تداوَوا بالكوكايين والوشوم، واستعانوا بالسحر والشعوذة.. غرائب الطب في العصور القديمة

2020-05-31 | منذ 1 شهر

اعتقد القدماء أن الأرواح الشريرة والشياطين هي من تسبب الأمراض، وقد كان اللجوء إلى السحر والشعوذة سبيلاً لعلاجها من وجهة نظرهم، ففي المجتمعات القديمة لم يكن أي شخص مؤهلاً ليكون طبيباً، إذ يتوجب أن يمتلك قدرات خاصة تؤهله للتواصل مع العالم الآخر.. مع ذلك تدلنا المستحاثات والنقوش التي خلفها القدماء في كهوفهم على أن الطب في العصور القديمة كان أكثر تطوراً مما نتخيل.

فقد عرفوا المصدر الطبيعي للإسبرين، واستخدموا عديداً من الأعشاب التي لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا في التداوي، وعرفوا الطب النفسي والتجبير وحفر الأسنان، وأشكالاً بدائية للغاية من الجراحة.

من إنسان النياندرتال البدائي، مروراً بحضارات المايا والأزتك والقبائل الإفريقية، وانتهاء بحضارة بلاد ما بين النهرين، فلنتعرف على شكل الطب في عصور ما قبل الميلاد:

الطب في العصور القديمة

يوماً بعد يوم تنكشف أدلة جديدة تبرهن على أن الطب في عصر "ما قبل التاريخ" كان أكثر تطوراً مما نتخيل.

فقد علم الإنسان البدائي أنه عرضة للإصابة بأمراض معينة، وحاول استكشاف أدوية لتلك الأمراض، وعلى الرغم من أنه أخفق في كثير من الحالات، فإنه وُفِّق في استخدام بعض الأعشاب للاستشفاء.

إذ تدلنا مستحاثات تعود لـ49 ألف سنة مضت اكتُشفت مؤخراً في إسبانيا، على أن إنسان "النياندرتال" -البدائي الذي استوطن أوروبا وأجزاء من آسيا منذ نحو 350 ألف عام- كان يستخدم عشبة تدعى "Yarrow" كدواء مُنبه، واستخدم البابونج كدواء مُهدّئ للأعصاب ومضاد للالتهاب.

كما عرف الإنسان البدائي في تلك العصور أهمية تجبير العظام المكسورة فعمد إلى صنع جبائر من الطين المجفف واستخدم ضمادات من الأعشاب لوضعها على الجروح ومنعها من الالتهاب، حتى إن الأسنان كانت تُحفر في ذلك الوقت للتخلص من الآلام الناتجة عن الخراجات.

 

كما عالج القدماء مشاكل الهضم بحكمة باستخدام الأعشاب المناسبة، وعرفوا أن لحاء الصفصاف -المصدر الطبيعي للأسبرين الذي نستخدمه اليوم- يستخدم للقضاء على الألم والحمى.

ومن المثير للاهتمام معرفة أن 25% من الأعشاب المستخدمة لعلاج الأمراض اليوم كانت مستخدمة للأهداف ذاتها في العلاج التقليدي بعصور ما قبل التاريخ.

الطبيب المشعوذ طارد الأرواح الشريرة

تروي لنا عديد من الرسومات التي خلفها أسلافنا في الكهوف قصص أناس مميزين عمِلوا معالجين للأمراض من جهة ووسطاء مع العالم الآخر من جهة أخرى، ويطلق على أولئك لفظ الـShaman أو الطبيب المشعوذ، والذي يمكن أن يكون ذكراً أو أنثى. . 

المعتقدات الدينية والإيمان بالقوى الخارقة أسهما في تمكين أولئك الأطباء المشعوذين وجعلهم يتبوأون مكانة عالية في مجتماعاتهم. 

فقد كانت الأرواح الشريرة والشياطين الملام الأول على الأمراض التي تصيب البشر في تلك الحقبة؛ لذلك لم يكن الأطباء العاديون جديرين بمعالجة هذه الأمراض، فكان لا بد من تدخُّل شخص ذي مكانة أعلى شأناً مثل الـShaman.

إلى جانب العلاج الفيزيائي، والعلاج بالأعشاب والمراهم وعظام الحيوانات ودمائها في بعض الأحيان، استخدم هؤلاء الأطباء المشعوذون التمائم والتضحيات والتعويذات لطرد الأرواح المسببة للأمراض.

فقد كانوا يمتلكون -من وجهة نظر مجتمعاتهم- قوى خارقة تمكِّنهم من التواصل مع العالم الآخر، ولعب دور الوسيط الذي يطرد الأرواح الشريرة التي تسكن المرضى ويعيدها من حيث أتت.

عملية الطرد هذه تتم حصرياً عبر طقوس معينة، تختلف من ثقافة إلى أخرى، لكن معظمها يتضمن قرع الطبول ورقصات معينة وأناشيد وتضحيات، كما يتم حرق أعشاب عطرية ذات رائحة نافذة في تلك الطقوس، ويوزع الطبيب المشعوذ جرعات من الأعشاب على الحاضرين؛ ليتمكنوا كذلك من التواصل مع العالم الآخر.

والمثير للاهتمام، أن تلك الأعشاب التي يتم تناولها في هذه الطقوس تحتوي في معظمها على مواد كيميائية مُذهبة للعقل لها تأثير المخدرات والمواد المهلوسة.. لذا لا عجب أن يصحو الجميع معتقدين أنهم كانوا يتواصلون فعلاً مع عالم الأرواح!

لم يقتصر وجود هذا النوع من المعالجين على عصور ما قبل التاريخ، إذ بقي أولئك موجودين في عديد من الحضارات والثقافات في أمريكا وإفريقيا وآسيا وأستراليا، فترة طويلة من الزمن.

فقد كانت القبائل الأمريكية على سبيل المثال، تعتقد أن عملية الشفاء من الأمراض تتضمن توازناً بين العقل والجسد والروح، لذلك لا بد من وساطة مع العالم الآخر كي يُشفى المريض من علَّته. 

المشورات النفسية عند شعوب المايا

عرفت القبائل البدائية في تلك المناطق كذلك الطب النفسي بشكل يشبه إلى حد ما، مفهومنا الحديث عن الموضوع.

إذ كانت من وظائف الطبيب المشعوذ أيضاً إعطاء مشورات لأولئك الذين يعانون من صعوبات في حياتهم الشخصية، فكان يستمع إلى مشاكلهم ويحثهم على إيجاد التوازن بين عواطفهم وأفكارهم. 

وقد يقدم الطبيب المشعوذ علاجاً عشبياً لهذا النوع من المشاكل، بالإضافة إلى الصلوات التي يقدمها للآلهة حتى تكشف كرب المريض.

ففي حضارة المايا على سبيل المثال -والتي سكنت وسط أمريكا منذ نحو ألفي عام قبل الميلاد- اعتاد المعالجون الذين يطلق عليهم اسم ah'men، مناقشة المشاكل التي تواجه مرضاهم في حياتهم الشخصية وإسداء النصح لهم لتغيير عاداتهم اليومية لعلاج تلك المشاكل، فيما يشبه اليوم ما يعرف بالمشورات أو المعالجة النفسية. 

العلاج بالمخدرات والكحول

استخدمت الأعشاب المهلوسة والمخدرة والمشروبات الكحولية والتبغ لأغراض علاجية في عديد من الحضارات.

على سبيل المثال كانت جذور نبتة الإيبوغا تستخدم كدواء منشط بجرعات بسيطة في إفريقيا، وهي نبتة تسبب هلوسات لأولئك الذين يتناولونها بجرعات كبيرة.

وفي شمال أمريكا كان تدخين التبغ يعتبر أحد الممارسات الأساسية في طقوس العلاج والصلوات التي يقيمها الطبيب المشعوذ للتواصل مع العالم الآخر وطرد الأرواح الشريرة.

أما شعوب الأزتك، فقد كان أشهر علاجاتهم ما يعرف بالبليك أو الأوكتليك وهو مشروب كحولي قوي المفعول.

واستخدمت القبائل التي سكنت في جنوب أمريكا أوراق الكوكا -مصدر الكوكايين- كعلاج منشط بجرعات قليلة.

العلاج بالوشوم

إلى جانب المشروبات الكحولية وعقاقير الهلوسة وأوراق الكوكا، كانت لدى القدماء طرق غريبة أخرى للتداوي من الأمراض، مثل الوشوم على سبيل المثال.

في العام 1991، تم اكتشاف مومياء رجل الجليد الذي أطلق عليه اسم "أوتزي" في جبال الألب، إذ عاش أوتزي قبل 5300 سنة، وقد كان يبلغ من العمر 45 عاماً عندما توفي، وفقاً للعلماء.

ووفقاً لتحليل موميائه، فقد وجد العلماء أن جسده كان يضم قرابة 50 وشماً.

لم تكن تلك الوشوم مجرد موضة كما هي اليوم، بل كانت تستخدم كعلاج للتخلص من الألم منذ نحو 5300 عام، إذ يشبه مبدأها مبدأ عمل الوخز بالإبر.

مومياء أوتزي كانت دليلاً جديداً على استخدام القدماء للوشوم في العلاج، كما كانت كذلك دليلاً جديداً على المعرفة التي طورها القدماء في مجال الطب.

فقد وُجد أن أوتزي كان يعاني من بعض الطفيليات المعوية قبل وفاته، وقد وجد مع موميائه بعض الأدوات التي كان يستخدمها مثل سكين وسهام وفأس وما يعتقد أنه حقيبة طبية صغيرة، حوت أنواعاً من الفطريات التي تعتبر بمثابة دواء ملين ومضاد للالتهاب وهي مفيدة لحالته الصحية.

ثقب الجمجمة لإخراج الشياطين من رأس المريض

رغم أن القدماء اكتشاف بعض الأدوية لبعض الأمراض الشائعة، فإنهم لم يتمكنوا على الإطلاق، من إجراء أي نوع من العمليات الجراحية الناجحة.

كان ثقب الجمجمة أولى العمليات الجراحية التي عرفها البشر، ويرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث.

إذ تشير النقوشات والرسومات التي خلفها الإنسان البدائي، إلى أنه كان يعتقد أن هذه العملية تشفي من بعض الأمراض كالصرع والصداع النصفي والاضطرابات النفسية.

في وقت لاحق، بات الأطباء يثقبون جمجمة المريض ويستخرجون قطعة صغيرة منها ثم يخيطون الجرح ويطلبون من المريض ارتداء القطعة المستخرجة من جمجمته لطرد الأرواح الشريرة.

وقد اعتقد سكان أمريكا الأصليون أن هذه العملية تساعد على إعادة إحياء الموتى، كما استخدمت في العصور الوسطى كعلاج جدي لبعض الأمراض النفسية كالاكتئاب والفصام والتي كان يُعتقد أن الشياطين الشريرة هي سببها، فثقب الجمجمة باعتقادهم يتيح مجالاً لخروج الشياطين من رأس المريض. 

وقد بقيت هذه العملية شائعة بالفعل مدة طويلة في أوروبا، على الرغم من انعدام جدواها، ففي القرن الثامن عشر على سبيل المثال، قام الطبيب الفرنسي جين جاكوس بوستارد بإجراء هذه العملية 52 مرة للمريض ذاته خلال فترة شهرين فقط.

 

المرأة تُمرض وتُشفي عند الآشوريين

كانت آلهة الشفاء عند الآشوريين أنثى تدعى "غولا"، أما الشيطانة المسببة للأمراض وفقاً لمعتقداتهم، فقد كانت أنثى كذلك وتدعي "ليليث".

وعلى الرغم من أنهم كانوا يعزون الأمراض إلى الشياطين والقوى الخفية، فإن الطب لديهم كان أكثر تطوراً.

فقد استخدم الأطباء في بلاد ما بين النهرين العقاقير الطبية  النباتات للتداوي، كما كانوا يجرون عمليات جراحية بسيطة، وعرفوا التشخيص الصحيح لعديد من الأمراض، وأدركوا أن بعضها ينتشر بالعدوى، وطبقوا الحجر الصحي عندما كانت الأمراض الوبائية تضرب بالبلاد.

لكن ذلك لا يعني أن استخدام السحر للشفاء لم يكن شائعاً في تلك المنطقة، فقد قُسم الأطباء في بلاد ما بين النهرين إلى ثلاثة أنواع، الأول يدعى masmassu وهو الطبيب الأعلى الذي يقع على عاتقه طرد الأرواح الشريرة خلال طقوس خاصة يستخدم فيها التعويذات والتمائم.

ويليه في الترتيب ما يسمى الـbaru وهو عراف يتنبؤ بمسببات المرض، وفي المرتبة الأخيرة نجد الـasu وهو طبيب فيزيائي يشخص المرض ويقدم علاجاً له سواء بالأعشاب أو العقاقير أو الكمادات أو حتى الجراحة.

وقد كانت القوانين البابلية التي فرضها حامورابي عام 1750 قبل الميلاد صارمة حتى على الأطباء، إذ تنص على أن الطبيب يتقاضى 10 قطع فضية مقابل العمليات الجراحية، و5 قطع مقابل تجبير العظام، لكن تسعيرته تقل إلى 3 قطع إذا كان المريض من عامة الناس، وإلى قطعتين إذا كان المريض من طبقة العبيد.

ولكن، في حال ارتكب الطبيب خطأ أودى بحياة المريض، عندها تقطع يد الطبيب في هذه الحالة.

وعلى الرغم من أن البشر بشكل عام استغرقوا آلاف السنين ليقتنعوا بأن الأرواح الشريرة بريئة من الأمراض التي تصيبهم وبأن السحر لن يجدي نفعاً في علاج الأمراض، فإنهم استطاعوا تطوير أسس طبية تعتبر مذهلة مقارنة بالإمكانات المحدودة التي كانوا يتمتعون بها.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي