتها ومن الممكن أن يقطع رأس الضحية. ويرى تاكي أن الأسد يمكن أن يظهر هذه السلوكيات المفترسة.

ومن المعروف أن الأسود تفترس البشر كمصدر للغذاء، مثل الحالة الشهيرة لأسود تسافو، وهم زوج من الأسود قتلوا أكثر من 130 ضحية في أقل من عام.

وهناك حقيقة داعمة أخرى هي أن نطاق تحركات وسيطرة الوحش امتد على مساحة 56 × 50 ميلاً تقريباً، وهي مساحة تتماشى مع النطاق النموذجي لسيطرة الأسد.

ومن المرجح أن شهود العيان في فرنسا في ذلك الوقت لم يكونوا على دراية بالأسود الحية، وما عرفوه عنها جاء من صور منمقة للغاية.

ذئب؟

من بين النظريات الأكثر مصداقية أن الذئاب داومت على شن الهجمات. وبحسب ما قاله سميث لمجلة Smithsonian، "تعرضت جيفودان لغزو خطير من الذئاب". وهو يعتقد أن الذئاب الكبيرة الوحيدة أو زمرة من الذئاب كانت تهاجم الأفراد أو التجمعات الصغيرة في جميع أنحاء المنطقة.

وتعد المنطقة موطناً أصلياً للذئاب، وقد هاجمت البشر من قبل، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن الذئاب هاجمت البشر 9 آلاف مرة في فرنسا بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وفي معظم الحالات كانت الذئاب المسعورة هي من تهاجم.

هناك بعض العيوب المحتملة في نظرية الذئب، بما في ذلك تواتر هجمات الوحش القاتلة، مما يشير إلى أنه لم يكن ذئباً مسعوراً.

وأيضاً لم يصب أي من ضحاياه بداء الكلب، مما يوحي بأن مهاجمهم لم يكن حاملاً لداء الكلب.

ورغم الأصوات القوية التي تزعم وجود نظريات متعددة حول هوية الوحش جيفودان، إلا أن الجميع يعترفون بأن الحقيقة لن تكون معروفة بالكامل. وبدون أي دليل جيني أو تشريحي، سيبقى وحش جيفودان لغزاً إلى الأبد.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي